الرئيسيثقافة

رواية “سهرة تنكرية للموتى” لغادة السمان: عندما تسقط الأقنعة عن الجنون البيروتي

سلسلة الأدب النسائي

 

هي امرأة المطارات بامتياز عاشت حياتها متنقلة من بلد إلى آخر فبين دمشق مسقط رأسها وطن الجنة الضائعة والطفولة المنقضية  وبيروت مسقط قلبها ووطن الإبداع لديها وبين باريس منفاها ووطن حريتها كانت رحلة المبدعة السورية غادة السمان.

ولذلك يمكن القول إنها امرأة متعددة الهويات وهذا ما صنع تميز مدونتها الإبداعية التي راوحت فيها بين الرواية والقصة القصيرة والشعر والرسائل والسيرة الذاتية ومن أهم انتاجاتها رواية حفلة تنكرية للموتى التي نتصفحها ونقارب ما جاء فيها في هذه المساحة.

تبدأ وقائع الرواية في طائرة قادمة من باريس وتحط في مطار بيروت وتبرز نماذج بشرية متعددة من الركاب اللبنانيين وطبيبة فرنسية وزمن الحكي هو ما بعد الحرب الأهلية التي ألقت بظلالها على الأبطال والتي تتجلى في شكل كوابيس ومخاوف ملتبسة بذكريات كل واحد من الشخوص.

ومن خلال تلك المشاعر المتناقضة والمتضاربة تقارب غادة السمان ما أسمته بموزاييك الجنون البيروتي.

ومن خلال سيرورة الأحداث نفهم أن الأبطال فروا من جحيم الحرب الأهلية إلى النعيم الباريسي بحثا عن الاستقرار والأمن  لكن الجنون البيروتي لم يغادرهم بل استوطن ذاكرتهم وأنفسهم القلقة الحائرة.

وما بين الوطن المسبي المستلب وما بين الغربة الاختيارية او وطن المنفى تختلط الرؤى والمفاهيم والمواقف لدى أبطال الرواية حتى تلتبس الحقيقة بالخيال لديهم والإدراك بالجنون والعبث واللامعنى ويصعب التفريق بين الخط الفاصل بين ما هو مجرد وما هو تجسيد وما هو وعي وما يتجاوز المدركات الحسية.

وفي لحظات يبدو المشهد قاتما وسوداويا لكنه سرعان ما ينبعث الأمل والتفاؤل من بين ثنايا تلك الكوابيس.

وتلك هي ميزة إبداع غادة السمان التي دوما كان أبطالها مختلفون عن المألوف والسائد فهم على حافة الجنون وعبثيون وسرياليون ومغامرين لا يعرفون الحدود ومقامرون أيضا.

في رواية سهرة تنكرية للموتى تتخفى غادة السمان في ثوب طبيبة فرنسية اسمها ماري روز وهي شغوفة ومجنونة  بالعالم البيروتي وهي الشخصية الرئيسة التي يدور في فلكها باقي الشخوص.

أما عبد الكريم الخوالقي فهو منتحل شخصية كما أرادته الكاتبة وهو يقدم نفسه على أساس انه ابن رئيس وزراء قهرستان وحلمه ان يصبح من ذوي الثراء الفاحش في مجتمع الاغتراب الباريسي في حين تبدو شخصية النادل ناجي الذي ينتحل هو الآخر في هذه السهرة التنكرية المجنونة شخصية صاحب المطعم الذي يعمل به.

 

وينضم إليهم فواز الفرنسي الجنسية واللبناني الأصل والذي غاب مضطرا عن وطنه ما يزيد عن العقد وعاد خائفا ومرتبكا وهو يصافح بلده بعد سنوات الاغتراب لاسيما وانه ارتبط في ذهنه بالدم والحرائق والمعارك والرهان على الموت وتمجيده.

وتتسم هذه الشخصيات الرئيسة في رواية سهرة تنكرية للموتى بكونها بالغة التركيب والتعقيد فهي ذات اكثر من وجه ومن بعد على مستوى التركيبة النفسية والصراعات التي تتفاعل داخلها.

وليس هذا فحسب فهذه الرواية العجيبة تشبه الى حد كبير أفلام الرعب التي تقدمها السينما الأمريكية وتتماهى معها في كثير من اللحظات المفصلية.

وفي السهرة التنكرية تحضر بيروت كبطلة ومحور الأحداث ومنطلقها وهي التي تتجلى كسيدة مهووسة بالجمال وبالموت أيضا فهي المتناقضة التي تحمل كل الأضداد المتعايشة في وئام كما تقول الكاتبة.

وتنزاح الرواية المكتظة بالجنون من السهرة التنكرية التي عاشتها البطلة ماري رو زاو غادة السمان المتخفية في هذه الشخصية لتنقلها من العالم الغرائبي الذي ميز السهرة التنكر الى واقع البؤس في الضاحية الجنوبية حيث يتبدل المشهد وذلك أيضا ملمح من ملامح بيروت المتناقضة.

والحقيقة ان سهرة تنكرية للموتى او موزاييك الجنون البيروتي رواية مخاتلة ماكرة تعانق الواقعية السحرية أحيانا كما كتبها رموز الرواية في أمريكا اللاتينية وعندما نفرغ من قراءتها ونطوى صفحاتها. لن ينتهي كل شيء فأبطالها سيغادرون الورق ويخرجون الى القارئ كالأشباح.

وتتسق هذه الرواية المجنونة مع صاحبتها التي تعد من رائدات الأدب النسائي في العالم العربي وهي من أغزر الكاتبات إنتاجا وتنوعا كما ان مسيرتها الحياتية جديرة بالاهتمام والاستقراء.

فهي الدمشقية التي ولدت لأسرة عريقة في الشام ووالدها مثقف كبير كان رئيسا للجامعة السورية وهو الذي أورثها الشغف بالأدب وبالتراث العربي رغم اختصاصه في مجال الاقتصاد السياسي الذي درسه في جامعة السوربون.

وظهر التمرد على شخصية غادة السمان منذ نعومة أظافرها واصطدمت طبعا بالمجتمع الدمشقي المحاضر سواء على المستوى الإنساني والإبداعي وقد وثقت لكل ذلك في كثير من الكتب التي تناولت سيرتها الذاتية.

وعندما أصدرت مجموعتها القصصية الأولى في وائل الستينات والتي وسمتها ب “عيناك قدري “اعتبرت في ذلك الحين واحدة من الكاتبات النسويات خاصة وان هناك تيارا بدا ينشا في تلك الفترة حول ظاهرة النسوية.

 

 

لكن غادة السمان  كسرت شرنقة الأنثى المتمردة في صورتها النمطية وحلقت في أفاق رحبة إنسانية اجتماعية وسياسية وحضارية.

خاصة وان دراستها كانت في مجال الأدب الانجليزي ورغم اهتمامها البحثي بمسرح اللامعقول الذي أعدت حوله رسالة الماجستير إلا أن شغفها بالصحافة طغى على أي اهتمام آخر وعملت مراسلة كما ساهم سفرها الكثير وتنقلها بين عواصم عديدة في صقل موهبتها الإبداعية وفي إكسابها عمقا في طريقة التناول وفي المضامين.

وتجلى ذلك في مجموعتها القصصية ليل الغرباء التي صدرت عام 1966 وبدا النضج يتضح في أسلوبها وهو ما أشاد به النقاد وقتها وهو ما كرسها أيضا ككاتبة كبيرة وسبقتها مجموعة لا بحر في بيروت.

لكن كتابة ومسار غادة السمان الإنساني والإبداعي سيتغير جذريا بعد نكسة 1967 التي كانت صدمة للكاتبة ولجيل بأكمله وهو ما جعلها تكتب مقالا أشبه بالمرثية عنوانه ” احمل عاري الى لندن “.

ولم تكتب بعدها نصا أدبيا على الإطلاق واكتفت بالمقالات الصحفية التي وجت فيها ضالتها للتعبير بعنف وغضب عما حدث. حتى جاء عام 1973 والذي شهد حرب العبور وهو ما أعاد الأمل والثقة إلى المثقفين العرب وأصدرت عامها غادة السمان مجموعتها القصصية ” رحيل المرافئ البعيدة ” واعدت أهم مجموعة قصصية في مدونتها وعبرت فيها ببراعة عن أزمة المثقف العربي والتناقضات التي يعيشها .

 

غادة السمان بين صورتي أنسي الحاج وغسان كنفاني الذين أغرما بها

 

ثم أصدرت رواية بيروت 75 والتي نأت فيها عن الجانب الرومانسي الذي يصور لبنان كسويسرا الشرق لتنحت في العمق وتبرز التشوهات التي لحقت بهذا البلد الجميل. ثم توالت أعمالها على غرار كوابيس بيروت وليلة المليار والرواية المستحيلة. وغيرها من الأعمال التي جعلت منها واحدة من أهم الأقلام الناطقة بالعربية.

وكما كانت كتابات غادة السمان صادمة للمجتمع فإن  ما أقدمت عليه من نشر رسائل الكاتب الشهيد الفلسطيني غسان

كنفاني الذي ارتبطت به بعلاقة عاطفية عاصفة كان مستفزا أيضا للنخبة العربية بأكملها وانقسمت الآراء حول هذا الفعل  فمنهم من رحب به باعتبار ذلك من باب الفعل الإبداعي والتأريخ لقصة حب استثنائية بين بطل قومي ومبدع كبير ومبدعة ومنهم من استنكر ذلك وعده بمثابة ” الخيانة لذكرى الشهيد وتعرية لشيء حميمي وخاص ما كان لغادة السمان ان تقوم به.

ورغم كل هذا تبقى غادة السمان واحدة من النساء اللواتي ناضلن من اجل الفعل الإبداعي وتعرية الواقع العربي المشوه دون إهمال نضالها من اجل كينونة المرأة .

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.