الرئيسيثقافة

فضيلة الفاروق و”تاء التأنيث” الفاضحة

سلسلة الأدب النسائي

 

 غامر عدد من الكتاب الجزائريين بفتح الملفات المحرمة، الجنس والجسد والإرهاب، وغيرها من المواضيع المسكوت عنها في أعمالهم. لقد مارسوا مهمة التشريح تشريح جسد المجتمع الجزائري الخاص واختراق حدوده الحميمة.. لاشيء سيظل مخفيا، سنرفع الحجاب ونواجه مشاكلنا وعيوبنا وعوراتنا.. هكذا تحدث بعض كتاب الجزائر، وكانت بينهم الروائية فضيلة الفاروق التي تعدّ من بين الأقلام الجريئة التي خاضت في الممنوع السياسي والجنسي.

تحدثت الفاروق في مواضيع كثيرة شبه محرمة مثل هوية الجزائر والإرهاب وقضايا المرأة بشكل جديد غير معهود على القارئ في بلادها، كما تعرضت كتاباتها إلى مواضيع “الاغتصاب الزوجي والعنف الأسري ورفض العادات والتقاليد والحجاب”، وهو ما جعلها تتعرض إلى الهجوم في أكثر من مرّة، كما اتهمت بأنّها “كاتبة جنس”، وهي التهمة التي رفضتها بشكل قاطع.

ولدت فضيلة الفاروق في 20 نوفمبر 1967 بجبال الأوراس في ولاية باتنة بشرق الجزائر لعائلة مثقفة اشتهرت بالعلوم وممارسة الطبّ. ورغم ميولها الأدبية، درست فضيلة الفاروق الطبّ لسنتين قبل أن تقرر الالتحاق بكلية الآداب التي تميزت فيها كما تميزت في أعمال النوادي الثقافية، ومارست الصحافة والفنون التشكيلية وغادرت الجزائر نحو بيروت سنة 1995 البلد الذي تصالحت فيه مع أنوثتها حسب إحدى تصريحاتها الصحفية.

 

ومن أهمّ أعمالها ” اكتشاف الشهوة” و”تاء التأنيث” و”مزاج أنثى” و”أقاليم الخوف”، وقد تمّ ترجمة بعض أعمالها إلى اللغتين الفرنسية والإسبانية.

حول علاقتها المعقدة بين بيروت والجزائر قالت في حوار صحفي لمجلة “نِزوى” العمانية في أفريل 2014:عشت ظروفا صعبة في بيروت، لكنّها لم تحفزني على الكتابة بقدر ما تحفزني الجزائر، فبيروت مدينة الحياة الدنيا أستنشق فيها حريتي كأنثى، القضايا الكبرى تفرضها عليّ الجزائر فرضا وباستفزاز كبير حتى أكتبها”

يمكن أن نقرأ من خلال قرار الفاروق في مغادرة كليّة الطب إلى دراسة الأدب ثم مغادرة وطنها الأمّ إلى بيروت التي خرجت حديثا من الحرب الأهلية، ملامح شخصيتها المتمردة على القدر الذي رسم لها وهو ما تجلى واضحا في نصوصها، لقد رفضت سيطرة الذكور على عوالم النساء وعلى التحكم في مصائرهن وأجسادهن وخاضت في رواياتها حقّ تقرير المصير للنساء، محرضة إياهن على الرفض والثورة من العادات والتقاليد التي جعلت منهن خادمات مطيعات لمعشر الرجال.

 

 

“سأكون مجنونة لو تقبلت جسد الأنثى الغبيّ الذي يكبلني، لو كنت رجلا لقتلت الوغد اليوم، كنت باصيت، حكم عليّ بالسجن خير لي من هذه الإهانة”.

جملة قالتها لويزا بطلة “مزاج مراهقة ” إحدى روايات فضيلة الفاروق، إثر صفعة تلقتها، هي التي رفضت جسدها الأنثوي لأنّه يعبر عن ضعفها ووضاعتها في المجتمع الذكوري، فتخلت البطلة عن شعرها وتجردت من كلّ معالم أنوثتها، ومن خلال صور فضيلة الفاروق وإطلالاتها الإعلامية سنجد أنّ هذه الأخيرة قد تخلت عن شعرها.. ترى هل كانت لويزا هي فضيلة التي كتبتها أو شيء منها؟

تناولت فضيلة الفاروق من خلال روايات “تاء التأنيث” و”اكتشاف الشهوة ” موضوع العنف الأسري ضدّ النساء، سواء عنف الرجل ضدّ زوجته أو عنف الأخ ضدّ أخته أو العنف ضدّ النساء العجائز، العنف الذي وحدّ الأجيال النسائية تحت الصفعة الذكرية، فالعنف يوحدهن ويعيد تشكيلهن من جديد: إنّهن مجرّد كائن تابع لا يصلح أمرهن إلا بالضرب.

“عذريتي التي سلبت وجسدي الذي انتهك، وقلبي الذي ديس، وتاريخ مرير من النفاق الذي ساد كل الدنيا”،  من رواية ” اكتشاف الشهوة”.

يتسم قاموس فضيلة الفاروق اللغوي بالتحرر من كلّ الضوابط الأخلاقية، لغتها لغة سافرة لا تؤمن بالتخفي والاختفاء وراء الأحجبة، إنّها لغة الجسد الراقص على الحبال الخطرة وبين التجاويف العميقة، ورغم ذلك مازال قلمها يرنو إلى التحرر والانعتاق من كلّ المسلّمات والمحرّمات.

” أفتح باب شقتي وأدعوه إلى الدخول، يتردد قليلا ثم يدخل، أبحث عن النور يمدّ يده ويبحث عنه هو الآخر، تتعانق أصابعنا وتبدأ قصة هنا في العتمة تحركها الأصابع ثم الأنفاس ثم صمت متآمر مع الخطيئة”..  (اكتشاف الشهوة).

كما كتبت الرواية بنفس شبقي وروح تحررية، وكتبت الشعر بتلك الروح الثائرة والمتمردة وأصدرت ديوانها سنة 2015  “منهكة بحبّك يا بن دمي”، فكتبت عن الحبّ بعينها الخاصة التي ترى الأشياء مختلفة عما يراه الآخرون، وروت تجربتها الشخصية دون حواجز أقامتها بينها وبين القارئ.

 

أشبه أمي في حظّها العاثر

أشبه أبي في غضبه اللا مفهوم

أشبه أعمامي في بعض غرورهم

أشبه أخوالي في تمردهم المبالغ فيه

أشبه جدتي لأبي في جرأتها

أشبه جدتي لأمي في سكونها المخيف

هل من دواء لأوجاعي وقلّة حيلتي؟ لو سألت امرأة عربية الروائية الجزائرية فضيلة الفاروق لأجابتها اكتبي وثوري من استكانتك وضعفك. فالكتابة لدى فضيلة الفاروق هي شكل من أشكال العلاج من وجع الجزائر التي لاحقتها حتى في غربتها عنها، الجزائر التي غمست فيها حبرها لتكتب وتحلّق خارجها ولتصبح اليوم إحدى أهمّ الروائيات العربيات الناجحات في الساحة الثقافية.

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.