مدونات

احذر.. لحوم بعض العلماء مسمومة!

مدونات

 

إياك أن تتحدث عن العالم بسوء، فلحوم العلماء مسمومة! تلك عبارة طالما رددها ولايزال بعض الشيوخ،  عندما تفوح رائحة الخزي من فتاويهم، فهذه الجملة هي آخر حبل تتعلق به هذه “المومياوات” التي بدأت تتساقط تباعا!

ولست أدري على أي نصوص مرجعية يستند أصحاب اللحوم المسمومة، ليصنعوا من أنفسهم ما يحاولون صناعته؟ كأن الأمة تقدس اللحوم ولا تقدس المبدأ الراسخ! كأن التاريخ سيذكر اللحوم ولن يذكر المواقف والبطولات؟

هكذا من غير استحياء تستغفل الأمة، وتغسل عقول أجيالها بعبارة “لحوم العلماء مسمومة” أي أنه لا معقب لقولهم، فإن قالوا: فاسمع لقولهم، وإياك أن تعمل بمبدأ هم رجال ونحن رجال، أن أن تحاول بنفسك البحث والتنقيب  فيما يدعون هم البحث والتنقيب فيه! فعندئذ ستكون متطاولا على الحقل المحروس!

إنها صناعة الكهنوت لو تعلمون! لكنها صناعة بائسة، خالفت موعدها مع التاريخ فجاءت في عصر يلفظها من أول وهلة!

إنها تعمل بنفس آليات الكهنوت الكنسي، الذي قام قديما بإضفاء القدسية على شخصية البابا، فأصبح ظل الله في الأرض، وكلمة الرب! ومن هنا نفهم لماذا يحاول هؤلاء تقديس غير المقدس، بحيث تكون القدسية كفيلة بالقيام بالباقي…! فإذا ما قدس شخص وأصبح الاستدراك عليه محرما، معناه أن له السلطة الكاملة والكلمة المسموعة “فالسمع والطاعة يا مولاي”.

إن الذي يردد هذه العبارة ويضعها دستورا يرجع إليه كلما عقب أحد على كلامه! إنما ينطلق من مسلمة كبرى، وهي أنه عالم، لكن مع فارق بسيط بينه وبين العالم الحقيقي، فصاحبنا نصّب نفسه بنفسه، (أو نصبته أجهزة الاستخبارات)، بينما العالم الحقيقي تنصّبه الأمة بما لها من سلطة تقديرية، وبما أظهر هو من علم، ومواقف راسخة، واهتمام بأمر الأمة وأزماتها!

 

المشكلة أن أصحاب اللحوم المسمومة والذين نصبوا أنفسهم علماء، أي الموجهين للأمة، والأوصياء عليها، والأمناء على مصير أبنائها، هم أول من يختفي عندما تختلط الأمور، وتنتفض الشعوب وتخرج للشوارع

 

المسلّمة الأخرى، وهي أن لحمه مسموم! وهنا مربط الفرس، حيث يجعل من نفسه طبقةً وكيانا مستقلا عن الأمة، فهو يمتاز عنها بميزة السم، التي تجعل من الكلام عليه، والتعقيب على فتاواه، ووصفه بما يناسبه، كالعمالة مثلا، مسألة قاتلة كتجرع السم، وهنا المفارقة حيث أنه من جهة جعل نفسه عالما، أي أن صيته سيذيع بين الناس، باعتباره شخصية مؤثرة أكثر من غيره، مما يجعله الأكثر عرضة للنقد من طرف الأقران (العلماء)، والعامة التي تحاكم السلوك انطلاقا من المرجعية، ثم في درجة أخيرة الخصوم. لكنه يأبى إلا أن يكون لحمه مسموما، ولا ينبغي أن يتعرض للنقد، ولا الاتهام بالتخاذل، أو التولي في اليوم الذي تزحف فيه جماهير الأمة!

 

 

المشكلة أن أصحاب اللحوم المسمومة والذين نصبوا أنفسهم علماء، أي الموجهين للأمة، والأوصياء عليها، والأمناء على مصير أبنائها، هم أول من يختفي عندما تختلط الأمور، وتنتفض الشعوب وتخرج للشوارع، ثم يخرجون بعد أن تهدأ الأمور ليقولوا: “ألم نحذركم من الفتنة؟ إنما صمتنا، واعتزلنا الفتنة، وفضلنا عدم الخوض فيها، حتى تتبين الأمور، ويتبين الخيط الأبيض من الأسود (أي الغالب من المهزوم)”.

وتلك مفارقة أخرى، أوليس العلماء كالمصابيح التي يستضاء بها وقت الظلمة؟

فأي عالم هذا الذي يختفي ساعة الشدة، ويترك الجماهير تائهة بلا توجيه، ليظهر بعد استتباب الأمر، بدعوى أنه كان ينتظر أن تتوضح الأمور!

لقد صدقوا فيما يصفون أنفسهم به، فهم سموم مبتوثة في الأمة تسمم العقول، وتصنع الخيبات والهزائم في النفوس! فلو تأملت كم الخراب الذي سببوه لوجدتهم:

شوهوا رموز الأمة  الحقيقين، وأبعدوهم عن الساحة، بما ضخت الجهات الممولة لهم من أموال، ومكنتهم من شبكات إعلامية. فشغلوا أجيال الأمة بأشياء هامشية، وخلافات تاريخية أعادوا إحياءها! فنقلوا المعركة إلى الداخل، معركة الصوفية، والأشعرية، والإخوان، وغيرها من المعارك الفكرية الطاحنة! التي بددت الجهود، فانتعش الفكر الصهيوني من غير حسيب ولا رقيب.

وهذا ما أدى إلى ردود فعل في الأوساط الشبابية خصوصا، حيث صدم أغلب المتابعين لأصحاب اللحوم المسمومة! فتخلوا عن الدين كلية! بل منهم من أصبح من أكبر المهاجمين للدين والتدين، ومنهم من تصهين أكثر من الصهاينة! لأن علماء السم أظهروا للناس أن أول عدو للأمة، هو الصوفي، والشيعي، الأشعري، فوجدت إسرائيل الساحة فارغة من جهتها، فنشرت أباطيلها التاريخية، حتى سمعنا من العرب من يطالب بجلاء “الفلسطينين المجرمين”؟!

هذه حصيلة علماء كانت لحومهم مسمومة، فنفثوا سمومهم في العقول، وما لم تتدارك الأمة، وتضرب بعرض الحائط بكل فتوى عميلة، وتعيد توجيه البوصلة إلى حيث ينبغي أن توجه، وتعيد للقضية الفلسطية مكانتها، وتعاد قراءة الغرب، وخططه إنطلاقا من مفهوم  “الاستخراب”، ويعاد إحياء مفاهيم من قبيل “الأمة الواحدة” ومحاولة جبر أضرار سايكس-بيكو ، فإننا كأمة عربية إسلامية سنجرد من آخر جورب! وقد جردنا عبر القرن الماضي من كل قطع لباسنا!

الوسوم

عمر السطي

مدون مغربي

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.