الرئيسيثقافةغير مصنف

فروغ فرخزاد صاحبة السيرة السيئة

"كنت تلك المفجوعة المقترنة بالفضيحة والعار"

 

آه … رباه … ماذا أقول
إنني متعبة معذبة من جسدي هذا
أقف كل ليلة على أعتاب عظمتك
في انتظار جسد آخر

فروغ فرخزاد

 

هل كان ذنب الكاتبة أنّها أنثى، أنثى مثل جميع النساء، لا تختلف عنهن في شيء من الأنوثة والجمال تختلف عنهن فقط في الجرأة التي طرقت بها أبواب الممنوعات، هل ذنب الكاتبة أنّ لها جسدا بمثابة اللعنة في مجتمعاتنا المغلقة، جسد يحكم عليها قبل أن تبدأ في كتابة أيّ حرف؟

أسئلة نطرحها بشدّة خاصة وأنّ مجتمعاتنا مازالت تلاحق النساء، تراقبهن في الغرف الصغيرة والشوارع الكبيرة وتحكم عليهن بالموت ماديا أو معنويا تحاسب نواياهن وترفض أفكارهن .. فروغ فرخزاد الشاعرة الإيرانية كانت إحدى اللواتي حكم عليهن بالنفي، بالإحتقار والإبعاد ..

 

مات جسد فروغ وتحلل تحت التراب ومازال حرفها شامخا وخالدا، وقبرها زاهيا ومحلّ زيارة من قرّاء الشعر الحقيقي، لقد تفوقت وانتصرت على الحاقدين على أدبها هؤلاء الذين حاولوا طمس وجودها والانتقاص منها في حياتها.

مرّ 51 سنة على وفاة الشاعرة الإيرانية فروغ فرخزاد، ومازالت الكثيرات إلى اليوم  تستلهم من سيرتها ومن قصائدها معاني الحرية والنضال ضد المجتمعات الذكورية ، هي الشاعرة المتمرّدة والمرأة المارقة على قوانين الذكورة، والنسوية التي فتحت أبواب الجدال حول أدبها وأفكارها التي لم تتناسب مع الفترة التي عاشت فيها.

 

 

ولدت فروغ فرخزاد في 5 جانفي 1935 في عائلة عسكرية بمحافظة طفرشو الإيرانية وتوفيت في 14 فيفري 1967 اثر حادث سير لم تكمل دراستها وتزوجت في سن السادسة عشر وانتقلت صحبة زوجها إلى الأهواز أين أنجبت ابنها الوحيد ثم طلبت الطلاق بعد عامين من الزواج وحصل طليقها على حضانة الابن وانتقلت هي إلى طهران لمواصلة مسيرتها الأدبية.

 

 

كتبت لابنها الوحيد  قصيدة ” قصيدة لك “، يمكن أن نقرأ من خلالها أحزان فروغ الكبرى التي تراكمت في أعماقها رغم صغر سنّها.


“كنت تلك المفجوعة المقترنة بالفضيحة والعار

الهازئة من الكلام اللاذع

قلت فلأكن صدى كينونتي

لكنني واأسفاه امرأة كنت

عندما تقع نظرات عينيك البريئتين

على هذا الكتاب

المبعثر الذي لا بداية له

سوف ترى التمرد المتجذر للعصور مزدهرًا في كل صوت وأغنية”

 

 

جربت فروغ فرخزاد كل أنواع الاحتقار الاجتماعي لكونها مطلقة أولا وشاعرة وامرأة متحررة ثانيا، ولكنّها تمسكت بحريتها إلى آخر لحظة في حياتها، يطلق البعض لقب “الفيمينست” على فروغ ولكنّها لم تكن نسوية بالمعنى التقليدي، فهي لم تستلهم من أدبيات الحركة النسوية بل كانت نسوية على مقاس تجربتها الخاصة التي دفعتها إلى التمرّد على قوانين المجتمع الذكوري.

 

 

في هذا السياق تقول ” إنّ عالمي مثلا يختلف تماماً عن عالم (حافظ الشيرازيّ) أو (سعدي) حتّى يختلف عن عالم أبي، طريقة تلقي الشاعر والقارئ في فهم مفاهيم عدّة كالعشق والشجاعة والمعتقدات تختلف عن الأمس”. لقد حاولت فروغ التوغل في أقاصي أعماقها وأن تفتح كلّ نوافد روحها لتكتب عن معناة النساء الشرقيات عن العشق وعن الحرية بطريقة لا تشبه إلا نفسها، لقد حركها الجموح والشبق وحبّ الحياة في أن تكتب وتعيش.

 

سأبذر كفى في حديقة الذكرى ,

و أنمو……

اعرف جيدا إنّي سأنمو,

حتى تضع العصافير الملوّنة الصغيرة بيضها

في راحتي الملطّخة بالكتابة.

سأرتدي توأم كرزتين ,

قرطين تتدلى على جيدي,

وتزهو بزهرات الأضاليا أظافري

 

عانت الشاعرة من تجربة طلاقها ومن انقطاع العلاقة مع والدها التي حاولت استعادتها عن طريق شقيقها المقيم بميونخ، تضمنت بعض الرسائل بينها وبين والدها عتابها ومضيها قدما في طريقها  وقناعتها التامة بما تفعل.

 

 

يروم قلبي أن يكتب لكم عن حياتي برمتها، عن كل الأحاسيس والآلام والتعاسة، لكنني لا أستطيع كتابة ذلك. فحينما نستعرض المنظومتين الفكريتين المختلفتين والفضاءين الاجتماعيين المغايرين والمحكومين بظروف مختلفة، كيف يمكن حينها أن نخلق حس التفاهم المشترك.

عاشت فروغ فرخزاد تجربة حبّ فاشلة مع المخرج والكاتب ” إبراهيم كولستان” وقد ساعدته في تنفيذ بعض أعماله السينمائية كما أنّها أنجرت عدد من الأفلام القصيرة من أشهرها “المنزل المظلم ” سنة 1962 ، ورغم حبّها المفرط للحياة والشعر والسينما فإن فروغ قد حاولت الإنتحار مرتين ولكنّها فشلت.

 

 

يعود أسباب انتحارها الفاشل إلى نوبات الاكتئاب التي عانت منها في ظل حياتها شائكة وصعبة وفي مجتمع محافظ لا يؤمن بحرية المرأة ولكنّها تجرأت عليه في أدبها وأيضا في سلوكها الخاص ” السفر والإرتباط بقصة حبّ دون زواج والكتابة الجريئة” ، فالمتأمل في أغلب صور فرخزاد سيجدها تدخن السجائر أو الغليون وهو أمر مستهجن  في ثقافة بلادها وقد عانت أيضا من الوصم الأخلاقي الذي تعرضت إليه كثيرا ولكنّها ناضلت بشجاعة بالغة من أجل قناعاتها وأفكارها.

 

 

هو اقتادني الى مزرعة الورود الحمر
في الظلمة علق على جدائلي المضطربة وردة حمراء
ثم ضاجعني على وريقة وردة حمراء.
ايتها الحمائم الكسيحة
ايتها الاشجار اليائسة المقفرة التجارب
ايتها النوافذ العمياء
تحت قلبي،
بين حنايا خصري
ثمة وردة حمراء تنمو
حمراء كبيرق سامق يوم قيامة
اه، حبلى انا حبلى،
حبلى

 

 

لم يمنع صاحبة المسيرة القصيرة (32 سنة) في الحياة من أن تكون أهمّ شاعرات إيران في الشعر الحديث نشرت في حياتها أربع مجموعات شعرية ” الأسيرة”، “عصيان”، “الجدار” و”ميلاد آخر ” ومجموعة أخيرة تمّ نشرها بعد موتها بعنوان “لنؤمن ببداية فصل البرد”.

ترجمت أعمالها إلى لغات كثيرة وكتب حول تجربتها الشعرية عشرات الكتب، ومازالت إلى اليوم موضع دراسة رغم مضيّ أكثر من نصف قرن على وفاتها، ويعتبر قبرها مزارا لعشاقها الذي تحوّل إلى حديقة أزهار وقصائد عرفانا بجميل الشاعرة التي ظلمت طويلا في حياتها ولكنّها انتصرت بعد موتها لتظلّ لسنوات طويلة تتربع على عرش الشعر الإيراني.

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.