ثقافة

طرْقْ الصيدْ: المقام الذي خلدّ أسطورة أسد الأطلس  

تراث شعبي

 

شهدت منطقة شمال إفريقيا تواجد سلالة الأسود البربرية والتي أطلق عليها لقب أسد الأطلس والأسد النوبي، اشتهر هذا النوع البربري بضخامته وقوته إذ يصل وزنه إلى حوالي 300 كغ ، كما تميّز برشاقته مقارنة مع بقيّة سلالات الأسود الأخرى.

عرفت حلبات مصارعة الغالادياتور بروما وفي مدرجات المسارح “الكولوسيوم” تواجد هذه السلالة التي كانت تجلب خصيصا من شمال إفريقيا وتحديدا من مدينة سوق أهراس الجزائرية والتي كانت معروفة بتجارة الأسود البربرية.

وكانت هذه الأسود تنقل في أقفاص محرومة من الأكل والشرب لعدّة أيّام وذلك لجعلها أكثر شراسة في القتال خاصة إذا تعلق الأمر بإطلاقها على المجرمين والذين حكم عليهم بالإعدام.

انقرضت هذه السلالة مع مطلع القرن العشرين وذلك لطريقة الصيد العشوائي، خاصة خلال الاستعمار الفرنسي الذي قتل آخر أسد سنة 1918 بالجزائر، فيما تقول مصادر أخرى إنّ الأسد الأخير بشمال إفريقيا قد قضى نحبه في 1942 بالمغرب الأقصى.

تباع جلود هذه الأسود بأثمان باهظة وذلك لندرتها وأيضا لتميزها، فالأسد الأطلسي يتميّز بلبدته الكبيرة والداكنة وقد تمّ نقل عشرات الأسود في القرن العشرين إلى أوروبا لعرضها في حدائق الحيوان أو مشاركتها في السيرك وفي معارض خاصة بها.

وكغيرها من دول شمال إفريقيا سكن هذا النوع من الأسود قبل انقراضها غابات تونس، ومن الطريف أنّ بعض مناطق الشمال الغربي ولا سيما بولاية الكاف قد اخترعت قطعة موسيقية شعبية  خاصة بهذا الأسد ويسمّى بـ” طرْق الصيد”.

وتقول الرواية الشفوية أنّ هذا النوع الغنائي كان نتيجة ذعر سكان هذه المناطق  من الأسد الأطلسي الذي كان يزأر بشدّة وذلك لجوعه الشديد فيصل زئيره إلى بيوتهم، فيجيبه سكانّ المنطقة من الرجال بزئير مشابه له وهو ما يجعل الأسد يتراجع عن اقتحامها.

 

 

وقد أشار المؤرخ التونسي منوبي السنوسي إلى هذا الفنّ الشعبي في موسوعته حول الأغاني التونسية والتي قدّمها على أجزاء في الإذاعة الدولية التونسية ما بين (جانفي 1963 إلى فيفري 1967) ضمن قسم الموسيقى الشعبية.

ويعرّف الأستاذ الراحل منوبي السنوسي طرْق الصيدْ في ورقاته حول الموسيقى الشعبية التونسية والموجودة ضمن أرشيف مركز نجمة الزهراء الثقافي بأنّه: “حالة متفرّدة وقصيدة طريفة مستمدة من أعماق الفلكور التونسي”.

وأضاف أنّ هذه القطعة الموسيقية هي استثناء في الموسيقى العربية كما أنّه أقام مقارنة بين طرق الصيد والموسيقي الأوروبية، فأشار بقوله أنّ الباحث في الموسيقى الأوروبية، سيستذكر القطعة الموسيقية “بيار والذئب”  PIERRE ET LE LOUP  de PROKOFIEV

 

 

يعتبر هذا النوع الموسيقي أي طرق الصيد، بمثابة محاورة موسيقية يعتمد على  قصة تعزف على التين متماثلتين وهي القصبة، وتعتبر القصبة وسيلة الحوار الموسيقي بل هي من أحيت كلمات الأغنية فلا يمكن أن يغنى طرق الصيد دون عازف القصبة فهو الذي يمنح الحياة للغنايّ الصفة التي تطلق على مغني هذا النوع الموسيقي.

ربّما نستعيد من خلال طرق الصيد حكاياتنا وأساطيرنا التي خلدها في كلماته، قصص الحبّ التي ولدت في البادية وكيف عبّر عنها “الصيد الأحمر ولا صيد بوقلادة”، الصفة التي أطلقها المجتمع البدوي على الرجل الشجاع الذي حاور الأسد وخلد أسطورته في هذا الطرق.

سنتأمل من خلال كلمات هذه الأغنية مدى صدق مشاعر الرجل البدوي وتفردها، فهو يلتقط تفاصيل البادية الصغيرة التي ربما لا يتفطن لها أحد غيره:

 

 

يا حوش ويني مواليك

يا حوش ويني خديجة

لو كان نشكي نبكيك

تهبط دموعك قجيجة

لبست في الساق صباط

وعملت في الحوش دورة

هبلت ولد الناس

قالوا هبل يا ريدي

 

ربّما يسخر بعضكم من هذه الصورة ولكن يجب أن نقرأ من خلالها مكونات الثقافة البدوية، فالمرأة في البادية تتمشى حافية القدمين أثناء أعمالها، وحال لبسها لحذاء أثار إعجاب حبيبها الذي لم يعهدها كاسية القدمين، وهو إغراء شديد بالنسبة له، فلم يقاومه وصرّح به.

يعتبر طرقْ الصيدْ نغما بدويا، فهو ينتشر بشدّة في البادية وتتغنى به الأمهات أثناء أعمالهن اليومية، كما أنّه ينتشر في الأعراس ويعتبر الفنان منذر الجبابلي أهمّ فنان يغني هذا النوع الموسيقي الذي لم يحظ إلى اليوم بالانتشار أو بإعادة الدرس والتفحص في دلالاته الرمزية وقيمته التراثية.

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.