دين وحياة

الجسد من منظور قرآني

سلسلة الإسلام والجسد

 

لما أثير موضوع الجسد للتساؤل والنقاش والتفاكر كان أول إشكال يثار: ما هو التصور القرآني للجسد؟ وهذا السؤال وجيه من المنظور الإسلامي، إ ذ يعد القرآنُ الكريم الأساسَ المنهجي لبناء التصورات في المجال التداولي الإسلامي، ومن خصائص هذا الكتابِ المؤسّسِ الحاكميةُ والتصديقُ والهيمنةُ.

إلا أن مقاربة هذا الموضوع من المنظور القرآني تتطلب الإلمام بمجموعة من المناهج والمقاربات؛ فهل نعتمد المنهج المصطلحي، أم الموضوعي، أم السياقي أم التأويلي، أو غير ذلك من المناهج والمقاربات المتعددة والمتجددة التي تعين على استنباط المعنى.

ولما كان الأمر يتطلب النظر في كل هذه المقاربات، قلت لم لا أنظر في موارد كلمة الجسد في القرآن، علّه يظهر جزء من الدلالة ويكشف بعضا من المعنى المستور والمخبوء، إذ لا يمكن الحكم في مثل هذه المواطن إلا بالمدارسة الفعلية لا النظرية، ثم ننظر في أقوال المفسرين ومدى اقترابها من الإمساك بالمعاني القرآنية، وهل هي متأثرة بالآراء الإسرائيلية؟ أم هي أنظار قرآنية خالصة؟

ومن هنا كان النظر في كلمة الجسد وفق سياقاتها بجمعها وإحصائها ثم النظر في تفسيراتها وهل هي تفسيرات تاريخية متأثرة بالسياق أم هي تفسيرات مجاوزة لسياقها؟

وقد وردت كلمة “جسد” أربع مرات في القرآن الكريم في سور مكية، واتفقت مرتين على نفس المدلول وتباينت في ما بقي، فكانت الدلالات السياقية الموضوعية ثلاثا.

1- الجسد محل العبادة لا التقديس:

أطلق الجسد على عجل بني إسرائيل في آياتي الأعراف وطه؛ فالأولى في قوله تعالى”واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين” [الأعراف: 148]، والثانية في قوله سبحانه: “فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي. أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا.ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا” [طه:88-89-90].

فالخطاب في الآيتين يحكي حال قوم موسى الذين كانوا حديثي عهد بعبادة الأوثان وتأليه البشر، فلما وحدوا الله واتبعوا موسى لم يكونوا قد نسوا عبادتهم المادية حتى إنهم طالبوا موسى أن يجعل لهم إلها؛ قال تعالى: “وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون” [الأعراف:138]

ونلحظ أن الجسد في الآيتين صنع بشري “أخرج لهم“، ومادته حلي القوم “من حليهم“،  فذِكر الجسد دلالة على عدم الروح فيه، وأن شخصه شخص مثال وصورة، غير منضم إليهم روح ولا نفس”[1]، كما قال ابن الأنباري.

وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن الجسد هنا له روح، بل ذهب بعضهم إلى أنه كان لحما ودما يأكل ويشرب[2]، وهذا مأخوذ من الإسرائيليات كما يظهر، لذلك نجد القرآن ينفي هذا الرأي لما حدد أنه مصنوع “أخرج لهم”، وهوية الصانع “السامري” ومادة الصنع بقوله سبحانه”من حليهم”، و سبب التعجب “له خوار”، وكما قال ابن عاشور: “فلو كان لحما ودما لكان ذكره أدخل في التعجيب منه”[3].

وهذا القول هو الراجح لأن فعل “الخلق” من الخالق أما البشر فيضاهي مخلوقات الخالق، فلا يمكن أن يقبل قول المفسرين إن العجل كان جسدا حقيقيا مصنوعا، لأنه من الأساطير التي تخالف قواطع القرآن وكلياته، ومناط التعجب فيه الخوار “له خوار” لأنه يضاهي العجل الحقيقي فكان بذلك محلا للتعجب، لا لكونه من لحم ودم شأن الإنسان.

ونلحظ هنا أن الجسد ارتبط بما هو مقدس فكان محلا للعبادة والسجود، لأن القوم كانوا حديثي عهد بالشرك وعبادة الملموس فسهل التحايل عليهم، فلما قال لهم السامري “هذا إلهكم وإله موسى ” أضفى بُعد التقديس الإلهي على العجل الذي صنعه بيده فصار جسدا مقدسا يسجد له ويعبد من دون الله الواحد الأحد.

وقد جاء في سورة “الأعراف”، حيث ذكرت قصة العجل/الجسد نقد الشرك بإعادة التأمل في هذا “الجسد” “المسجود” له من دون الله؛ فقال تعالى: “إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين. ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون” [الأعراف:193-194]، وهكذا انتقلنا من الحديث عن الجسد إلى التأمل في أعضائه ووظائفها في كل معبود من دون الله.

كما يستفاد من هذا المدلول السياقي للجسد أن عبادة المادة أسهل من عبادة الجوهر، لأن ما يميز الجسد المادي هنا أنه صورة، أي مرئي، بخلاف ما وراء الجسد، أي جوهره غير المرئي، الذي يشكل قيمة ما ورائية تحتاج نوعا من الوعي لتحقيق العبودية؛ أي تحتاج بصيرة لا بصرا، فعبادة الجسد تستنفر حاسة البصر، وهي حاسة سريعة في المشاهدة لا الإدراك، أما الإدراك الحقيقي فيحتاج إلى جهد عقلي وقلبي.

فالقرآن رفض تقديس الجسد كيفما كان هذا الجسد من ذهب أو تراب، وربما هذه علة ذكر الجسد في السورتين معا عند الحديث عن العجل، حيث قد يظن أنه يكفي القول “واتخذ قوم موسى من حليهم عجلا“، وسيفهم أنهم صنعوا تمثالا لعجل له خوار كأنه جسد حي.

لكن التركيز على الجسد في هذه السياقات القرآنية له دلالة واضحة وهو التعامل الواعي مع الجسد كيفما كان دون الوقوع في خلل تقديسه، لكنه بالقطع لم يقل بتدنيسه كما راج في بعض الأدبيات التوراتية والتي انتقلت للدرس التفسيري مع تسرب الإسرائيليات، خصوصا عند الحديث عن الجسد الأنثوي فانتقلنا من الحديث عن الجسد المقدس إلى الجسد المدنس.

يتبع…

[1] – زاد المسير في علم التفسير، 3/261-262.

[2] – ينظر: تفسير القرآن العظيم، 3/149.

[3] – التحرير والتنوير، 9/110.

الوسوم

جميلة تلوت

باحثة في الفكر الإسلامي من المغرب

مقالات ذات صلة

اترك رد