الرئيسيدين وحياةغير مصنف

أصول التصوف الإسلامي ومقوماته

 

يعد التصوف عموما فلسفة حياة وتمثل للوجود يعمل بمقتضاها الإنسان على السعي إلى تحقيق الكمال الأخلاقي والسعادة الروحية ومعاناة الحقيقة.

ومن هذا المنطلق يمكن القول ان التصوف لا يقتصر على جنس أو دين أو عرق باعتباره تجربة وجودية تتصل بالإنسان عموما، وقد تمظهر لدى عديد الشعوب والحضارات من بينها الفرس والهنود و وغيرهم.

لكن هذه الظاهرة برزت بشكل كبير لدى المسلمين وتميز المتصوفة المسلمون بتأصيل تجربتهم الروحية والوجودية اعتمادا على القران الكريم وعلى السنة النبوية الشريفة. واستلهموا من ذلك كل ما يتصل بعبادتهم وعقيدتهم وسلوكهم.

وقد عرف التصوف الإسلامي تفاعلا مع باقي أشكال التصوف التي نشأت في بيئات أخرى، اعتمادا على قاعدة التأثير والتأثر ولكن هذا لا يعني المساس بروح التجربة ومبادئها وخصوصياتها الإسلامية.

ويعرف التصوف على قاعدة مجاهدة النفس سعيا إلى التقرب من الله سبحانه وتعالى وتأخذ النفس البشرية في سعيها هذا معراجا روحيا قوامه ما يعرف عند الصوفية بالمقامات والأحوال.

وقد حرص المتصوفة في أدبياتهم على بيان أن هذه المقامات والأحوال تستند جميعها الى القران الكريم.
والمقامات هي مقام التقوى ومقام الزهد ومقام التوكل ومقام الرضا.

والى جانب هذا يقوم على المعرفة والإلهام الحاصل حسب المتصوفة من التقوى والتخلق ومرده إلى ما جاء في القران الكريم من آيات تؤكد هذا.

وكذلك حال الخوف والرجاء وحال الدعاء وهي كلها أحوال تجد مستنداتها في الكتاب الكريم.

ويحيل هذا التصور على ان البذور الأولى للتصوف الإسلامي باعتباره علم المقامات والأحوال التي هي إحالة على انه علم الأخلاق الإنسانية والسلوك البشري موجودة في القران الكريم. وبهذا المعنى يمكن القول ان النشأة الأولى للتصوف آخذة مما ورد في القران الكريم.

وهذه المنطلقات وفق أدبيات المتصوفة ” كلها وغيرها كافية لإلهام عطاء معنوي عظيم واسع في شأن الله والإنسان والعالم وبالأخص في مورد ارتباط الكانسان بالله”.

كما يتم تأصيل التصوف في السيرة النبوية الشريفة، وهنا يقول المتصوفة بكون غار حراء التي تحنث فيه رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم هي البذرة الأولى للتصوف وفق تصورهم.

وفي هذا الإطار، يؤكد المتصوفة على الذاتية في هذه التجربة وهي تمنح الفرد صفاء القلب ونقاء السريرة والقدرة على التأمل وتجعله ينتقل في رحلة روحية خالصة من عالم إلى آخر متحررا من قيود الزمان والمكان.

 

ابو حامد الغزالي

 

وعلى هذا الأساس تتخذ الخلوة والعزلة مكانة مركزية لدى المتصوفة، وهي فرصة كما يراها أبو حامد الغزالي “للتفرغ للعبادة والفكر والاستئناس بمناجاة الله تعالى عن مناجاة الخلق والاشتغال باستكشاف أسرار الله تعالى في أمر الدنيا والآخرة ملكوت السماوات والأرض “.

كما تعتمد الصوفية على سير الصحابة وأقوالهم وسلوكهم والمتمحورة خصوصا حول التقشف والزهد والإقبال على الله والإعراض عن الدنيا.

وتحفل كتب التصوف بسرد خصال الصحابة ومواقفهم وصفاتهم والتأكيد على اعتبارهم قدوة صالحة يمكن النسج على منوالهم والاهتداء بسيرهم العطرة.

ويتنزل ظهور التصوف الإسلامي في سياق تاريخي وحضاري مخصوص، حيث عرفت الدولة الإسلامية إبان تركيز دعائم الحكم الأموي انتشار ظاهرة الإقبال على ملذات الدنيا والإسراف في الترف المادي وظهرت نماذج لحياة البذخ وتمجيد المال ونأى العديد من المسلمين كثيرا عن جوهر الدين ومقاصده واهتموا كثيرا بالشكل وظاهر الدين.

كما تميز الفقهاء في تلك الظرفية التاريخية بتركيزهم على الجانب الظاهري او الشكلي وأطلقوا العنان لفتاوى التحريم وأغمضوا أعينهم عن الجانب الروحي.

وعن هذه الظاهرة يقول العلامة عبد الرحمان بن خلدون: “عندما فشى الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده وجنح الناس الى مخالطة الدنيا اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية والمتصوفة.”

كما عرفت هذه المرحلة بروز علماء الكلام الذين نادوا باعتماد العقل لتحقيق اليقين وهذا أثار بلبلة واضطرابا في صفوف المجتمع الإسلامي.

وأثرت العقلانية التي تنادى إليها هؤلاء العلماء خاصة في العصر العباسي الأول على المعيش الديني للناس وبرز ذلك في التزامهم وأخلاقهم.

وفي هذا السياق، ولدت الصوفية وتغذت من هذا السياق وترعرعت فيه معتمدين على مبدا الطريق إلى الله الذي يدرك بالقلب والوجدان عندما يتخلص الإنسان من الشهوات والأهواء التي تحجب عنه الحقائق العليا.

ومن هنا يمكن ان نعرف التصوف الإسلامي اعتمادا على ما قدمه أصحابه باعتباره منهجا معرفيا يقوم على “الكشف والإلهام الى جانب كونه سلوكا في الحياة وبناء على هذا المنطلق يشق الصوفي طريقه المعرفي على أساس التأمل الباطني والمجاهدة الروحية والرياضة القلبية.”

ويمكن ان نختصر مقومات التجربة الصوفية اعتمادا على ما قاله ابو حامد الغزالي في هذا المجال في كتاب الإحياء:

“هو العلم بكيفية تطهير القلب من الخبائث والمكدرات بالكف عن الشهوات وإخماد القوى البشرية بقطع جميع العلائق البدنية والاقتداء بالأنبياء صلوات الله عليهم في جميع أحوالهم فبقدر ما ينجلي من القلب ويحاذي به شطر الحق يتلألأ فيه حقائقه”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق