ثقافة

الجارية شغب و قصة البيمارستان.. أول مستشفى عصري في العالم

من رحم الشر قد يولد الخير

 

كثيرا ما سمعنا عن قصص مكائد الحريم في قصور السلاطين لكننا قلّما تمعنّا في الظروف المحيقة بمثل تلك التصرفات… فلمْ نتساءل ماذا عساهن يفعلن في ظل استئثار الملك بجميع السلط: السياسية، والاجتماعية والاقتصادية؟ لاسيما وأنهن من حوله لسن سوى أدوات للتسلية ولسد الاحتياجات الجنسية.

 

ولئن كانت قصص مكائد حريم السلطان مألوفة ومتواترة في عالمنا العربي الإسلامي فإنّ بعضها لا تخلو من الإدهاش وإثارة التساؤلات، ومنها قصّة تعود إلى العصر العباسي إبان تدرُّجه من الإزدهار إلى التردّي، بطلتها جارية شقراء تكنّى “شغب” دفعها طموحها الجارف إلى احتراف المكائد. فإذا برغبتها في الإحاطة بعالم السموم تقودها إلى دفع عجلة العلوم من خلال تكفّلها بإنشاء أول مستشفى عصري في العالم كله وهو المعروف بـ”البيمارستان المُقتدري”.

شغب

ليست “شغب” في الأصل إلاّ الفتاة الأرمنية “ألينا” التي تعرّضت للسبي على أيدي قطّاع طرق باعوها لتاجر من بغداد فكان أن رآها عنده الخليفة “المعتضد” ففتن بجمالها واشتراها منه. ولكنّه ككلّ الحكّام المولعين بالنساء لم يلبث أن ملّها وشُغف بغيرها بعد أن حملت منه وولدت له ابنه “المقتدر بالله”.

 

بداية الدراما و ظلم المعتضد

لم تتحمّل شغب هجر الخليفة لها فأثارت المشاكل في القصر وأحدثت الشغب، وهو ما حدا بالخليفة إلى ضربها وتلقيبها بـ”شغب” وإلزامها بيتاً في القصر هو أقرب إلى السجن الإجباري.

ثم عاد للانشغال بجارية جديدة أطلق عليها لقب “فتنة”، وإذ حملت منه لم يهجرها هجره لشغب، فازداد حقد شغب تأجُّجًا، كيف لا والمعتضد يكاد يطير فرحًا بابنه من فتنة وهو الذي همّ بقتل ابنها هي حين كان صبيًّا لا لشيء إلاّ لأنّه رآه يتقاسم وأترابه من الأطفال (أطفال الخَدَمة)  أفخر أنواع الطعام وبالتساوي، ما جعله يشعر بأنّه سيُمثّل خطرًا على الخلافة العباسية إذا تولاّها وهو بمثل ذلك السلوك وتلك الطباع.

ولا يُعلم حتى اليوم هل إستعطاف شغب له هو الذي حال دون تنفيذه لما عزم عليه من قتل ابنه أم ثمة أسباب أخرى لتراجعه، ولكنّ المؤكد أن ماحدث بعد ذلك من موت مفاجئ ومريب لفتنة وجّه إلى شغب أصابع الاتهام لتشيع بين العامة حكايات تُصوِّرها كمستعملة خارقة للسموم.

 

رغبة شغب في تطوير السموم أدى إلى إنشاء البيمارستان المقتدري

يعود الفضل في تأسيس البيمارستان الشهير ببغداد إلى هوس شغب بابتداع أنواع من السموم عصية على الكشف فشجعت الأبحاث الطبية ولأجل ذلك أسست بيمارستانا وضعت على رأسه الطبيب الشهير “سنان بن ثابت بن قرة” وخصصت به قسما لتطوير السموم.

وفي الأثناء ما انفكت تزيح عن طريقها كل الأثيرات من نساء المعتضد  فماتت قطر الندى بطريقة غامضة في سنّ صغيرة، وتلتها  الحسناء التركية جيجك ليأتي الدور بعد ذلك على  دريرة صاحبة العينين الخلابتين وأقرب نساء المعتضد إلى قلبه. ورغم كثرة القرائن على ضلوع شغب في تلك الجرائم فإن عدم توفر الدليل القاطع أثنى المعتضد على المضي قدما في ما نواه من قطع أنفها وتشويهها وقد يكون غياب الدليل راجعا إلى أنها نجحت في استعمال سموم من الصعب اكتشاف أثرها.

أمّا عن طريقة القتل فكانت هناك فرضيّتان شاعتا بين الناس:

الأولى أن لديها من السمّ ما تجعله في يديها فلا يسمّمها ويسممّ من تلمسه، وهو أمر لم يألفه العرب فعزوه إلى السحر والثانية،وهي الأقرب إلى تصديق والأكثر إثارة،هي أن تكون شغب قد عمدت إلى وضع السمّ بين صفحات كتب تختارها بعناية بما يُلائم  مُيولات ضحاياها ثمّ تُهدي الواحدة منهنّ الكتاب المناسب لها، ما يضمن إقبالها على قراءته، فتُعطّل اللزوجة بين الصفحات تقليبها ما يضطرّ القارئة إلى بلّ رؤوس أصابعها بالريق ليسهل عليها ذلك فينتهي بها الأمر جثّة هامدة يلُفّها الغموض، لا سيما أن على أناملها ولسانها سواد مجهول المصدر.

وقد قيل أيضا إن شغب استطاعت أن تدبّر من السمّ ما يقتل ببطء على مدار أشهر وسنوات دون أن يغيّر لون الطّعام أو رائحته أو مذاقه *

 

 

طلبت من العلماء تسريع بلوغ ابنها ليصبح ولي العهد

بعد موت المعتضد بالله حزنا على ديدرة كما يروى وأثناء تولي ابنه المكتفي بالله (ابن جيجك) الخلافة نادت شغب كلّ أطباء البيمارستان،وسألتهم عن ترياق يُسرّع البلوغ ابنها المقتدر بالله فضغطت على الأطباء ولم يكونوا يمتلكون في ذاك الوقت من العلم ما يعجّل نموّ الإنسان وبلوغه، فاقتصروا على النصح، فغضبت شغب ولعنت اليوم الذي قرّرت فيه بناء البيمارستان والثّقة بسنان بن ثابت رئيسًا للأطباء فيه وهددت بتقليل عطائها للبيمارستان.

إلا أن الطبيب “مالك ابن عثمان” تمكن من وصف ترياق تحمله أجمل فتيات بغداد إلى الأمير فيشرب من يديها وتعاد الكرّة مُدّة أربعين يومًا وعندما سُأل الطبيب عن سرّ توصيته قال: ” أمّا الترياق المزعوم فإنّما الغاية منه تأجيج توق الفتى إلى النساء فيستجيب جسده إلى رغبته فالدماغ سرّ الإنسان كله وهو عضده في تحقيق مُراده، فإن فكّر الذكر بالنّساء أفرز الدماغ ما يسرع في بلوغه”.

وهكذا نجحت حيلة مالك بن عثمان وبلغ المقتدر بعد ثلاثة وثلاثين يومًا من الالتزام وفي الليلة التالية لبلوغ المقتدر توفي الخليفة المكتفي بالله عن اثنين وثلاثين سنة وهو الشّاب السّليم الجسم الموفور العافية.

وبهذا أصبحت شغب الحاكم الحقيقيّ لبغداد بما أنّ المقتدر صبيّ قد بلغ الحلم لتوّه  وسمّت نفسها أم المقتدر.. ثم جاءت بصديقاتها أم موسى وثمل ليتحكما بشؤون السّلطة وجعلت من ثمل أول قاضية قضاة في الإسلام

 

انبثق عن كل هذا الشر أول مستشفى عصري في العالم 

في مقابل كل هذه الشروركان البيمارساتان أعجوبة عصره وتخلّد اسمه كأول مستشفى عصري في العالم طبقا لمواصفات ومعاييرالمستشفيات العصرية مثل : إجراء امتحانات للأطباء وإحداث أقسام تعنى بكل مرض على حدة واجتماع الأطباء فيه كلّ صباح ثم تقسيم أنفسهم  إلى جماعات حسب تلك الأقسام فكنت تجد في كلّ غرفة أصحاب الشكوى ذاتها متراصين على أسرة نظيفة بيضاء، وبذلك يعرف الطبيب حال دخوله الغرفة المرض الذي تحتويه.

ثمّ ما إن ينتهي الأطباء من مرورهم الصباحيّ حتى يبدأ كلٌّ منهم في الانشغال بالدّرس والتدريس فيمشون في ساحات البيمارستان ومعهم طلابهم يصغون إليهم بكل انتباه.

 

 

ومن أشهر الدروس التي ذاع صيتها في تلك الحقبة هي الدّروس المُقترنة بالتشريح ويقع تقديمها حين يكون عدد التّلاميذ كبيرًا فيتسنّى للجميع أن يُتابعوا ما يقوم به مُعلّمهم أثناء التّشريح و يطل المرضى في فضول كم الحجرات المُطلّة على الساحة  وهم في عجب مما يشاهدون.

كذلك عولج  في البيمارستان من الفقراء أكثر من الأغنياء إذ أنّ الفقراء عرضة للمرض أكثر من غيرهم ولا مال لهم لجلب الأطباء لعلاجهم، ومن ثمّة كان البيمارستان ملاذهم الوحيد.

وأمرالطبيب سنان بن ثابت باختبار كلّ طبيب في بغداد قبل انتدابه، حتى أنّه اختبر ما يزيد عن الثمانمائة وخمسين طبيبًا وكان يعيد اختبار الأطباء الذين يعملون بالمستشفى حتى يتأكد من عدم تراجع علمهم.

 

علماء مجتهدون وبحث علمي دؤوب 

يرسل الطبيب الشيخ ابن الهلال طلبته لجلب السموم و الترياق من أصقاع العالم فبعث ابن فضلان مع جمع من أصحابه إلى بلاد الروس ليجلب له سُمّ ضفدع أحمر ضئيل يعيش هناك ، وهو سمّ ذو قدرة على قتل الإنسان في طرفة عين بشلّ عضلاته وإيقاف تنفّسه.

 

الطبيب ابن فضلان

 

وأراد ابن الهلال تجربة ذلك السمّ والاستفادة منه في شلّ مرضاه مُدّة إجرائه الجراحة لهم بما يُسهّل عليه إنجاز عمله دون مشقّة، وكي لا يُؤدّي ذلك إلى الموت صنع قربة من جلد الماعز ذات فتحة توضع على الفم ويُنفخ منها الهواء في جوف الإنسان فيمكّنه من التنفس رغم ما يصيب عضلات تنفسه من الشّلل.*

قسم  مخصص لمرضى العشق

الطريف أنه وجد بالبيمارستان قسم للمصابين بداء العشق فكان  أحد الأطباء وهو طالب الطبيب ابن الهلال يقول ” داء العشق منتشر في بلادنا ربّما لتفاقم الشّوق وربّما لجمال عيون العرب والعين مرآة الرّوح كما تعلم، تدخل في المخّ مباشرة دون وسيط، لكأنّها مخّ ينظر في العالم، وبخصوص هذا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ المخّ جوهر الإنسان ومنبع الذكرى والإحساس لا القلب كما قد يظنّ”.

ويعرّف أعراض العشق بشدّة الهزال والضمور جرّاء فقدان الشّهوة للطعام وقلّة الإقبال على الماء فيصفرّ الوجه وتبرز عظامه وكراهة الرائحة لندرة الاستحمام.

 

 

تميزت فترة حكم المعتضد بالله بمظالم كثيرة ترتب عنها حدث جلل هو ماعُرف بـ“ثورة الزنج” التي هزت أركان السلطان وكادت تودي به لولا أن استخدم الخليفة شتى الأساليب في قمعها.

ومع ذلك انتهى الأمر بالعائلة الملكية إلى أبشع المآلات، فهذه شغب تموت ميتة رثة بعد تعذيب القاهر (ابن فتنة) لها انتقاما مما فعلته بأمه، وذاك ابنها المقتدر يلقى حتفه على يد أعدائه وهو الذي صرفت أمه حياتها في تدبير المكائد لإيصاله إلى سدة الحكم، وقبلهما مات المعتضد بطريقة غريبة إذ ردّ الكثيرون موته إلى وهن أصابه جراء إدمانه النساء.

ولكن” تماما كما تنبت عشبة بين مفاصل صخرة” على حد قول محمود درويش انبثق من ذلك الخراب والجهل و العتمة بناء شاهق في قلب بغداد أدهش العالم في ذاك العصر وقدّم للبشر منافع جمة وأقام الحجة على رسوخ العرب في العلوم ولاسيما منها الطب.

*نقلا عن رواية نيرج للكاتب محمد جمال

الوسوم

رحاب الخترشي

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في علم الإجتماع

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.