مجتمع

خدعوك فقالوا المرأة أضعف من الرجل

This post has already been read 24 times!

 

لا تزال صديقتي تشكو لي ضعفها و”قلة حيلتها” في التعامل مع أزمات حياتها المتعاقبة؛ بينما أراها أنا نموذجاً يفوق “المرأة الحديدية” قوةً.

فهي تدرس الماجستير، وتعمل بثلاثة مشاف، في الوقت الذي تربّي فيه طفلها، بمفردها لست سنوات، عقب زيجة مؤلمة وغير موفقة. كما تتحدى “القيل والقال” و”لعنة وصم المطلقة”. وهي رغم كل ذاك لم تبلغ الثلاثين بعد!

ربما المشكلة ليست في صديقتي، بل هي الفكرة النمطية التي تتكرر على مسامعنا دائماً بأن “المرأة مخلوق ضعيف” أو أن “المرأة أضعف من الرجل.

لنختبر صحة هذه المقولة، لا بد لنا أولاً أن نحدد مفهوم “القوة”؛ فهذه الكلمة تحتمل الكثير من المعاني، هل يقصد بها قوة التحمل أم القوة العضلية والجسمانية، أم قوة العقل والذكاء، أم القوة في المرض؟

في الغالب القوة هي كل هذه الأشياء مجتمعة؛ ما يجعل الترويج لفكرة أفضلية الرجل عن المرأة في معيار القوة غير دقيق من الأساس، ما لم يكن هناك دليل على أنه أفضل فعلياً في جميع هذه المعايير أو أغلبها على الأقل.

الكثير من الدراسات سعت لبحث الفروق بين الرجل والمرأة في التكوين والسمات النفسية والجسدية، وخلصت هذه الدراسات إلى حقائق مؤكدة -لا تحتمل الشك- تنصف المرأة وتدحض الفكرة السالف الإشارة إليها.

فالمرأة أكثر قدرة على تحمل الصدمات والتعايش تحت وطأة الضغوط، أطول عمراً، بما يصل 4 سنوات، وأكثر احتمالاً وتعايشاً مع الأمراض، حتى المزمنة والخطيرة منها، مقارنة بالرجل، رغم أنهن، أي النساء، أكثر عرضة للإصابة بالأمراض الالتهابية مثل الروماتويد وآلام المفاصل والسكري وحتى الأرق والتعرق الليلي وغيرها.

وبينما يعزو العلماء هذه الأفضلية للمرأة لهرمونات الأنوثة، نجد الرجال أكثر عرضة للإصابة بنزلات البرد وللوفاة بفعل ألزهايمر والسكتات الدماغية والأزمات القلبية، في المقابل.

وبينما عقلها أصغر من الرجل فإن هذا لا يجعله أكثر ذكاءً بل لكل من الجنسين أمور يتميز بها.

وإذا أضفنا عمل المرأة بمختلف المهن التي يعمل بها الرجل، بداية من الأعمال البدائية كالصيد والزراعة، وحتى الأعمال الشاقة كالبناء، بالإضافة للرياضات العنيفة كالمصارعة والعدو.

يتبقى للرجل الأفضلية في القوة العضلية، بالفعل الرجل أكثر قوة عضلية من المرأة لكن ماذا لو كانت المرأة بنفس قوة الرجل؟

في سعيها للإجابة عن هذا التساؤل، تقصت البي بي سي رأي عدد من الخبراء الذين أكدوا أنه بالطبع لم يكن شخص ليجرؤ على التحرش بأي فتاة أو سيدة أو اغتصابها إذا كان لديها نفس قوته الجسمانية، وكانت لتقل معدلات العنف ضد المرأة بالتأكيد.

لكن ماذا عن تأثير هذه القوة على المرأة ذاتها، من المؤكد أنها كانت ستجعل عظامها أقل مرونة للقيام بأعمال المنزل المختلفة أو الولادة مثلاً، كما كانت لتجعلها أكثر عدوانية وميلاً للعنف.

وكان ليظهر نوع جديد من الصراع بين الرجل والمأة على الهيمنة والسيطرة، ويتوقع أيضاً أن تؤثر هذه التغيرات بالتبعية على غريزة الأمومة بل وفرصها في الإنجاب، وشكلها الخارجي، والمشاعر الجياشة التي تميز الأنثى عن الرجل خاصة في التعامل مع الأبناء والحبيب.

لنتفق أنه من العادل إذاً  أن يحتفظ الرجل لنفسه بمعيار واحد للقوة وهو القوة الجسمانية، لكن من أين روجت فكرة ضعف المرأة إذاً ؟!

برأيي هناك عدة أسباب أولها؛ أن الرجال منذ القدم أرادوا فرض وصايتهم على النساء، فتعللوا بضعف المرأة والرغبة في حمايتها، وساعدتهم هي على ذلك دون شك.

أعتقد أيضاً أن المرأة تختار بدهاء، إظهار ضعفها في بعض المواقف؛ إما لنيل مزيد من التدليل من الشريك أو المحيطين، أو لكسب التعاطف في أوقات المحن والمشاحنات أو الخطأ، ووسيلتها الأشهر في ذلك؛ الدموع.

المرأة، كذلك، لديها من الذكاء ما يجعلها تدير المواقف دون أن تتولى مكان الصدارة، فالأم في الأسر القديمة تدير عائلة كاملة ولا يجرؤ شخص على مخالفتها، وزوجات الرؤساء والزعماء نماذج عديدة بينهن من ثبت تحكمهن في إصدار القرارات.

المرأة تدير المنزل وتربي الأبناء وتخطط للمستقبل تبدأ بتنفيذ الخطوات، بل وتشارك في النفقات، دون أن تنتظر مسمّى لذلك مثل “رب الأسرة” أو خلافه.

ولا يمكن أن نغفل دور “المنتفعين” من وراء ترويج هذه الفكرة عبر السنوات، لنيل المكاسب بالطبع في استغاثاتهم المتكررة لأجلها، رغم أنها ليست بحاجة لناشطين أو متحدثين باسمها.

لا يتعارض ما سلف ذكره مع وجود نماذج ضعيفة من النساء، فلا يوجد قاعدة دون شواذ، لكن قوة المرأة مثبتة وواقع أكده العلم، وإن بقي خيار إبراز هذه القوة متروك لها.

وربما يكون الرجل هو المخلوق الأضعف على هذا الكوكب، حتى رغم ما يثيره من أزمات وقت الغضب فحقاً صدق نزال قباني حين قال: إن الرجال جميعهم أطفال، لكنه لا يستطيع مثلاً تحمل مسؤولية طفل واحد بجانب عمله، أو بعضٍ من مهام المنزل التي تقوم بها المرأة دون تذمر أو عناء.

بالنهاية، أعتقد أنه يجب على كل امرأة أن تفخر بقوتها العقلية، والنفسية، والروحية، وحتى الجسدية، وأن توظفها بالشكل الذي يخدم طموحها ويمنحها التفوق والتميز، دون الالتفات لمن يرغب دائماً في إشعارها بالضعف والاحتياج له.

 

الوسوم

سامية علام

محررة مصرية مهتمة بقضايا المرأة والمجتمع

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق