مجتمع

هشام الشريف: 80 %من قضايا الطلاق سببها المشاكل الجنسية

سلسلة: بيناتنا

 

لم تكن تعلم ابنة الـ 29 ربيعا، والتي اختارت لنفسها اسم “مريم”، عند حديثها لـ”ميم”، أن تدخل في متاهة لا مخرج منها إلا بالانفصال عمّن اختارته زوجا لها ورفيق دربها في السراء والضراء. لم تعرف “مريم” أنها ستتعرض للغش من زوجها الذي تعرفت إليه عن طريق صديقتها في الجامعة.

في 2010، وهي تشارف على إنهاء المرحلة الجامعية “تعرفت” مريم على زوجها وهو أصيل الوطن القبلي التونسي ويكبرها بأربع سنوات، “لم تدم فترة  تعارفنا طويلا، فبعد قرابة السنة والنصف تزوجنا. خلال تلك الفترة نادرا ما كنا نلتقي لم أتعرف إليه جيدا، كانت الأوضاع تسير على أحسن ما يرام، فقد أقمنا حفل زفاف رائع، لكن فرحتي لم تكتمل ليلتها”، على حد تعبير مريم.

زوجة عذراء

تروي مريم قصتها لمجلة “ميم”: “بقيت عذراء ولم يفض زوجي بكارتي في ليلة “الدخلة”، إلى حين اكتشفت أنه يعاني من  عجز جنسي، كانت الصدمة كبيرة، فخلال سنتين كاملتين كان زوجي دائما يقول لي بأن علاقتنا الجنسية علاقة طبيعية كلما طرحت تساؤلات كانت تخامرني عليه”.

كانت مريم كغيرها من الفتيات، تحلم بالاستقرار والسعادة مع خليلها، كانت تحلم بأن يزدان فراشها بمولود يملأ عشهما فرحا وسعادة، فرغم ما تعرضت له من غش، ورغم اكتشافها للعجز الذي يشكو منه زوجها إلا أنها لم تقطع الأمل وحاولت أن تعالجه، “الطبيب هو من كشف لي حقيقة زوجي، التجربة التي مررت بها كانت قاسية جدا، فالأمور لم تقف عند اكتشاف تلك الحقيقة المرة، لقد فقدت عذريتي عندما كان الطبيب يفحصني.. كنت أحلم بأن أنجب طفلا يعوضني الألم والفراغ الذي تسرب الى حياتي، كلمات الطبيب أحزنتني لأنه عرى حقيقتي وحقيقة زوجي”، حسب مريم.

طوال تلك الفترة، اختارت مريم أن تعيش تجربتها لوحدها دون أن تعلم أفراد أسرتها أو أسرة زوجها التي حمّلتها مسؤولية عدم الإنجاب، فقد فضلت أن تسعى الى معالجة زوجها من العجز الذي يشكو منه..

“كان والدي يوفر لي المال  لأعالج زوجي، لم أعلم أفراد أسرتي بما تعرضت إليه، فحتى عائلة زوجي لم تكن تعلم بتفاصيل المشكل الذي كنا نعانيه، حتى أنهم كانوا  يلومونني على التأخر في إنجاب حفيد لهم”.

وتتابع مريم: “كثرة الضغوطات من قبل عائلة زوجي أجبرتني على التفكير في إنجاب طفل الأنبوب، إلا أن المحاولة كانت في كل مرة تبوء بالفشل لأن زوجي عاجز تمام على الإنجاب.”

ورغم خيبات الأمل التي تعرضت لها مريم في كل مرة إلا أنها لم تستسلم فحاولت جاهدة معالجة زوجها الذي كان في كل مرة يرفض فكرة أنه يعاني من عجز جنسي ويصر بأن الإشكال ظرفي.

كما أن ضغوطات “حماتها” وتحميلها مسؤولية عدم إنجاب الأطفال بعد حوالي سبع سنوات عمقت الأزمة بين مريم وزوجها وأصبحت الخلافات تسود علاقتهما، فقررت الانفصال بعد أن سدت أمامها جميع المنافذ وتغير سلوكه تجاهها، وبات يقضي معظم وقته في بيت أهله او مع أخليه ويتجاهلها.. وهي القطرة التي أفاضت الكأس”، وفق تعبير مريم.

 

يشكو المجتمع التونسي وغيره من المجتمعات العربية من غياب التربية والثقافة الجنسية والأسرية التي تكاد أن تنعدم تماما في المجتمع

تونسيون يجهلون الثقافة الجنسية

“لو كانت الشابة مريم، مطلعة على الحياة الجنسية الطبيعية بين الزوجين وتفاصيلها ومقتضياتها، لما وصلت لهذه الدرجة من المعاناة، وما كانت قضت سبع سنوات من الزواج وهي لا تعرف معنى العلاقة الجنسية بين الزوجين”.

هكذا فسر الدكتور هشام الشريف، المختص في علم الجنس والمستشار الأسري المعتمد لدى المعهد الأمريكي لعلماء الجنس، وضعية الشابة مريم التي خلصت هي الأخرى لنفس النتيجة بكونها تربت في عائلة محافظة جدا ويعتبر الحديث في هذه المسائل محرما ومنافيا  للاخلاق، مما جعلها وهي من أسرة محافظة متعلمة تنتمي الى الطبقة المتوسطة، لا تسر لمن حولها بما كانت تمر به، حتى للاسترشاد والنصيحة.   

فحالة “مريم” تعكس وضعية عشرات التونسيات والتونسيين الذي لا يكتسبون ثقافة جنسية تجنبهم العديد من المشاكل وتساعدهم على حل مشاكلهم، وفق الشريف، مضيفا:

“هذه الحالة تدخل تحت طائلة الفتيات اللاتي يفتقدن لأدنى  المعارف حول الثقافة الجنسية، فهي لا تعرف حتى جسدها.   والدليل على ذلك أن تسعى هذه الفتاة إلى إنجاب طفل وهي لا تزال عذراء ولم تقم بعلاقة جنسية كاملة مع زوجها طيلة سنوات كاملة من الزواج”.

وتابع الشريف بأنه يوجد في تونس الكثير من الفتيات اللاتي لم يفقدن عذريتهن بعد الزواج بسبب “التصفيح”، والخوف من العلاقات الجنسية.

وأكد الدكتور هشام الشريف في مقابلة له مع مجلة “ميم”، أن من شروط نجاح العلاقات بين الزوجين هي أن تكون مبنية على الثقة المتبادلة والصراحة بينهما، وأن لا تبنى هذه العلاقات على المغالطات منذ اللحظات الأولى من التعارف بين الطرفين، لأنها ستؤدي بهما في نهاية المطاف إلى الإنفصال وكثرة الخلافات.

وشدد الشريف على أن ما تعرضت له الشابة مريم هو غش في الزواج، فشريك حياتها لم يعلمها بالمشاكل الجنسية التي يعاني منها، وقد خالف بنود عقد الزواج وأحد أركانه الأساسية وهي العلاقة الجنسية بين الزوجين.

 

الدكتور هشام الشريف: مختص في علم الجنس

 

ويشكو المجتمع التونسي وغيره من المجتمعات العربية من غياب التربية والثقافة الجنسية والأسرية التي تكاد أن تنعدم تماما في المجتمع بشكل سليم غير مبتذل، لولا وجود بعض البرامج الإذاعية التي تتناول هذه المواضيع بأسلوب جاد، في محاولة منها لكسر الحواجز والسواتر التي تمنع منعا باتا الحديث فيها بين أفراد الأسر التونسية، على حد تعبير الدكتور هشام الشريف.

الثقافة الجنسية في المدارس

كثر الحديث في الآونة الأخيرة، على ضرورة إدراج مادة جديدة تدرس في المؤسسات التربوية في تونس  بهدف تثقيف الأجيال الناشئة في الحياة الجنسية لتجنب الكثير من الإشكاليات، كالاغتصاب والتحرش، ولفهم الحياة الجنيسية للحفاظ على أسرة متماسكة، خاصة بعد الإحصائيات الصادرة مؤخرا، والتي تقر بأن أغلب أسباب الطلاق في تونس ناتجة عن المشاكل الجنسية بين الزوجين.

وفي هذا الإطار أكد الدكتور هشام الشريف لموقع “ميم” : “أحمل المسؤولية للسلطات التونسية، التي لم تحدث مادة “التربية والثقافة الجنسية”، تقدم للأطفال الصغار حتى يتعرفوا على  وظائف الجسد والتغيرات التي تطرأ عليه، ومعنى البلوغ والمراهقة والعلاقات الجنسية وكل ذلك في إطار المعلومات المباحة وليست الإباحية”.

 

كتاب صرت صبية: التربية الجنسية

 

واستشهد الدكتور هشام الشريف بدولة فلسطين التي أدرجت مادة التربية الثقافة الجنسية في برامج تعليمها، يتعرف من خلالها الطفل الفلسطيني على جسده وجسد الآخر، مضيفا أن وزارة التربية الفلسطينية أصدرت كتابين الأول تحت عنوان “صرت صبية” والثاني تحت عنوان “صرت شابا”، وذلك بهدف حماية الأبناء من الاعتداءات الجنسية من قبل جيش الاحتلال.

ويقول الشريف: “من الضروري إدراج هذه المادة في أقرب الأجال، وذلك في ظل انتشار مشاكل المخدرات والكحول  والعلاقات الجنسية خارج إطار الزواج والانفلات الجنسي داخل المعاهد”، مضيفا أنه منذ سنة 2011 وهو يطالب السلطات التونسية بإحداث برامج توعوية تشمل جميع الشرائح العمرية كبارا وصغارا.

 

من الضروري إدراج مادة التربية الجنسية في أقرب الأجال وذلك في ظل انتشار مشاكل المخدرات والكحول و العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج والانفلات الجنسي داخل المعاهد

لا وجود لمفهوم العجز الجنسي

كشف الدكتور هشام الشريف أن البحث العلمي الجديد صحح العديد من المفاهيم، ودحض جزءا منها، على غرار مفهوم العجز الجنسي، وهو مفهوم غير موجود بالمرة لأننا في علم الجنس نتحدث عن الاضطرابات الجنسية،  وتتمظهر في عدة إشكاليات.

وأكد الشريف أن من بين أكثر المشاكل المنتشرة في صفوف الرجال في العالم، ومن بينها تونس، هو مشكل سرعة القذف، الذي تعاني منه نسبة كبيرة من الرجال التونسيين، وهو ما يؤثر بدوره في العلاقات الجنسية بين الزوجين.

وأضاف الشريف أن النوع الثاني من الاضطرابات الجنسية هو اضطراب عدم القدرة على الانتصاب أو عدم القدرة على المحافظة على الانتصاب، أو ما يعبر عنه الكثيرون بالعجز الجنسي، مشيرا إلى أن النوع الثالث المنتشر بين الرجال هو اضطراب عدم الرغبة في إقامة العلاقة الجنسية.

واسار الشريف الى أن ضعف الانتصاب يصيب حوالي 200 مليون رجل أي ما يعادل 10% من الرجال في العالم، أما في تونس فإن قرابة 15% من الرجال فيها يعانون من هذا الاضطراب.

 

الطلاق أسباب جنسية بحتة

كشفت وزارة العدل التونسية أنه تم البت في حوالي 15 ألف قضية طلاق خلال السنة القضائية 2014-2015، أي بمعدل 1248 حالة طلاق في الشهر و41 حالة طلاق يوميا.

كما كشفت هذه الأرقام  أن طلاق الإنشاء -وهو الطلاق الذي يطلبه أحد الزوجين بإرادة منفردة ودون ذكر أسباب- هو الصنف الذي يتصدر مختلف أنواع الطلاق في تونس، إذ بلغ عدد القضايا التي تم البت فيها قرابة 7256 حكما نهائيا وباتا خلال نفس السنة القضائية.

وأضافت أن الطلاق بين الطرفين أي بالتراضي بلغ حوالي 6241 حكما باتا، في الوقت الذي بلغ فيه هذا النوع 5793 سنة 2014، في حين تم تسجيل حالات ضعيفة في الطلاق للضرر بـ 1485 قضية سنة 2015 وقرابة 1350 قضية سنة 2014.

 

تشير أرقام وزارة العدل التونسية، أن القضاء التونسي بت في 9165 قضية طلاق بطلب من الزوج مقابل 5817 بطلب من الزوجة أي بفارق 3348 قضية.

 

وفي هذا السياق أكد الدكتور هشام الشريف أن جل حالات الطلاق سببها المشاكل الجنسية المسكوت عنها، قائلا “الجنس هو المتهم الرئيس المسكوت عنه، وهذا الموضوع الخطير يعتبر من المواضيع التابوهات التي يعجز الزوجان الحديث فيها.  إلا أنه وبمجرد تدخلي في المحكمة تتبدى الأسباب الحقيقية وراء إقدام الزوجين على الفراق”.

ويعمل الدكتور هشام الشريف مستشارا في المحاكم في تونس العاصمة، حيث يستشيره قاضي الأسرة في الكثير من الحالات وخاصة الطلاق بالتراضي، وعن ذلك يقول الشريف: “تنكشف الأسباب الحقيقية لإقدام الزوجين على الطلاق بمجرد الحديث معهم في عدة مسائل تتعلق بحياتهم الزوجية ليتضح في النهاية بأن الجنس هو من يقف وراء طلاقهما”.

ويعيب الشريف على الزوجين عدم الإفصاح عن الأسباب الحقيقية وراء عزمهما على الطلاق والصمت الذين يعيشانه، في الوقت الذي أثبت فيه العلم والتجربة بأنه من السهل معالجة هذه المشاكل بالاستعانة بالأخصائيين.

كما دعا الأزواج إلى عدم التسرع واتخاذ القرارات النهائية بتقديم قضايا في الطلاق دون مصارحة الأزواج لبعضهما البعض بالمشاكل الحقيقية التي يعانيان منها.

وقال محدثنا: “الصمت والجهل الجنسي يقودان الكثير من الأزواج إلى المحاكم وبالتالي إلى الطلاق، في الوقت الذي يمكن أن تتم معالجة مثل هذه المشاكل”.

وأضاف بأنّ الكثير من الأزواج يجهلون المسائل القانونية لأنه علميا لا يمكن إثبات الضرر، فالطلاق للضرر بالنسبة إلى الطرفين مرتبط بالتشخيص الطبي من قبل المختصين، ويتم ذلك عبر قيام الأطباء بتشخيص عضوي، بالإضافة إلى تشخيص جنسي ونفسي وإجتماعي يشرف عليه مختص في علم الاجتماع.

 وغالبا لا يتم إثبات المشاكل الجنسية بالتشخيص الطبي لأنها عادة ما تكون مرتبطة بالمشاكل النفسية”.

الوسوم

Thoraya Kassmi

عضو فريق مجلة ميم التحريري تختص في القضايا الإجتماعية والإقتصادية

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.