مجتمع

سيرك “شمسي”.. شعاع أمل الأطفال المهمشين بالمغرب

مجتمع

 

أسماء بوخمس- المغرب- ميم

 إبداع.. إبهار بصري.. مرونة.. دقة متناهية في الحركة والإيقاع.. مؤثرات صوتية.. مغامرة وخيال.. صور من بين أخرى تؤثث فضاء السيرك “شمسي” الموجود في حي “سيدي موسى” الهامشي بمدينة سلا المغربية. إذ تعمل المدرسة الوطنية للسيرك “شمسي” الوحيدة من نوعها في المغرب والمنطقة على زرع بسمة أمل في وجوه أطفال الشوارع ومن لم تسعفه ظروفه الاجتماعية والاقتصادية على استكمال دراسته من خلال تكوين احترافي على فنون السيرك.

على ضفة نهر أبي رقراق في الجهة المقابلة لمدينة الرباط تقع مدينة سلا، حيث توجد وراء أسوارها العتيقة خيمة كبيرة قبالة المحيط الأطلسي، يتدرب فيها أطفال الأحياء القديمة على فنون السيرك.

عرفت مدرسة السيرك “شمسي” إقبالا في صفوف الأطفال والكبار ابتداء من سنة 2009 حين حصل المشروع النموذجي الذي أشرفت عليه الجمعية المغربية لمساعدة الأطفال في وضعية غير مستقرة على ترخيص من السلطات المغربية، لتصبح مدرسة “شمسي” الأولى من نوعها في المملكة تقوم بتخريج العشرات من محترفي الحركات البهلوانية، يشاركون في مسابقات داخلية وخارجية.

الحسين احميدوش: سيرك “شمسي” صقل موهبتي

كان الحسين احميدوش يقضي معظم وقته متدربا على “الأكروباسي” في محيط بحر مدينة الدار البيضاء، قبل أن تشاء الصدف أن يلتقي بثلة من الشباب سيخبرونه بتواجد مدرسة للسيرك بسلا تعمل على صقل وتدريب مواهب الشباب.

وبعد مرور3 سنوات التحق الحسين بمدرسة السيرك “شمسي”، عن ذلك يقول في تصريح خص به مجلة “ميم”: “توجهت صوب المدرسة الوطنية للسيرك “شمسي”، اجتزت المباراة التي لم تكن قط سهلة (مباراة تختبر قدراتنا في الأكروباسي والرقص وعدد من التعبيرات الجسدية وغيرها)، فمن أصل ثمانين شخصا، تم اختيار 20 فردا”.

 

الحسين احميدوش (عدسة إلياس أزريوح)

 

وأضاف الحسين: “وبحكم أنني لا أقطن في مدينة سلا، فالمدرسة توفر لنا المسكن”.

وبصوت حماسي يسترجع خريج مدرسة “شمسي” ذكرياته التي عاشها وسط خيمة كبيرة نصبت بالقرب من “قصبة كناوة” التي تعود لثلاث قرون خلت.

يقول الحسين: “في سيرك “شمسي” تعلمت أصول السيرك باحترافية عالية، صقلت موهبتي ومدة الدراسة ناهزت 4 سنوات”.

وفي معرض رده على المشاكل التي تعترضهم بعد التخرج من المدرسة، أردف بالقول: “ما يقض مضجع المتخرجين هو فرص الشغل القليلة بعد الحصول على الديبلوم، ناهيك أن ثقافة السيرك في بلادنا ضعيفة”.

وأوضح المتحدث: “الخريجين على العموم في أمس الحاجة للمتابعة خاصة بعد التخرج، تلك المرحلة التي تتسم بالضبابية خاصة في السنة الأولى بعد حصولنا على الديبلوم”.

وبخصوص تجربته بعد التخرج، صرح الحسين أنه تمكن من الحصول على عمل في “المسرح الرحال” بمدينة الدار البيضاء، مضيفا أن زوجته هي كذلك فنانة سيرك تعرف إليها أثناء قيامه بورشات تدريبية في المسرح الرحال.

 

سيرك شمسي (عدسة إلياس أزريوح)

 

وعن نظرته للفتيات اللواتي يمارسن فنون السيرك، قال بنبرة واثقة: “الفن لا يفرق بين امرأة ورجل.. ويسعدني جدا صقل موهبة زوجتي أميمة والمضي قدما في فنون السيرك”.

من جانبه يرى آلان لايرون، مدير مدرسة سيرك “شمسي”، أن الهدف المتوخى من المدرسة هو “تشجيع الطلاب على الابتكار والإبداع، من أجل الخروج بأسلوب فني تكون له صبغة مغربية”، مضيفا: “نراهن في المدرسة على الفن كوسيلة لتجاوز كل الصعاب والانطلاق نحو آفاق أرحب”.

جمالية الجسد تُهاجم رمزيا وماديا

يرى الأخصائي النفسي رضا امحاسني أن السيرك هي نظرة حداثية لممارسة فنية (رقص، تحديات أشكال وسلوكات عن غير الطبيعة المألوفة)، وهي غير غريبة عن المجتمع المغربي (سيدي حماد اموسى مثلا…).

ويوضح امحاسني أن الرقص في المجتمع المغربي “يحيلنا على الجسد أي أنه مثير للشهوة والإثارة”.

 

سيرك شمسي (عدسة إلياس أزريوح)

 

وجوابا على سؤال نظرة المجتمع المغربي “غير الراضية” إلى المرأة التي تمارس فنون السيرك، أردف بالقول الباحث في علم النفس امحاسني: “في ظل المد التشددي الوهابي، فإن المجتمع يرفض المرأة التي تمارس فنون السيرك،  فهي تشكل مصدر إغراء وفتنة”.

ويوضح بهذا الخصوص المتحدث ذاته: “وجب تغيير نظرتنا للأمور، جمالية الجسد تُهاجم رمزيا وماديا. وليس هناك فرق بين امرأة ورجل، وفن السيرك هو رقي بالذات والجسد”.

هشام عبقاري: سيرك “شمسي” حفظ من براثين الانحراف

يرى هشام عبقاري، مؤسس فدرالية “الأندرغراوند” المغربي والباحث في الثقافة الحضرية، أن ما يُميز مدرسة سيرك “شمسي”، هو “احتضانها لأطفال الشوارع لتعلم فن يضمن لهم لقمة عيش كريمة”.

ويعتبر الباحث عبقاري أن السيرك “يدخل في إطار الفنون الحية التي تمارس سواء في القاعة أو في الهواء الطلق أو الخيمة”. مضيفا أنه “يستوحي مشاهده من فنون متنوعة سواء من الرقص والموسيقى والحكي والحركات الرياضية.. وغيرها”.

ويوضح عبقاري أن  “فن السيرك  هو مصطلح غير دقيق. فهناك سيرك ترفيهي الذي يعتمد على الحركات البهلوانية والحيوانات وبعض الألعاب السحرية، وهناك أيضا فن السيرك الذي يندرج في إطار مسرحي متكامل”.

 

سيرك شمسي (عدسة إلياس أزريوح)

 

الحسين، وأميمة وغيرهما من الشباب اختاروا فنون السيرك مهنة، رغم فرص العمل المحدودة. بيد أنهم قرروا بحزم ومثابرة فرض ذواتهم عبر عروض فنية تنقل المشاهد إلى عالم الخيال والإثارة والمتعة.

لفنون السيرك إذن دور إنساني عظيم، يرسم البسمة والفرح على وجوه الصغار، ويمنح للكبار فرصة للتفريج عن النفس من كل ما علق بها من مشاعر سلبية من خلال عروض فنية تنقطع لها الأنفاس. فالفن يعبّر عن الواقع بلمسات الجمال…

ويبقى سيرك “شمسي” من النماذج الناجحة لمحاربة أطفال الشوارع على أمل خلق مبادرات شبيهة في عدة مدن مغربية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.