الرئيسيثقافة

لماذا تموت الكاتبات كمدًا؟ شهادات عن “القتل العمد” لـ6 مثقفات عربيات

ثقافة

نادية محمد- القاهرة- مجلة ميم

فاجأ الكاتب والناقد الأدبي شعبان يوسف، الوسط الأدبي، بإصداره كتابا يحمل عنوان “لماذا تموت الكاتبات كمدا؟”، وهو الكتاب الذي فضح الجميع مستلهمًا تاريخًا طويلًا محمّلًا بالإهانة والتهميش لكبار الكاتبات والمثقفات في الوطن العربي.

 

“لماذا تموت الكاتبات كمدا؟” ليس مجرد كتاب يسرد قصص تهميش المرأة المثقفة والمبدعة، أو يحلل المعوقات الاجتماعية التي اعترضت طريقها، لكنه ينتصر للمرأة، ويفضح حقبة كان رجالها يدَّعون الليبرالية وإتاحة الفرصة للمرأة كي تشاركهم، بينما على أرض الواقع يتعمدون إغراقها وإقصاءها، أو تشويهها.. وفي أحيانٍ أخرى، قتلها معنويًا وثقافيًا.

يضم الكتاب 10 فصول، يتحدث الكاتب في الفصل الأول عن تحليله الخاص لظاهرة قتل الكاتبات وإقصائهن، مؤكِّدًا أن تهميش المرأة ليس صدفة أو رد فعل على عوامل اجتماعية وظروف خاصة فقط، بل كان متعمدا في أغلب الأحيان لكن أحدا لم يهتم عبر التاريخ، بالبحث والتنقيب عن أسباب عدم نَيْل المرأة حقها في الحقلين، الثقافي والأدبي حتى الآن.

استشهد شعبان يوسف في الفصل الأول بأن كرسي وزارة الثقافة في مصر ظل عبر تاريخ الجمهورية ممنوعًا على النساء، حكرًا للرجال، وذلك قبل أن تصل إليه بالفعل لأول مرة السيدة إيناس عبد الدايم، وزير ثقافة مصر الحالي، فهو حلم تأخَّر تحقيقه 66 عاما منذ إنشاء وزارة الثقافة المصرية لأول مرة.

وتطرّق في الفصول التالية إلى نماذج اعتبرها ماتت كمدًا:

ملك حفني ناصف.. ضحية خديعة ذكورية

 

 

في الفصل الثاني من الكتاب يتطرق الكاتب شعبان يوسف، إلى الثقافة الشعبية التي تقتل المرأة، وقتل المرأة عند الكاتب ليس المقصود به الموت الجسدي فقط، ولكنه الموت النفسي أيضا.

حمل الفصل الثاني عنوان “ملك حفني ناصف.. شروق مبكر وغروب فاجع وضحية لخديعة ذكروية”، تحدث فيه عن رائدة الحركة النسوية في مصر.

وفاجأ شعبان يوسف قرّاءه بتأكيده أن الحركة النسوية في مصر لم تولد على يد هدى شعراوي ورفيقاتها بل على يد ملك حفني؛ إذ أنها أول من أطلقت الشرارة في المطالبة بحريات المرأة، بل وأكثر من قاسم أمين نفسه.

يرى يوسف، عبر كتابه، أن ملك حفني أحق بلقب رائدة الحركة النسوية في مصر أكثر من هدى شعراوي، التي حملت اللقب على مدار السنين، فهي أكثر تأثيرا منها – من وجهة نظره – مستشهدا بما قالته هدى شعراوي نفسها عن “ملك” حين توفيت في أكتوبر 1918، وهو: “حدث في صبيحة يوم ٢١ أكتوبر ١٩١٨ أن جاءتني إحدى المربيات في ثياب سوداء، تعودت أن تزورني بها مجاملة لي في حزني على شقيقي وقد بادرتني بصوت متهدج قائلة: لقد ماتت الباحثة!

وشعرت بهزة حزن في نفسي لهذا الخبر.. وما كنت أظن أن شيئًا في الحياة بعد فقدان أخي يستطيع أن يهز شعوري هذه الهزة العنيفة، وقد عجبت لذلك إذ كنت قد قطعت كل صلة بالحياة، وحسبت أنه لم يبق في شعوري متسع لغير حزني على أخي، وكدت أثور على نفسي وعلى تلك التي أحدثت هذا التأثير فيها، ما الذي يعنيني أنا أن الباحثة قد قضت؟ وأن البلاد نساءها ورجالها، قد خسروا في نهضتهم عضوًا هامًا بوفاة تلك السيدة الفاضلة.

وفي تلك اللحظة انفردت في مخيلتي صفحة بيضاء ذات إطار أسود لهذه السيدة، وخيل إليَّ أنني أسمع صوت باحثة البادية وهو يدوي في قاعة المؤتمر الذي عقد عام 1910 مطالبًا بحقوق عشرة للنساء”.

وتطرق الكاتب إلى معاناتها مع زوجها الذي كذب عليها قبل الزواج، واكتشفت بعد ذلك أنه كان متزوجا عليها، وروى تفاصيل عديدة عن تحملها عناء هذا الرجل، وكتب شعبان يوسف في نهاية الفصل مؤكدا: “كانت حياتها سلسلة من المتاعب والاَلام التي أودت بها، ولكن يظل صوتها عاليًا أبدًا في ساحات الحريات والعدالة الاجتماعية عمومًا، كواحدة من الرائدات الأوائل في القضية المرفوعة منذ قرون، ألا وهي قضية حريات المرأة”.

 

 

من صنع مأساة مي زيادة؟

 

 

خصص الكاتب شعبان يوسف الفصل الثالث للأديبة مي زيادة، تحت عنوان “من الذي صنع مأساة مي زيادة؟”، كاشفًا أن الناس لا تعرف عن مي زيادة سوى أنها سيدة صالون ثقافي، كان يجتمع فيه كبار الكتاب والأدباء في عصرها، مؤكدا أن الترويج لها على هذا الأساس كان مقصودا ومتعمدا، إذ حبسها مفكرو عصرها في أقفاص هم الذين صنعوها بأنفسهم وخيالاتهم.

وذكر شعبان يوسف قصة الهجوم عليها من قبل ميخائيل نعيمة، رغم أنه من نفس موطنها وجمعهما المَهجَر معًا.

انتقد ميخائيل نعيمة كتاب مي زيادة “غاية الحياة”، الذي ألقت بعضه في محاضرات بالجامعة المصرية، وكتب يقول: “انصرفت مي إلى نحت ألفاظها وصقل عباراتها أكثر مما انصرفت إلى ربط أفكارها وتسلسل براهينها، فكانت مقودة بقوالبها اللغوية أكثر منها بتحاليلها الفلسفية، فجاء ما قالته طليا، جميلا، منمقا كتمثال من رخام، أما روح ذلك التمثال فظلت مدفونة في قلبه الحجري”.

وقال “يوسف”: “للأسف، الذين كالوا لها المديح تلو المديح،  تخلّوا عنها بيسر وسهولة فيما بعد، وكان تقدير بعضهم، ملازما لكونها فتاة جميلة ولبقة ومتحدثة وسيدة مجتمع،  فاختصروها في أنها سيدة صالون، أو منتدي ثقافي،  وكذلك وضعوها في محل عشق وهيام طوال الوقت،  ثم بعد رحيلها،  حولوها إلى قصة مثيرة تشبه القصص البوليسية، وقلصوا حياتها في مجرد معشوقة، أو صاحبة صالون في حياتها،  وبعد رحيلها أصبحت عند البعض مجنونة، وغير متزنة”.

 

 

عائشة التيمورية والتجاهل التاريخي المفرط لأدب المرأة

في الفصل الرابع، تطرق شعبان يوسف، إلى قصة حياة الشاعرة عائشة التيمورية، التي جاهدت بقوة في مواجهة والدتها، التي كانت تمنعها عن القراءة، واعتبرت الثقافة من شأن الرجال فقط لاغير، أما البنات فليس لهن سوي الخياطة والتطريز وما شابه، ولعب الأب المثقف دورا مهما في ترقية ذوق عائشة، التي تعلمت التركية والفارسية، وكتبت شعرا باللغتين، بالإضافة إلي العربية.

وأكد “يوسف” أنه عبر التاريخ كان هناك تعمد واضح لتهميش المرأة من الشعر والمجال الأدبي، وأبرز مثال على ذلك عائشة تيمورية، قائلا: “المدهش أن هذا التجاهل، أو التقليل من دور المرأة الثقافي أو الفكري أو السياسي، ينفي حقيقة قائمة وفاعلة، تلك الحقيقة التي نرددها كشعارات وعناوين برّاقة فقط، ولكننا في التطبيق تفقد تلك الشعارات كل ذرائعها”.

ويدلل “يوسف” على كلامه بالإشارة إلى كتاب للشاعر الراحل الكبير صلاح عبد الصبور، عنوانه “قصة الضمير المصري”، صدر عام 1972، وهو عبارة عن سياحة في وجدان القرن التاسع عشر، وبعض من القرن العشرين، أي منذ رفاعة الطهطاوي، حتي منتصف القرن العشرين، وكذلك لا يذكر الكتاب ولو علي سبيل السهو اسم كاتبة أو شاعرة مرّت في هذا الوطن، وكأن ذلك الضمير الذي تشكل في مصر لم تشارك في صياغته المرأة بحرف واحد.

 

 

معطف نازك الملائكة الذي تم تمزيقه

 

 

ألقى الكاتب شعبان يوسف الضوء على الشاعرة العراقية نازك الملائكة، التي توفيت عام 2007، في الفصل الخامس.

وافتتح شعبان يوسف الفصل بموقف مؤسف حدث لنازك عام 1990 عندما نشرت جميع الصحف والمجلات أن الشاعرة نازك الملائكة توفيت، رغم أنها كانت على قيد الحياة.

يحكي “يوسف” : “بعد رحلة طويلة من العطاء الشعري والنقدي والأكاديمي،  نشرت الصحف والمجلات أخبارا وصورا ومقالات،  وكتب صديقنا الراحل الشاعر حلمي سالم مقالا مؤثرا لينعي فيه الشاعرة الراحلة،  وذلك في مجلة “أدب ونقد”،  ولكن عندما اكتشف الجميع أن الملائكة كانت على قيد الحياة، صمتت جميع المجلات والصحف، ولم تتقدم أي واحدة منها بأي اعتذار”.

وتابع: “فقط كتب الكاتب الصحفي جهاد الخازن اعتذارا مؤثرا، وذلك لتقديره مدي مهنية الصحافة، وإدراكه أن هذا الاعتذار هو بمثابة ردّ اعتبار لشرف المهنة، وردّ اعتبار للشاعرة الكبيرة،  والتي تجاهلت كل الصحف التي نشرت خبر رحيلها الاتصال بها، وللتأكد من صحة الخبر،  أو من عدمه،  مما جعل الشاعرة تمعن في عزلتها الكبيرة، إذ أنها كانت قد أنهت آخر عمل وظيفي لها منذ زمن، حيث كانت تعمل في قسم اللغة العربية بجامعة الكويت مع زوجها الدكتور عبد الهادي محبوب، وكانت تقطن في منزلها في منطقة “حدائق القبة” بشرق القاهرة”.

ويذكر “يوسف”: ” لم تكن هاتان الواقعتان، اللتان حدثتا قبل رحيلها وبعده،  الأسوأ في مسيرتها، إذ أنها تعرضت لأشكال كثيرة من الاستبعاد والتهميش والتشكيك في ريادتها، حيث أنها كانت قد قادت الشعر العربي في نهايات الأربعينيات، مرورا بالخمسينيات، حتى أواخر الستينيات، وبعد ذلك بدأت تستسلم لجميع الطعون النقدية التي توالت عليها”.

 

 

فريدة إلهامي.. شاعرة العامية الممنوعة

سرد شعبان يوسف قصة شاعرة العامية فريدة إلهامي، وتهميشها، بينما لا يذكرها نهائيا المهتمون بالشعر العامي.

ويؤرخ يوسف بشكل سريع لمواقف جرت في حياة فريدة، منها نقد صلاح جاهين لها، ووصف أشعارها بأنها منشور سياسي، ليدافع شعبان يوسف عنها، ويختلف مع صلاح جاهين.

يقول: “تلك الإضاءة المهمة والدّالة في مناخ طارد لشاعرية المرأة، تعتبر من الإشارات اللافتة لشاعرة أعتبرها أول شاعرة مصرية، تكتب قصيدة العامية بذلك الوهج، وتلك الروح الوثّابة، ولا أعرف ما الذي أوقف أو عطّل أو أخر التجربة، بل غيّبها تماما، وجدير بالذكر أن اسمها لا يرد في أي ببلوجرافيا عن شعر العامية المصرية، هذا إن كانت هناك ببلوجرافيا أساسا،  ومن الغريب أن تنشر بعض المجلات الثقافية المصرية ملفات عن شعرية العامية، دون الإشارة إلي تلك الرائدة من قريب أو بعيد”.

ثورة نبوية موسى.. والثورة المضادة

يستعرض شعبان يوسف في الفصل الأخير من كتابه عمليات التشويه المتعمدة التي حدثت لكبار الكاتبات والرائدات، مثل نبوية موسى، وما جرى لها من طعن في سيرتها التي كتبها محمد أبو الإسعاد، الذي اتهمها بالعمالة مع الإنجليزي، والإشارة إلى علاقة مشبوهة مع دوغلاس دنلوب، المستشار الإنجليزي للتعليم في مصر.

ودحض شعبان يوسف ما ذكره أبو الإسعادرة، بالمقالات التي كتبتها نبوية في جريدة “البلاغ الأسبوعي” والتي كانت تحمل طابعا ثوريا.

ويغوص الكتاب في حياة الكثير من الكاتبات المجهولات الأخريات ويحكي شذرات من حياتهن، الحافلة بالإنجازات، ما يجعل الكتاب موسوعة خاصة بأدب النساء في تاريخ الأدب الحديث.

 

 

ولكي يدلل شعبان يوسف على ذكورية الأوساط الثقافية في العالم، وليس الوطن العربي فقط، عَبَر بالتفصيل إلى الأديبات اللائي متنَ منتحرات، وعلى رأسهنَ فيرجينيا وولف، ونهايتها المأساوية.

ألقى شعبان يوسف الضوء على الحرب التي شنها النقاد الأوروبيون عليها، لأنها لم تلتزم بنصوص التراث التقيدي.

ورأى يوسف أن العنف الذي مورس تجاه فيرجينيا كان سببا في انتحارها، إلى جانب ما تعرضت له وهي طفلة من تعنت ذكوري وأسرة سليطة حتى فاضل بها الكيل في النهاية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.