مدونات

ألحِدْ كما شئتَ.. ولكن دعْ لي إيماني

بقلم: فتحي بن معمّر

 

ألْحِدْ كما شئتَ ولكن دعْ لي إيماني، وبالمثل يمكن أن يُقال أيضا: آمِنْ كم شئتَ ولكن لا تُنكر عليّ إلحادي. إنّ حرّية الضّمير كمفهوم أولّي قبل أن تتلبّس به شوائب “الأدلجة” والتّوظيف يقتضي بالضرورة الاعتراف بحريّة كلّ النّاس في المعتقد والممارسة الدينية أو غير الدينية لأنّ عدم الاعتقاد هو اعتقاد بشكل ما.

 

تلتبس علينا في أحيان كثيرة المفاهيم والمصطلحات فنُجريها في حياتنا مجرى إجرائيا غالبا ما يُوافق أهواءنا وميولاتنا أو وفق ما نعتقد أنّه الصّواب والحقّ المطلق من منطلق عقدي أو إيماني مُسلّم به لا يقبل في أذهاننا المناقشة، أو وفق نسق تفكير أو قناعات ناشئة عن فكر ما أو اعتناق إديولوجيا معيّنة تذهب بصاحبها مذهب الشّطط في رفض الآخر وعدم القبول به حتّى وإن كانت في جوهرها مُبشّرة بحقوق الإنسان والعيش المشترك.

ولئن ظلّ العامل الديني في أحايين كثيرة من تاريخ الإنسانيّة جاثما على صدور النّاس متسلّطا على عقولهم وموجّها لسلوكهم أو كابحا له أو كابتا لأبسط رغباتهم الإنسانيّة وحقوقهم، فإنّ ما قام نقيضا له من أجل تخليص النّاس من سلطة رجال الدّين ومؤسّساته وإنصاف الإنسان بإعطائه فرصة حريّة المعتقد والممارسة الشعائرية لأيّ دين يختاره أو إمكانيّة عدم التديّن وإعلان الكفر بكلّ الأديان قد كان مُجحفا أيضا بإنكار المنتسبين إليه أو المتحمّسين له على المتديّنين طقوسَهم ورموزَهم الدينيّة، والأمثلة في واقعنا كثيرة، من منع الحجاب إلى الدعوة لتخفيض صوت الأذان وأجراس الكنائس إلى الدّعوة إلى إلغائه إلى الوقوف ضدّ صلاة الاستسقاء.

ولعلّ الإلحاد من أكثر المفاهيم الحديثة المثيرة للجدل، حيث ارتبط في أذهان النّاس بإنكار وجود الله وعدم الاعتراف بالأديان. فلا مُعتقد لدى الملحد. وإنّما مدار كلّ شيء لديه قائم على العقل والمنطق والعينيّ المحسوس على مذهب أبي العلاء في البيت الشّعري المشهور:

لا إمام سوى العقل ***** مُشيرا في صبحه والمساء

وقد ورد في معنى الإلحاد في لسان العرب: “ومعنى الإلحاد في اللّغة الميلُ عن القصد” “وأصل الإلحاد الميلُ والعدول عن الشيء”.

أمّا في القاموس المحيط “وألحد: مال، وعدل، ومارى، وجادل” أمّا اصطلاحا فقد عرّفه بعضهم “أمّا في الاصطلاح فهو الميل عن ما يجب اعتقاده أو عمله وهذا تعريف عامٌّ: كلّ من مال عن ما يجب اعتقاده وعمله فهو مُلحد”.

فالإلحاد بهذا المعنى هو العدول والميل والمخالفة والمفارقة الكاملة أو الجزئيّة، وليس معناه ما تمحّض إليه حديثا وهو إنكار وجود الله وعدم الإيمان بالأديان والرّسل والأنبياء فقط. وهذا الاختلاف في المفاهيم أو التصّورات ناتج غالبا عن اختلاف السّياقات التي تُستعمل فيها الألفاظ والمصطلحات والمفاهيم. ففي المزمور (14/ 1) ترد الفقرة التالية (قال الجاهل في قلبه “ليس إله”) وبذلك فالجهل في هذا السّياق هو مرادف لإنكار وجود الله.

 

ما معنى أن ننادي لائكيا بحريّة الضّمير والمعتقد وأن نمنع معتنقي دين ما من ممارسة بعض الشعائر؟

 

ولذلك فإنّ قبول فكرة وجود الله في سياق الكتاب المقدّس لا يتمّ إلاّ بالإيمان الذي يراه الغزالي في السّياق الإسلامي “نورا قد قذفه الله في الصدر” فيرد في الرّسالة إلى العبرانيين (11/ 6) “ولكن بدون إيمان لا يمكن إرضاؤه، لأنّه يجب أنّ الذي يأتي إلى الله يؤمن بأنّه موجود، وأنّه يُجازي الذين يطلبونه”.

أمّا في القرآن الكريم فقد ورد اللّفظ المشتقّ من الجذر (ل،ح،د) في أربع آيات تشترك في المعنى المذكور آنفا وهو العدول والمخالفة والميل أضيف إليها الظلم في بعض التّفاسير وما الظّلم إلاّ وضع الأمر في غير موضعه في أصل اللّغة وبالتالي فهو أيضا إلى معنى المخالفة والميل والعدول أقرب.

فقد ورد اللّفظ في سياق أوّل في الآية 180 من سورة الأعراف “وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ۚ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ”

والمعنى في هذا السّياق وكما ورد في أغلب التّفاسير هو التّحريف والتّغيير في أسماء الله نطقا أو قصدا أو بإطلاقها على غير الله.

ولذلك فقد علّق محمد الطاهر بن عاشور في التّحرير والتّنوير على الآية قائلا: “ومعنى الإلحاد في أسماء الله جعلها مظهراً من مظاهر الكفر، وذلك بإنكار تسميته تعالى بالأسماء الدالة على صفات ثابتة له، وهو الأحق بكمال مدلولها فإنهم أنكروا الرحمان، كما تقدم، وجعلوا تسميته به في القرآن وسيلة للتشنيع، ولمز النبي عليه الصلاة والسلام بأنه عدّد الآلهة، ولا أعظم من هذا البهتان والجور في الجدال، فحُق بأن يُسمى إلحاداً؛ لأنه عدول عن الحق بقصد المكابرة والحسد .”

كما ورد اللّفظ في نفس صيغة الفعل المضارع في الآية 103 من سورة النّحل “وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ” وفي هذا السّياق، يكون اللّفظ بمعنى المخالفة في اللّسان واللّغة بمعنى الميل إلى غير ما تواضع عليه القوم في سياق ما من معان ومفاهيم.

أمّا في الآية 40 من سورة فصلت “إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا ۗ أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ” والإلحاد في آيات الله: الميل بها عن الصواب، بأي وجه كان: إما بإنكارها وجحودها، وتكذيب من جاء بها، وإما بتحريفها وتصريفها عن معناها الحقيقي، وإثبات معان لها، ما أرادها الله منها.

وهو بمعنى ما “الميل عن الحق في شأن آياتنا بأن يؤولوها تأويلا فاسدا، أو يقابلوها باللغو فيها وعدم التدبر لما اشتملت عليه من توجيهات حكيمة” كما ورد في بعض التّفاسير.

 

ما معنى أن تعلن الدّيانات “لا إكراه في الدّين” ثمّ تنكر على النّاس عدم الإيمان بها وبما تدعو إليه؟

 

في حين يرد في  الآية 25 من سورة الحج في صيغة المصدر من الفعل “ألحد”: ” إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ۚ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ” بمعنى جديد مقترن بلفظ الظّلم وكلاهما بمعنى المخالفة والخروج عما تواضع عليه النّاس أو ألفوه أو أمنوا به أو اعتقدوا الكمال والتّمام والإطلاق والحقّ فيه بما لا يدع أيّ مجال للشكّ أو الخلاف.

والمشكلة اليوم ليست في الاعتراف بالحق في الإلحاد من عدمه، بل المشكلة في كيفية تصريف العلاقة بين أهل الإلحاد وأهل الدّيانات. لأنّنا اليوم إن أمعنّا النّظر في واقع النّاس وخاصّة في بلداننا وجدنا أنّ من ينتسبون إلى الإلحاد يُنكرون على المتديّنين تديّنهم وطقوسهم ويشمئزون منها أو يسخرون، في حين ينفر المؤمنون من المُلحدين وينكرون عليهم مذهبهم ويجعلونهم عرضة لأفظع الشّتائم، بل يُحرّضون عليهم فيكونون عرضة لمخاطر جمّة.

غير أنّ المتأمّل في النّصوص الدينية وفي المواد المرجعية التي بُني عليها مفهوم الإلحاد وحرّية الدين والمعتقد يجد فسحة من الأمر تمنح لكلّ طرف الحقّ في اختيار المعتقد أو في إنكار معتقد ما واختيار غيره أو ما يناقضه، ففي الآية الأخيرة من سورة الكافرون “لكم دينكم ولي دين” كما في الآية 256 من صورة البقرة “لا إكراه في الدّين” وفي الآية 29 من سورة الكهف “فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر“.

 

سواء كنت ملحدا أو مؤمنا فأنت في المقام الأوّل مواطن له حقوق وله واجبات يحترم غيره ويعترف بوجوده وحقّه

 

وفي المقابل، يكفل مفهوم اللائكيّة باعتباره من أكثر المفاهيم تأثيرا في الحياة المعاصرة منذ قيام الثّورة الفرنسية سنة 1789 وإعلان حقوق الإنسان والمواطنة التي تقرّ مبادئها بحريّة الضّمير والدين والمعتقد لأنّها تؤكّد على مبدأ الفصل بين السّلطة السّياسية والسّلطة الدينية.

ذلك أنّ “اللائكية شكل من أشكال تنظيم السلط السّياسية والإدارية التي تمتدّ جذورها عميقا في تاريخ التّسامح”(*) ولضمان السّلم الاجتماعي، بمقتضى مرتكزات اللائكية التي تضمن من ناحية حريّة الضّمير والمعتقد والمساواة بين الأديان، من خلال مرتكزين هامّين، هما حياد الإدارة والسّلطة والفصل بين السّلطة السّياسية والإدارية والسلطة الدينية.

والحياد يقتضي عدم دعم أيّ دين أو تمتيعه بأيّ حظوة، كما يعني أيضا عدم ازدراء أيّ دين أو معتقد أو الإلحاد من ناحية ثانية.

بما يعني أن تكفل الدّولة حريّة الضّمير التي وضع لها الفرنسي بيار بايل (1647-1706) مفهوما متقدّما يشمل الملحدين أيضا. ثمّ تدعّم ذلك بإصدار قانون 09 سبتمبر 1905 في فرنسا الذي يفصل بين الكنيسة والدّولة.

وعلى العموم وكما يتّضح من خلال النّصوص الدينيّة أو الوثائق المرجعية في حقوق الإنسان فإنّ حريّة الدين والمعتقد مكفولة للإنسان في كل العهود والمواثيق دون استثناء.

وبالتالي، فما معنى أن ننادي لائكيا بحريّة الضّمير والمعتقد وأن نمنع معتنقي دين ما من ممارسة بعض الشعائر؟ وما معنى أن تعلن الدّيانات “لا إكراه في الدّين” ثمّ تنكر على النّاس عدم الإيمان بها وبما تدعو إليه؟

إنّ مدار الأمر وجِماعه يحوم حول مفهوم المواطنة الحاضنة للتّنوّع كرابطة بديلة بين بني الإنسان تعوّض الانتماء القبلي أو العشائري أو الدّيني أو أيّا من الانتماءات الضّيقة التي تسجن أبناءها داخل بوتقة ضيّقة وتشحنُهم بتربية ترفض الآخر فينتشرون في الأرض مبشّرين بما يُعطي الزّخم لانتماءاتهم وهُويّاتهم، فيرفضون ويتقوقعون.

بينما المواطنة الحاضنة للتنّوع تفتح أفقا رحبا للعيش المشترك رغم الاختلاف في ظلّ الاحترام المتبادل والايمان الكامل بحاجة الكلّ للكلّ وبالتكامل رغم كل الاختلافات.

فما الملحد والمؤمن إلاّ وجهان لعملة واحدة تُصرِّف الأمور في العالم الجديد هي عملة المواطنة الحاضنة للتنوّع. فسواء كنت ملحدا أو مؤمنا فأنت في المقام الأوّل مواطن له حقوق وله واجبات يحترم غيره ويعترف بوجوده وحقّه ويؤمن بالتعدّد الذي قد لا نجد له حدّا في المجتمعات الحديثة السّريعة التطوّر والتحوّل.

(*) بوبرو (جون) وميلو (مشلين)، لنتحدثّ عن اللائكية في ثلاثين سؤالا، ص9

فتحي بن معمّر

روائي وباحث في الأديان واللغة الأمازيغية، وله أربع مؤلفات في الفكر الإسلامي والأديان المقارنة: “سنقرئك فلا تنسى، الوصايا العشر وتجلياتها في التوراة والقرآن”، “مالك بن نبي بين العفن والوهن وانبعاث طائر الفينيق”، “مقدمات لدراسة الأمازيغية التونسية المعاصرة”، إضافة إلى رواية بعنوان “أززْلفْ”

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.