سياسة

مؤتمر الكويت: لإعادة إعمار العراق أم لمواصلة تخريبه؟

سياسة

 

“شيء غريب والله أن يجتمع قتلة العراق وشعبه من عرب وغربيين وشرقيين وعراقيين مأجورين مدّعين أنهم يجتمعون لإعادة الإعمار وفي الحقيقة هم يجتمعون لمزيد من السرقات والقتل والدمار للعراق وشعبه”، هكذا علق أحد روّاد مواقع التواصل الاجتماعي على مؤتمر إعادة اعمار العراق، الذي انعقد في الكويت، وحصل خلاله العراق على تعهدات، هي في الحقيقة قروض ميسرة، بتأمين 30 مليار دولار للمساعدة في إعادة الإعمار، وذلك بعد نحو 15 عاما من الغزو الأمريكي وسنوات من الصراع الداخلي وأخرى من الحرب على تنظيم “داعش”

أثار المؤتمر المذكور الكثير من الأسئلة والاستفسارات، أوّلها بخصوص الأموال والمشاريع التي تم التعاقد عليها في ظل تفشي الفساد وضعف القوانين، التي اسهمت بهدر المليارات من الدولارات في الفترة السابقة. ويتعلق التساؤل الثاني بمفارقة عجيبة وهي اجتماع الدول نفسها التي مارست مختلف العمليات العسكرية والتدميرية على أرض العراق، بتعلة إعادة إعماره اليوم.

التخريب والبناء!

حذر مراقبون، تابعوا أشغال مؤتمر الإعمار بالكويت، من مبالغة رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي في التفاؤل حيال الوعود التي تم الإعلان عنها، مشيرين إلى أن جهات دولية كثيرة سبق أن تعهدت بتقديم أرقام كبيرة لفائدة العراق في مؤتمرات عقدت بمدريد وطوكيو وبروكسل وعمان، لكن تعهداتها ظلت مجرد وعود بسبب عدم استقرار العراق منذ غزو 2003، وبلغ إجمالي التعهدات والمنح العربية نحو 7.5 مليارات دولار ما بين قروض واستثمارات وتمويل صادرات.

 

 

ويرى جانب آخر من المراقبين في تفاصيل المؤتمر، بدءا من محل انعقاده (الكويت) وانتهاءً بنتائجه، مرورا بتفاصيل ما تقدمت به الدول والشركات للعراق.. فشلا غير لائق بالعراق، باعتباره بلدا غنيا وذا مكانة مركزية وإستراتيجية، تاريخيّا، في المنطقة والعالم.

فقد أصبحت الكويت، من وجهة النظر هذه، منذ عام 1990، لعنة العراق، فمن أجل تحرير الكويت تعرّضت العراق إلى تدمير شبه كامل لبناه التحتية وقواته المسلحة من قوات التحالف الدولي (33 دولة)، وعاش العراقيون فترة حصار قاتل ومقيت لأكثر من 13 سنة، ثم منها (الكويت) انطلق الغزاة عام 2003، ليحتلوا العراق ويدمروا أسس الدولة واستقرار شعبه.  وما يزال هذه البلد يعاني من عملية الاحتلال ونتائجها.

ويخلص عدد من المراقبين إلى أنّه قد تكون لمؤتمر الكويت للمانحين منافع سياسية للحكومة العراقية، خصوصا أنها على أعتاب مرحلة انتخابية في مايو/ أيار المقبل، وربما هو فرصة لبعض الدول أن تقدم قروضا أو استثمارات لتتجاوز عقدة الشعور بالذنب تجاه ما مارسته بحق هذا الشعب، لكنّ نتائج الاجتماعات تشكّل صدمة للعراقيين، وهم شعب لم يتعود الاستجداء.

 

الإعمار في مستنقع الفساد

ويذكر أنه ليست هذه المرة الأولى التي يتحصل فيها العراق على ما يسمى “بالدعم” من دول أخرى، إذ عقدت مؤتمرات دولية عدة لحشد الدول المانحة، بعد انتهاء الغزو الأمريكي، وقدمت وعود كثيرة بمليارات الدولارات لإعادة إصلاح ما دمرته سنوات الحرب، لكن النتائج لم تكن على قدر الوعود، إذ أن القروض والقليل من الهبات التي تمتع بها العراق، كانت هدفا لعمليات الفساد التي زادت من إثقال كاهل الاقتصاد العراقي، فقد كشفت لجنة النزاهة في البرلمان العراقي عن وجود حالات فساد في عملية صرف القروض والمنح لإعمار وإعادة استقرار المناطق المحررة من تنظيم “داعش” الإرهابي.

وأدت القروض التي جلبتها الحكومة خلال العامين الماضيين، بحسب لجنة النزاهة، إلى ارتفاع الدين العام للعراق إلى أكثر من (13 مليار دولار). وتحاول الحكومة التكتم على القروض وشروطها والجهات المانحة لها، وهو ما يؤكد وجود شبهات فساد كبيرة في هذا الملف.

وشابت عملية إعادة الإعمار ظاهرة الفساد المالي وتورط فيها عراقيون وأمريكيون بحسب وسائل اعلام عراقية وأمريكية،  فجهود إعادة الإعمار التي بدأت بآمال واسعة انتهت اليوم في مستنقع الفساد وسوء الإدارة، وزيادة على كل ذلك، رفض الأميركيون، الذين تعهدواسابقا بتقديم 20 مليار دولار للعراق، الالتزام بوعودهم السابقة، وأعلنوا عام 2006 أنهم لن يخصصوا أي أموال إضافية لإعادة إعمار العراق، ثم جاءت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لتعلن أنها لا تعتزم المساهمة بأي أموال لهذا الغرض.

وقالت مصادر صحفية بالعراق، إن رئاسة البرلمان تتعمّد عدم مفاتحة الحكومة بشأن القروض التي حصلت عليها وشروطها، رغم المطالب المتكررة من قبل بعض أعضاء البرلمان، كما هناك تكتم حكومي بالاشترك مع رئاسة البرلمان بهدف عدم إدراج هذه القضية في جدول جلسات البرلمان.

وأوضحت مصادر عراقية أنّ هناك شروطا تعجيزية في اتفاقيات القروض، وهو ما انعكس على أغلب القرارات التي صدرت من الحكومة أو البرلمان والتي زادت من معاناة المواطن كارتفاع الضرائب والاستقطاعات ورفع الدعم الحكومي عن الكثير من القطاعات الخدمية.

 

معدلات الفقر في العراق في ارتفاع

الحصيلة: أعباء اقتصادية وظروف صعبة

فرضت قروض صندوق النقد الدولي أعباء اقتصادية جديدة على المواطن العراقي الذي يعيش في ظل بيئة غير مستقرة سياسياً وأمنياً منذ أكثر من ثلاث سنوات، وطلب صندوق النقد الدولي من العراق ضمانات تمكنه من سداد القروض دون أن يحدد طبيعة الإجراءات التي يتخذها العراق، مع العلم أن قيمة القرض الذي وافق الصندوق على منحه للعراق، أواخر السنة الماضية، بلغ 5.4 مليارات دولار بحسب خبراء اقتصاد.

وتظهر الأرقام أنّ ثلث العراقيين لا يحصلون في اليوم الواحد على أكثر من أربعة دولارات، ما يعني أنهم تحت خط الفقر وهناك جزء كبير من هذه النسبة غير قادرة على تأمين ثلاث وجبات طعام مناسبة، كما انتشر الفقر في بغداد أكثر من باقي المحافظات.

وبيّن مسح 2016 أنّ أكثر من مليون عراقي يعيشون في عشوائيات من الصفيح والمعادن والبيوت الطينية والمقرات العسكرية السابقة، وكشف أيضا وجود نحو 10 ملايين عراقي لا يمتلكون سكناً خاصاً بهم، وليست لهم القدرة على شراء سكن.

وتعد نسبة الفقر في البلاد، هي الأعلى من نوعها منذ عام 1920 الذي شهدت فيه البلاد مجاعة بفعل الاحتلال البريطاني للبلاد.

وفي ظل تعطّل عجلة النمو، يظلّ العراق تحت رحمة سعر برميل النفط، وهو القطاع الذي تم استهدافه بالتزامن مع ركود للقطاعات الاقتصادية الأخرى التي لا تشكل سوى 5 % من إجمالي النشاط الاقتصادي حاليّا. ومع استشراء غول الفساد نُهبت الموارد والثروات، وقُطع الطريق أمام استقطاب استثمارات وتمويلات خارجية.

الوسوم

هالة سويدي

عضو في فريق تحرير مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.