ثقافة

رواية نجوم أريحا ل “ليانة  بدر” : فسيفساء   فلسطين المشتهاة

سلسلة الأدب النسائي

 

“أعاني كل شرور الاحتلال  مثل غيري من المواطنين، تظل أبصاري معلقة على منازلهم المتنقلة التي يسطون  بها على الأرض ويستوطنوها رغما عنا يصولون ويجولون في شوارعنا ويتعاملون معنا كأننا عبيد نعمل في أسواقهم لا أكثر ومع ذلك اشعر أنني أكثر حرية هنا”.

 

هذه الكلمات للكاتبة الفلسطينية ليانة بدر التي تنوعت تجربتها بين الشعر والنثر.  كما تراوحت سردياتها بين القصة القصيرة والرواية. ومن أهم أعمالها  الروائية نجوم أريحا التي نحاول تصفحها في هذه المساحة.

المكان بطل مطلق في هذه الرواية وهو يعبر عن حالة الضيق والاضطهاد التي يعيشها الشعب الفلسطيني  يشي به العنوان ولكن الأمكنة مبثوثة ايضا في ثنايا الرواية وهي تحيل على الحنين أحيانا كالبيت الكبير  الأثري الذي تفوح منه رائحة القهوة والسوق الذي يعبق برائحة زيت الزيتون بكل ما يختزله من دلالة رمزية وقدسية وبهذه  الأمكنة القديمة تؤكد الكاتبة على العمق التاريخي للوطن المسلوب.

وترصد ليانة بدر تفاصيل المكان وتصورها بشكل حميمي تنضح منه الحياة.

ومع المكان تقدم لنا ليانة بدر صورا عن العادات والتقاليد والموروث الثقافي الشفوي وتحول الانثروبولوجيا الثقافية للشعب الفلسطيني التي تتجلى من خلال الآكلات التقليدية والأفكار والمعتقدات الشعبية  والممارسات و هي شكل من أشكال المقاومة لهذا الشعب الذي يواجه استعمارا استيطانيا هدفه اقتلاعه من جذوره.

اما تفاصيل الحكي في رواية نجوم أريحا  فهي تبدو فسيفساء تتقاطع فيها الكثير من الأحداث بين التاريخي الحقيقي والمتخيل الذي يعيشه أبطال الكاتبة وذلك من خلال ما تقوله لنا الراوية التي تعرض بانوراما للواقع الفلسطيني ومن ابرز الوقائع في الرواية ما حف بحرب 1967 وبعض أحداث المخيمات كمخيم تل  الزعتر وسلسلة الماسي التراجيدية التي عاشها الشعب الفلسطيني.

ويستبطن وعي الراوية كل الوقائع التي عاشتها والتي تراوح بين الطفولة والنضج وانتقالها من الوطن الى المنفى ومن المنفى الى الحلم بالعودة الى الوطن حتى وان كان رقعة صغيرة من الأرض لا تتسع للأحلام الكبيرة وهنا تقودنا الراوية إلى فكرة او مقولة ” أريحا أو العدم ”  التي طرحت على الفلسطينيين واختلفوا حولها إبان اتفاق أوسلو الشهير.

 

” أريحا اين هذا الان؟ انني اراها واحلف انني  اشهد كل أركانها زواياها ازقتها بيوتها أسطحها وخباياها على بقعة الرمل الصغيرة التي أقف عليها ، هنا شجرة أكاسيا لم تزهر بعد ولكنها تنتظر ربيعا ما “.

 

ذاك هو الربيع الذي حلم به الفلسطينيون لكنه لم يأت وكان الحلم منقوصا  وربما لذلك كتبت ليانة بدر نجوم أريحا.

وعنها تقول الكاتبة “بدأت في كتابة هذه الرواية اثر حالة حادة من الحنين والخيبات والإحباط التي عشتها أثناء حرب الخليج  في تلك الأيام كنت اكتب رواية عن وجود الفلسطينيين في لبنان منذ زيارة السادات وحتى حرب بيروت كتتمة لرواية ” عين المرآة”  التي تحدثت عن الحرب الأهلية من 1973 الى 1976.

كان لدي طموح لكتابة التاريخ الفلسطيني ادبيا وهو ما بدأته ب” بوصلة من اجل عباد الشمس ” التي تفتتح المرحلة الرومانسية من خلال بوادر المقاومة الأولى والحماسة المشتعلة والكفاح المسلح وأتوقف في الرواية عند محطة لبنان حيث الدمار والإبادة والكفاح من اجل البقاء وصولا الى حرب بيروت التي كنت اعتقد أنها آخر الحروب العربية.

لكن حرب الخليج جعلتني اشعر بأزمة شديدة ربما تكون ازمة وجودية لان الوجود الإنساني صار منبثقا من دوامة الحروب. ولم يعد من مفر سوى المواجهة والحرب المستمرة. فمنذ بداية الانتفاضة حيث قويت العزة الوطنية وتجذرت العلاقة بالأرض لم اصب بصدمة في مفاهيمي الفكرية وقناعاتي كما حدث في حرب الخليج اذ تحولت أحلام الوحدة العربية وتطلعات المصير المشترك هباء وصار لزاما علي الخروج من حائط المبكى باتجاه الأرض الأولى والسماء الأولى والجذور الأولى”.

هكذا إذن تعبر ليانة بدر عن الظروف التي حفت بكتابة رواية نجوم أريحا التي كانت مفصلية على المستوى الإبداعي والإنساني فقد كانت الكاتبة من الفلسطينيين الذين عادوا الىى الوطن بعد اتفاق أوسلو وظهرت تداعيات العودة من المنفى في سردياتها التي صاغتها بعد ذلك.

و بين الوطن المشتهى الذي عاشت الكاتبة على حلم العودة له وحاكت له الأشعار والقصص وبين الوطن الحقيقة المجزئ والمحاصر عاشت تجسد الأمنية في الواقع.

يذكر ان ليانة بدر فلسطينية ولدت في القدس وانتقلت مع عائلتها الى أريحا في أواسط القرن الماضي  وكتبت الشعر والرواية والقصة القصيرة كما مارست العمل الصحفي.

ليانة بدر مع الكاتب والناقد الفلسطيني نبيه القاسم في تونس عام 1994

 

وانتقلت بين عواصم عربية كثيرة على غرار بيروت ودمشق وعمان وتونس قبل ان تستقر في رام الله.

ومن أهم أعمالها قصص الحب والمطاردة وشرفة على الفاكهاني وانا أريد النهار وسماء واحدة .

كما كتبت أيضا قصصا موجهة للأطفال.

كما قدمت مجموعة من الأعمال السينمائية التي وثقت فيها لأوضاع الفلسطينيين تحت الاحتلال وذلك بعد ان درست الإخراج وكتابة السيناريو ومن ابرز الأعمال التي قدمتها في الغرض فدوى طوقان شاعرة من فلسطين ثم الطين الأخضر وزيتونات والقدس في يوم آخر ثم حصار ومفتوح مغلق.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق