الرئيسي

بلقيس ونزار: قصة حب اغتالتها شظية عربية

ثقافة

 

بلقيس

كانت أجمل الملكات في تاريخ بابل

بلقيس كانت أطول النخلات في ارض العراق

كانت إذا تمشي ترافقها طواويس

وتتبعها أيائل

 

بلقيس يا وجعي

ويا وجع القصيدة حين تلمسها الأنامل

هل يا ترى من بعد شعرك سوف ترتفع السنابل؟

 

يا نينوى الخضراء

يا غجريتي الشقراء

يا أمواج دجلة تلبس في الربيع بساقيها

أحلى الخلاخل

قتلوك يا بلقيس

أية امة عربية

تلك التي تغتال أصوات البلابل؟  

 

هكذا رثى نزار قباني حبيبته وملهمته بلقيس الراوي التي راحت ضحية انفجار السفارة العراقية في بيروت عام 1981.

 

 

ورغم أن الدمشقي الذي تغنى بالنساء كما لم يتغن بهن شاعر عربي قبله أو بعده ورغم قبيلة العاشقات اللواتي مررن في حقل عمره إلا أن بلقيس وحدها كانت ملكة الملكات وعنها قال في قصيدة أبدع كاظم الساهر في أدائها:

 

اشهد أن لا امرأة

أتقنت اللعبة

إلا أنت

واحتملت حماقتي

عشرة أعوام كما احتملت

واصطبرت على جنوني مثلما  صبرت

وقلمت أظافري

ورتبت دفاتري

وأدخلتني روضة الأطفال

إلا أنت

 

يعترف نزار قباني الشاعر الذي ملأ الدنيا وشغل الناس بأن بلقيس روضته وصقلت مشاعره واحتملت صبواته الشعرية والعاطفية وجعلته أسيرا لحبها الذي قال فيه أجمل القصائد.

ورغم ان قباني سبق له ان تزوج قبل ان يلتقي بمعبودته وانجب طفلين من زوجته الاولى توفيق وهدباء الا ان لقاءه ببلقيس في بداية الستينات في بغداد عندما كان مدعوا بمهرجان شعري كبير كان عاصفا فمنذ ان وقعت عيناه على هذه الساحرة الصغيرة حتى هام بحبها.

 

 

ودفعه الحب والفضول إلى معرفة هذه الفتاة الجميلة التي أحبها من النظرة الأولى  فسأل وجاءت الإجابة بأنها ارستقراطية تسكن في ضاحية الاعظمية في بيت يشرف على دجلة والفرات ولم يتردد نزار في خطبتها لكن طلبه رفض بشدة فعاد حزينا مكسور الخاطر إلى عمله الدبلوماسي في اسبانيا.

ولم تغادر صورة بلقيس خيال الشاعر الذي عاد إلى العراق بعد سبع سنوات ليشارك في مهرجان المربد الشعري وألقى قصيدة مؤثرة من وحي قصة الحب التي لم تكتمل فأنشد:

 

مرحبا يا عراق جئت اغنيك

وبعض الغناء بكاء

مرحبا مرحبا

أتعرف وجها حفرته الأنواء؟؟

أكل الحب من حشاشة قلبي

والبقايا تقاسمتها النساء

حتى وصل إلى بيت يقول فيه ”

كان عندي هنا أميرة حب

ثم ضاعت أميرتي الحسناء

أي وجه حلو في الاعظمية

لو رأته تغار منه السماء؟

 

ووصلت أصداء القصيدة والقصة الكامنة خلفها إلى الرئيس العراقي وقتها احمد حسن البكر فكلف بعض وزرائه لخطبة بلقيس من أبيها لنزار قباني وكان الزواج بقرار جمهوري  عام 1969 وعاش العروسان احلى أيام العمر التي توجت قصة حب من أجمل قصص العشق في القرن العشرين.

 

 

وعاش العاشقان حياة الترحال بين العواصم  وكانت ثمرة الزواج عمر وزينب وذرية من القصائد التي  يرددها العشاق إلى اليوم أشعار خالدة تغنت بها أصوات عربية كثيرة بدءا بالعندليب الأسمر عبد الحليم حافظ ثم نجاة الصغيرة وكاظم الساهر ولطيفة العرفاوي وغيرهم.

واستقر بهما المقام في بيروت التي اسماها نزار ست الدنيا عندما كانت قطبا ثقافيا وملاذا للمبدعين والمثقفين العرب الذين فروا من القمع في بلدانهم ووجدوا في لبنان واحة حرية للتعبير والنشر.

 

 

وفي تلك الفترة كانت بلقيس الراوي تعمل في السفارة العراقية وكان بيتها بمثابة صالون ثقافي يجتمع فيه المثقفون والمبدعون العرب تماما مثل مكتب الشاعر الكبير الموجود بشارع الحمراء.

ثم كانت المأساة يوم 15 ديسمبر 1981 عندما هز انفجار قلب بيروت وكان نتيجة هجوم انتحاري  بسيارة مفخخة استهدف السفارة  العراقية التي سويت بالأرض وراح ضحية هذه الهجمة السفير العراقي وحوالي 60 ضحية آخرون من بينهم بلقيس الراوي.

ويقول بعض الرواة الذين عايشوا تلك المأساة ان الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات كان هناك مناديا بين الأنقاض عن بلقيس بقوله “أين أنت يا بلقيس أين أنت يا ابنتي ردي على أبيك يا وردة الثورة الفلسطينية”.

ويقف خلف هذا الهجوم حزب شيعي معارض لنظام الحكم في بغداد.

وبكى الشاعر حبيبته كما لم يبك أبدا قائلا :

ها نحن يا بلقيس

ندخل مرة أخرى عصور الجاهلية

ها نحن ندخل في التوحش

والتخلف والبشاعة والوضاعة

ندخل مرة أخرى عصور البربرية

حيث الكتابة رحلة بين الشظية والشظية

حيث اغتيال فراشة في حقلها

صار القضية

 

واخلص نزار للكتابة عن الحب والسياسة في مزيج رائع قارب فيه الشاعر الكبير حالة القمع والكبت السياسي والعاطفي الذي تعيشه الشعوب العربية المحكومة بأنظمة استبدادية ومن خلاله عاين وضعية النساء وهو العاشق لهن وأفنى حياته معبرا عن وجعهن ومعاناتهن في مجتمع ذكوري مغلق يعتبر الحب خطيئة عندما تعلنه المرأة وذلك منذ انتحرت شقيقته وصال التي فضلت الموت على الزواج من رجل لا تحبه.

 

 

والى اليوم يمكن القول ان بلقيس من أفضل المرثيات الشعرية ومن أجمل القصائد التي يلتحم فيها الحب بالسياسة.

 

بلقيس يا عطرا بذاكرتي

ويا قبرا يسافر في الغمام

قتلوك في بيروت

مثل أي غزالة

من بعد ما قتلوا الكلام

بلقيس

ليست هذه مرثية

لكن على العرب السلام

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.