مدوناتبيت وأسرة

“حاسبني بجلدو”.. توريث ثقافة العنف

#لا_للعنف_ضد_الأطفال

This post has already been read 20 times!

 

قد تبدو عبارة “حاسبني بجلدو” غريبة، إذ أننا إزاء الحديث عن الأطفال في الوسط التربوي، لكن هذه التوصية كانت تعطي السلطة المطلقة للمعلم أو المربي في أن يعاقب التلميذ/ الطفل العقوبة البدنية المناسبة، شريطة أن يضمنوا انضباط أبنائهم ومتابعتهم لدراستهم.

يتأسس تقبل العنف لدى الطفل في بداياته، من البيت والأسرة أولا. فالأم غير المدركة لأبجديات التربية السليمة، والمقهورة بتراكمات سنوات من العنف الذي ورثته، لن تكون إلا ناقلة وحاضنة للعنف، فتصبح التربية لديها مجموعة أوامر ونواه، يجب على الطفل تطبيقها، مع تهويل وتقديس لصورة الأب وضرورة الخوف منه وطاعته دون نقاش، لفرض سلطة وهمية تجعل الطفل مرتبكا خائفا يسعى جاهدا للانضواء تحت منظومة الطاعة والخضوع المفروضة عليه، فيواجه العالم فيما بعد بأرضية نفسية خصبة لتقبل العنف وتبريره، ومن ثمة توريثه لغيره فيما بعد.

 

الطفل يستبطن العنف ويعيد إنتاجه في المجتمع

 

 

مع الأسف، يتذكر العديد منا سنوات دراسته الأولى، وأنواع الضرب التي تعرض لها، بالعصي أو “مسطرة خشبية” أو حتى بخرطوم مطاطي أحيانا، عند ارتكاب هفوة أو إهمال تحضير الواجب المنزلي. كانت هذه الممارسات شائعة، لدرجة أن الأولياء والمعلمين والتلاميذ أنفسهم لم يكونوا يستغربونها، بل تعتبر جزءًا من هيبة المعلم وإثباته لقدرته على التربية قبل التعليم!

هذه السلسلة من التعنيف والعنف تتواصل، لارتباطها العضوي بمنظومة سلطوية ترتكز أساسا على الترهيب لا الترغيب، فالمعلم العاجز عن الوصول إلى عقل التلميذ ووعيه، لا يجد بديلا عن استعمال العنف اللفظي والمادي لإخضاع الطفل لما يريد أن يلقنه، فنتختزل العملية التعليمية في التلقين وتفرغ من كل ما هو إعمال للفكر وتنشيط للجانب الإبداعي، ويصبح كل هم “المعلم” حينها انضباط الفصل الدراسي والطاعة التامة من طرف التلاميذ، وهو ما ينتج في النهاية عقولا سطحية، واهية مهزوزة، تستبطن العنف هي ذاتها بوصفه الوسيلة الوحيدة كي يحصل الارتقاء “المعرفي” المزعوم.

وهذا النمط من التعليم القائم على التبعية والامتثال، يعزز الانفعال ويؤسس لتبعية فكرية وثقافية ويحرم الطفل من تكوين شخصية مستقلة ومتفردة،ـ بل ويلغي فرصة أن يكون أيا من الأساس.

دائرة مغلقة تندرج في كل مجالات الحياة لا في الأسرة والتعليم وحدهما، لكن أثرها البارز يتجلى في الأطفال الذين يفترض أنهم الأمل للخروج من تحت هذا الهرم الهائل من العنف الموروث، ومن حتمية الاختيار بين أن تكون متسلطا أو مغلوبا.

وبمرور الوقت سيصبح المعنفون هم ذاتهم مصدرا لإعادة إنتاج العنف داخل المجتمع، ضمن حلقة مجنونة من العنف.

الوسوم

فاتن عمري

عضو تحرير فريق مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.