منوعات

مطبخ الأزمات.. أكلات ابتكرها الفقراء لمحاربة الجوع

منوعات

يقول الكاتب الفرنسي “جان بريلات” بخصوص الطعام: “قل لي ماذا تأكل.. أقول لك من أنت”. هذه المقولة تلخص أن الطعام ليس مجرد”حشو بطن” أو وسيلة للبقاء على قيد االحياة، بل هو ثقافة متكاملة تجمع تفرعات مختلفة وأنماط حياة الشعوب، لكنها أيضا قد تروي تاريخا منسيا لأزمات مرّت وأناس سقطوا ضحايا الجوع، هاجس الإنسانية الأول.

لا تنفصل التجارب الجمْعية للشعوب عن الطعام كهوية، والكل يحاول تأصيل ثقافة مختلفة بتفاصيلها عن الآخر، لكن رغم الاختلافات، فإن عديد المناطق تجمعها أكلات توحّد بين الأذواق، وإن اختلفت المدن والمناطق. والأهم من ذلك، التأريخ لأحداث مرت وارتبطت بالطعام.

 

المجدرة والمدردرة إسمان لأكلة واحدة

 

 

“المجدرة.. أكلة مقدرة”.. هذا المثل السوري يقدم صورة فخمة عن أكلة قد لا يعرف الكثيرون أنها طعام الفقراء والمعدمين من الأساس، لكنها تحولت إلى تراث ثقافي وحضاري، وهي طبخة شامية مشهورة في بلاد الشام والمنطقة العربية المجاورة، ففي سورية و”الأردن” يسمّونها “المجدرة” وفي لبنان يسمونها “المدردرة”.

وهذه الأكلة ذات أصل واحد، لكن لها في كل بلدٍ اسـم مختلف وطريقة طهو مختلفة، الكل يصنعها طبعاً على طريقته الخاصة. وفي “إدلب” تختلف بين منطقة وأخرى فيما يضاف إليها من زيوت طبيعية، وتتراوح بين السمن العادي والسمن العربي إلى زيت الزيتون وقدر من المنكهات، وتٌطبخ إمّا مع الأرز أو البرغل مع وجود العدس الأسمر لأنه أساس صناعة “المجدرة”.

الكشري.. مِلك الفقراء

 

 

من النادر أن تجد مصريا لم يتناول الكشري ولو مرة في حياته. هذه الأكلة البسيطة التي ارتبطت بوجدان المجتمع المصري وهويته مكوناتها بسيطة لا تغيب عن كل منزل، جُمعت مع بعضها في طبق حقق انتشاراً كبيراً في فترة كانت ترزح فيها البلاد تحت وطأة حصار اقتصادي، وذلك أواخر القرن التاسع عشر عندما غرقت مصر في ديونٍ خلقت أزمة غذائية عززها ارتفاع أسعار السلع والعجز عن تلبية احتياجات المواطنين.

ودخل طبق الكشري مصر، حسب مؤرخ الطبخ الأمريكي جون ثورن، مع الجنود الهنود الذين أتوا مع الاحتلال الإنقليزي خلال الحرب العالمية الثانية وتحول اسمها من خِيشري khichri”  إلى “كُشري kushari” وكان وقتها مكونا من الأرز والعدس، وأضف إليه المصريون وطوروه، وصولاً إلى شكله الحالي.

 

اللبلابي يوحد تونس والجزائر والعراق

 

 

قد يبدو مألوفا أن تجتمع تونس والجزائر على نفس الطبق، بحكم الجوار والتماهي الحضاري، لكن اللبلابي، الأكلة البسيطة في مكوناتها، التي تحتوي على الحمص المطهو في الماء المغلي والبهارات الحارة، أضافت العراق أيضا إلى لائحة البلدان التي جمعتها هذه الأكلة اللاذعة، ذات الفوائد الكثيرة.

وللّبلابي تمظهر اجتماعي طبقي، ففي حين يعتبر أكلة زهيدة الثمن، (حوالي دولار واحد للطبق) إلا أنه يمكن أن يحتوي إضافات كثيرة، كالتونة وزيت الزيتون والبيض، وقد لا يستطيع العديد من الناس دفع ثمنها، لتصبح من حق الميسورين ماديا فقط، ولينقسم اللبلابي إلى “لبلابي فقراء” زهيد الثمن، و”لبلابي فاخر” يقدم بجميع إضافاته.

الباييلا.. بقايا طعام الملوك أشهر طبق إسباني

 

هو الطبق الأشهر في إسبانيا، يقدم في أرقى المطاعم حول العالم، وغالبا تكون تكلفته مرتفعة، لاحتوائه على خليط من ثمار البحر كالقرديس وبلح البحر والدجاج والأرانب وتشكيلة من الخضروات مضافة إلى الأرز الذهبي، كل هذا  بنكهة لاذعة من التوابل المتوسطية كالفلفل الأحمر والثوم.

ولا يدرك الكثيرون وهم يستمتعون بطبق الباييا الإسباني، أنهم في الحقيقة يأكلون ابتكارا جاء به العبيد خلال فترة الحكم الإسلامي في الأندلس، حيث كانوا يقومون بإضافة الأرز إلى بقايا موائد الملوك والأمراء، ومن هنا اشتقت كلمة “باييا” المستقاة من الكلمة العربية “البقية”.

وتجاوز طبق الباييا الآن كونه طعاماً محليا، ليصبحَ أحد وجوه الثقافة الإسبانية، وعزّز ذلك السياحة التي جعلت إسبانيا وجهة الكثيرين.

فطيرة وولتن.. سلاح بريطانيا الرابح

 

 

لم يكن خريف سنة 1941 من الأوقات الجيدة التي مرّت على بريطانيا، فقد تم حصارها من قبل القوات النازية، التي كان هدفها تجويع الأنقليز، حتى الموت، حيث تقلّصت الإمدادات الغذائية للبلاد إلى النصف.

وكان النازيون يغرقون كل شهر نصف مليون طن من المواد المشحونة في أعماق الأطلنطي، حيثُ تجهز عليها هناك المقاتلات الألمانية التي تصطاد القوافل الآتية من أميركا الشمالية، وكانت الإمدادات الأساسية مثل القمح واللحم تمثِّل معظم ما تحمله تلك الشحنات.

ولذلك قام وزير الغذاء البريطاني في عهد تشرشل آنذاك، لورد وولتن، بابتكار نوع من الفطائر، المشابهة لفطيرة اللحم الأنقليزية، باستثناء أنها لم تحتو على اللحم، بل خليط مهروس من اللفت والجزر ودقيق الشوفان والتوابل.

وفي تلك الفترة الحرجة من الحرب، حيث كانت حصص الغذاء الموزعة على المواطنين تسد الرمق بالكاد، لم يلحظ أحد الفارق، وأقبل الجميع على “فطيرة وولتن” التي اعتبرت المنقذ الرسمي لبريطانيا من الجوع في الحرب العالمية الثانية.

 

وللفقراء حلوياتهم

 

 

طبق حلوى، اشتهر بالعالم العربي أيضا بسبب مكوناته القليلة والزهيدة بنفس الوقت، فيتكون طبق أم علي من “الحليب والسكر والرقاق”.

ويرجع أصل هذا الطبق للمثل القائل “إن كيدهن عظيم”. وذلك تبعا للقصة التاريخية عن الضرّتين “شجرة الدر وأم علي” المتزوجتين من عز الدين أيبك وبينهما الكثير من الخلافات، فتقرر أم علي الانتقام من ضرتها، فترسل الجواري لحمّام شجرة الدر الخاص وتأمرهن بضربها بالقباقيب، وبالفعل توفيت شجرة الدر متأثرة بجراحها نتيجة الضرب المبرح.

ومن كثرة فرحة أم علي بوفاة ضرتها، أمرت بخلط الحليب مع السكر والرقاق، وتوزيعه على كل الناس بالأسواق والشوارع مجانا، فلما وجده الناس طيّب الطعم بدؤوا يسألون عن اسم الحلوى، فقالوا “اسمها أم علي”.

ومع التغييرات السريعة التي طغت على نمط الحياة اليومي، ومع انتشار ثقافة الاستهلاك الوافدة ومفاهيم التسويق السريع لطعام يواكب العصر، تراجعت ذاكرة الثقافة الشعبية عن أطعمة يلخص تاريخ ظهورها رحلة كفاح شعوب من أجل البقاء على قيد الحياة. كما يظلّ الاحتياج والأزمات بابا مفتوحا على “إبداع” أطعمة جديدة.

الوسوم

فاتن عمري

عضو تحرير فريق مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.