مدونات

هل الحبّ للنساء والجنس للرجال ؟

إنّنا أمام تصورّات مأزومة تجاه الرجل والمرأة في خطابيهما المنفصل

 

العناق أجمل من أيّ شيء ..
العناق روح تحنّ إلى نصفها والعناق لغة سابقة للفظ ..
إني أعانقك : إني أحبّك ..
القبلة ثاني أجمل الأشياء وتأتي بعد العناق ..
القبلة روح تلقم الحياة لنصفها ..
إنّي أقبلك : إني أحيا برضابك ..
الحضن ثالث أجمل الأشياء ويأتي بعد القبلة ..
وهي سكن الروح في روحها
إني أحضنك : إني أسكنك

المرأة كائن عاطفي، آسفة هذه ليست تهمة لندفعها عن المرأة، بالعكس إنّها ميزة إيجابية.. ما قيمة الحياة دون عاطفة، حتما ستكون جوفاء ومفرغة من كل المضامين. إذن لا تخجلي وقولي نعم أنا كائن عاطفي أحيا بالحبّ.
إنّ التنكر لعاطفية المرأة من أجل الدفاع عن حقوقها وتحقيق المساواة بينها وبين الرجل هو في الحقيقة ظلم كبير لشخصية المرأة، كما ظلم الرجل سابقا، ربّما ستنزعج إحدى النسويات من هذا القول كيف يمكن للرجل أن يكون ضحية في مجتمع يدين بأخلاق الذكورة.

لقد عانى الرجل كثيرا من الظلم الاجتماعي والثقافي وذلك بحصره في صورة العقلاني والشجاع والقوي. تمّ ترسيخ هذه الصورة في الوعي الجمعي، مما جعل الرجل يخجل كثيرا من عاطفته ومتنكرا لها، يتحاشى الحديث عنها أو اكتشافها، فلا وقت له للمشاعر والعواطف أو للتعبيرعنها. إنّه في حقيقة الأمر سجين الذكورة مثله مثل الأنثى.

في عرف الثقافة الذكورية تعتبر عاطفة الرجل بمثابة العار فهي تزيحه من دائرة الفحولة وإن صرّح بها فإنّه يخلع نهائيا من مركزه الاستعلائي لينضم إلى الجماعات الموصومة. فاجتناب العاطفة هي خطوة أولى في ترسيخ صورة الذكورة المتفوقة، لذلك كثيرا ما ألجمت الأمهات مشاعر أطفالهن في البكاء أو التعبير عن مشاعرهم بقولهن : أنت رجل والرجل لا يفعل هذا.

في إطار تعزيز هذه الصورة ” العاطفة للمرأة والعقل للرجل”، تمّ إعادة توزيع الأدوار بين الرجل والمرأة في المخيال الجمعي، فالرجل يحبّ المرأة من أجل ممارسة الجنس والمرأة تحبّ الرجل، ومن ثمة يأتي الجنس في مرتبة ثانية..

 لذلك تجد هذه الحكمة التي تقول : بينما يشعر الرجل بالإحباط من المرأة لعدم رغبتها بالجنس، تشعر المرأة بالإحباط من الرجل لأنّه يريد دائما الجنس ، رواجا كبيرا في صفوف الرجال والنساء على حدّ السواء.

 

إنّنا أمام تصورّات مأزومة تجاه الرجل والمرأة في خطابيهما المنفصل،

 

عندما تتطرق النساء إلى الحديث عن الرجل فإنهن يستحضرن صورة مفرطة في الحسيّة، الرجل الذي يعاني من شراهة شديدة للجنس، ذلك الكائن الشبقي والذي تسبق غريزته دائما قلبه، لماذا عانى الرجل طويلا من هذه التهمة؟ وتاريخنا يزخر بحكايات العشق وقصائد الشعراء المتيمين والتي نفت بشدّة هذه التهم عن الرجل.

إنّ الرجل عاشق وحنون مثلنا، يحس بما نحسه ويحبّ مثلنا لا، فهو يسعد بمعانقة حبيبته، يولد من جديد بعد قبلة ويحس بجدوى وجوده في حضن زوجته.  إن أحبّ الرجل حقا فهو قد تحرر من خوفه، ولكنّنا نتغافل عن أنّه يعاني مثل المرأة من سلطة الصورة المسقطة عليه، فإن خرج عنها إلى نقيضها فإنّه يعتبر بمثابة التسليم في دور الفحولة.

وعندما يتحدث معشر الذكور عن النساء فإنهم يتحدثون بكثير من الدونية،  فهذه ” الأنثى المتصورة والمتخيلة، مخلوق برأسين: “ملاك وأفعى” على حدّ عبارة المفكر عزيز العظمة.  فهي تخضع إلى رؤيتين متناقضتين، المرأة الشيطان مصدر كلّ الشرور،  الشبقية والشهوانية، وأيضا المرأة الملاك الطيبة التي تخضع إلى أخلاق الجماعة وتصون شرف القبيلة. إذن حضور المرأة في الخطاب الذكوري خطاب مزدوج بين الشهوة والشرف.

إنّنا أمام تصورّات مأزومة تجاه الرجل والمرأة في خطابيهما المنفصل، رغم أنّ أجسادهما كثيرا ما التحمت في لحظات الحبّ، فالحبّ والجنس من طباع الذكورة والأنوثة، والتنكر لطبع منهما هو تنزيه لهما عن الأخلاق البشرية. فمعنى أن تحبّ شخصا هو أنه يسكنك كما يسكن الزوج إلى زوجته والعكس صحيح، والجنس هو حضور الجسد في الجسد الآخر، وإعادة صياغة المشترك بينهما: بناء المجتمع وتعمير الأرض.

تحرير الرجل من صورة البطل الخارق، هذه الصورة التي أرهقته طويلا وكبلت مشاعره، هو تحرير للمرأة أيضا، فتحرير الرجل من الإرث الثقافي السلطوي هو الوجه الآخر من تحرير المرأة، هكذا لا يمكننا تقسيم الجنس والحب بين الجنسين بل سيصيران عملة واحدة لا يحتكرها طرف دون آخر.

*ملاحظة :
التصدير بقلم الكاتبة

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.