مدونات

الأرض الفلسطينية ودلالاتها الواقعية عند غسان كنفاني

تحمل الأرض عدة صور في أعمال كنفاني ومؤلفاته

 

 

الذي يحدث للقارئ لحظة أن يبدأ بقراءة إحدى روايات الأديب الفلسطيني غسان كنفاني هو أن يقوم برسم تلك الحدود الكلّية لفلسطين التاريخية في رأسه، الممتدة من النهر إلى البحر، دون انتقاص إي حفنة تراب، ما كان منها تحت السيطرة الفلسطينية أو ما لم يكن.

 

ولهذا الفعل مسبباته، فاللغة المكتوبة بها الروايات والمجموعات القصصية مشحونة بالمشاعر المدججة بالفقد والاغتراب والعوز والحاجة والانتظار والتخوف والتأمل، وبالسريالية الواقعية إلى حد الكآبة، وما يتضح شيئا فشيئا ذلك الانطباع السوداوي عن البلاد التي ضاعت بين الاحتلالات المتتالية، والتي أصبحت الأرض في واقع المُتأمل مثل رقعة شطرنج، بينها وبين القاطنيين عليها مساحات للتنقل والتكيف والحياة، محددة ومحصورة وممنوع الاقتراب منها في أحيان أخرى.

 

هذا الجسد/الوطن الفلسطيني الذي يحمله اللاجئ في الغربة، يعيد بصورة ما تشكيله في ذاكرته، بمشاهد حية واكبها إبان النكبة 1948، أو نقلت إليه كما تنتقل الجينات، ويستمع إليها اليوم كمادة للتراث الفلسطيني المشترك. يمكن من خلالها قراءة هوية مشتتة، أو تحسين صورتها وتمتين قوتها لتواجه التطور الزمني والتاريخي العام.

 

 

 

المجموعة القصصية “أرض البرتقال الحزين” المنشورة في عام 1963، يستهل فيها غسان كنفاني الحديث بتصدير “إلى من استشهد في أرض البرتقال الحزين .. وإلى من لم يستشهد بعد”.

 

ولهذه العبارة سميائيتها الوطنية على الصعيد الفلسطيني، فالأرض هنا ترمز إلى الحياة التي توقفت في عبارة “استشهد” أو التي في عبارة “لم يستشهد بعد”، والفلسطيني هو ذلك الجسد الذي يربط بينهما.

 

في قصة ” أبعد من الحدود” يمكن للفلسطيني أن يقفز من مكان مرتفع جدا دون أن يؤذي نفسه أو تؤذيه الأرض التي تحتضنه، وهنا علاقة واضحة بين أم وطفلها، بين فلسطين والشاب الذي وثب من نافذة شاهقة الارتفاع، هذه العلاقة التي يظهر فيها التعب من أجل الاستمرار، والسهر لحظة التعب، والمواظبة على التقرب من الأم/الأرض لحظة أن تشيخ وتهرم وتصبح على مقربة من الموت.

 

 

 

 

في قصة “ثلاث أوراق من فلسطين” تحدث الكاتب عن ورقات سقطت في ثلاث مدن فلسطينية، الورقة الأولى هي مدينة “الرملة”، والثانية ” الطيرة” ، والورقة الثالثة مدينة “غزة”، ولكل مدينة في المجموعة القصصية سقوطها، وتأثيره المرتد على صورة الأرض الفلسطينية في نفوس ساكنيها، دون اعتبار لمراحل عمرهم أو جنسهم، همهم المشترك يوحد الحالة المعاشة، فتصبح عامة وغير متوقفة عند حد اللحظة ذاتها.

 

هذه الوريقات تفتح الباب واسعا على تساؤلات المرحلة الحالية الفلسطينية، وتحديدا على الخريف الذي تمر به البلاد الآن، فطمس المعالم الفلسطينية في مناطق الداخل وأسرلتها، بعيدا عن طابعها القديم، هو سقوط جديد في صلب القضية المستمرة منذ 1948، وتهاوي للذاكرة الجمعوية المهددة باللاحلول على المستوى السياسي، والصعوبات الاقتصادية المتراكمة، المرافق لهذه الحالة تعدد الهويات التي يحملها الفلسطيني المشتت في أصقاع البسيطة.

 

 

لم يجمع الكاتب الشتات في امرأة عبثا، بل اتضحت له الرؤية حينما شعر أن الشعب لا يتوحد لو كانت المرأة الفلسطينية غائبة، المرأة التي هي حليفة النضال في خيمة المعيشة، وخيمة المقاومة

 

 

البرتقال الذي تحدث عنه “كنفاني” في القصة التي حملت اسم المجموعة، هو حلم العودة الذي جف كما تتجعد مع طول السنوات قشوره، تلك الرائحة التي اعتقد الفلسطيني حينما غادر مجبرا أنه سيتشبث بها، وأنها حليفته على هذا الضعف والانكسار والوحدة، وأن لن تنال منها أي روائح دخيلة.

 

والمفارقة العجيبة هنا ما تركه الأثر العكسي في نفس الواقف على الحدود اللبنانية الفلسطينية ، الذي يشم البرتقال ولا يستطيع الاقتراب منه، البرتقال الذي لم يتنكر لغارسه يوما، كيف لا يبادر هو بالاقتراب؟

 

 

 

 

في رواية ” أم سعد” (1969)، مقدمة الرواية ” إلى أم سعد الشعب والمدرسة”. أشارت السطور الأولى إلى امرأة فلسطينية يعطيها الكاتب طابع الشمولية، متميزة بأنها الكل الفلسطيني المسمى منذ بداية القضية بـ “الشعب”.

 

وهنا لم يجمع الكاتب الشتات في امرأة عبثا، بل اتضحت له الرؤية حينما شعر أن الشعب لا يتوحد لو كانت المرأة الفلسطينية غائبة، المرأة التي هي حليفة النضال في خيمة المعيشة، وخيمة المقاومة، وما يجمع شملنا هي الأنثى، التي لا تنتهي بالنسبة لها الأرض في سقوطها وانتهاك ترابها، وإنما في البقاء على ذات النسق الأول دون نقص.

 

ولكن الأكثر جدلا من هذا كله أن المرأة ” أم سعد” هي التي تنجب الأبناء ليقاوموا، وهي على استعداد لتفعل ذلك كل يوم – لو كان باستطاعتها ــ لتواجه تطور السلاح الفتاك للكيان المحتل بأكوام اللحم الفلسطينية، بالأجساد التي لا تهلك، بالقلم الذي لم تمسكه تلك المرأة.

 

ولكنها كانت في فكرها وإيمانها بالوطن نبيّة حقّة، تواجه أصحاب الشعارات ــ المتعملين ــ العاجزين عن قراءة الواقع وتفكيكه.

 

الابن “سعد” هو الولد الفلسطيني الذي جاء بعد السقوط المدوي في منظومة المفاهيم المعروفة، حاله حال الكثير من الأبناء الذين وجدوا أن المخيم هو الملجأ والنُزل المؤقت.

 

الكذبة هذه امتدت طويلا، امتدت للدرجة التي أصبح فيها المخيم القبر الجماعي للقاطنين فيه، للأحياء الموتى، وأصبح قوة مقاومة فتاكة كتفريغ حقيقي للوضع النفسي والاجتماعي المعاش.

 

الذي يتسرب إلى ذهن القارئ في السطور الأخيرة أن أم سعد ليست امرأة فحسب، ليست جسدا بشريا فقط، ليست كيانا متنقلا، تظهر في النهاية على أنها كامل الأرض الفلسطينية وأنها كل أنثى ستنجب من رحم الأرض، وأنها حفنة تراب من كل بقعة احتلت، جسدها لم يخلق من مكان واحد، هي من روح كل فلسطيني مشتت في وطنه داخليا أو خارجيا، وهي لا تموت، تظل تحاول النهوض من قلب الخراب، أشبه بأسطورة كنعانية متجددة كالعنقاء في تجددها.

 

 

 

 

رواية “عائد إلى حيفا” (1970)/  ميزة الأعمال التي يقدمها الكاتب هي أنها مكتوبة بأبعاد فلسفية تقارب الواقع وتبتعد عنه، يصعب في نهاية المطاف أن تهضم العمل دون أن تضع النقاط على الحروف في كل صفحة وفقرة وجملة.

 

لا يجوز مثلا العودة إلى الماضي بحنين دائم، الحنين هو الضعف والبكاء على الأطلال، لأن الماضي في ذهن الكاتب الشخصي قد تغير للأسوأ الآن، والمكان ذاته لم يعد يستوعب تلك المتغيرات القديمة، لأن لباسه الجديد يتنافى مع ما كان سابقا.

 

هذه الرواية أحدثت ضجة كبيرة في مفهوم الهوية الفلسطينية المشتركة، وكيف أنها تورّث كما يورث الحسب والنسب، وأنها تنمو كما ينمو الجسد، وتعامل معاملته أينما حل، إذا ما هرم تهرم، وإذا ما تعب تتعب، وإذا ما ذبل تذبل، وإذا ما قُزم تقزم.

 

ركزت الرواية على قصة الابن الذي بقي في حيفا عام 1948، الابن الفلسطيني الذي لم يستطع والداه التحصل عليه وسط الهجمات والتصفيات الجماعية في لحظات الاحتلال الأولى لحيفا، مع التنويه هنا إلى أن الابن ليس بالضرورة هو المولود وإنما الأرض الفلسطينية التي احتلت.

 

وحينما عادت الأم “صفية” وزوجها “سعيد”، وجدا أن الابن لم يعد ذلك الطفل الصغير الذي كان على هيئته الأولى، وأنه أصبح متنكرا لأصله، يلبس لباس الجيش ويخدم في العسكرية، ويسمى “ديفيد”، وهذا ما يحدث الآن في المدن الفلسطينية المحتلة، تهويد وتغير لملامح الهوية الفلسطينية.

 

الأرض حملت عدة صور في أعمال كنفاني ومؤلفاته الأدبية، تظهر الأرض في صورة المرأة كما كانت شخصية ” أم سعد”، والتي تستمر في القوة كي لا تخسر أكثر مما خسرته.

 

والأرض هي الابن الذي يقاوم ليعيد أرضه، وهي البندقية التي كانت رمزا للمقاومة الفدائية التي بها تعود الأرض.

 

والأرض تظهر في علاقة الفلسطيني بملابسه، وبكلماته الدارجة، وهي في ذات السياق تعني الشرف المنوط بالأنثى، خسارته تعنى الذل.

الوسوم

ثورة حوامدة

كاتبة وأديبة فلسطينية، نشرت عديد المقالات الأدبية، إلى جانب روايتين: "لا قمر بعيد" (القاهرة، 2015) و"جنة لم تسقط تفاحتها " (الأردن، 2017)

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.