الرئيسيثقافةغير مصنف

الصبية والسيجارة

حين تعري السخرية زيف الواقع

 

صدر عن دار مسكيلياني، ترجمة عربيّة لرواية “الصبيّة والسيجارة” للكاتب الفرنسي بونوا ديتيرتر. وقد ترجمها الأستاذ زهير بوحولي وراجعها الشاعر رمزي بن رحومة.

رواية “الصبيّة والسيجارة” علامة من علامات أدب الديستوبيا، أدب المدينة الفاسدة، في القرن الحادي والعشرين، ولكنّها دستوبيا ساخرة تعرّي بخفّة تهافت عالم من المثل والأحلام والقيم حتّى تغدو صنوًا للثقل ويصبح الكائن لا يحتمل.

رواية نشرت عام 2005، ومع ذلك فقد بلغت حدّ التنبّؤ العام والتفصيلي أحيانا بما سيحدث في سوريا مثلا في السنوات الأولى من العشريّة الثانية، إذْ يصوّر الكاتب مشاهد لهو الإرهابيّين السينمائي بضحاياهم مسجّلاً سبقا سرديًّا وحدسيًّا لما سيشاهده العالم بأسره على شاشات التلفاز.

تنقذ سيجارة حياة محكوم عليه بالإعدام فيخرج من غياهب السجن إلى ساحات المجد والشهرة بدعم من لوبيات صناعة التبغ، وتقلب سيجارة حياة موظِّف رأسا على عقب فيتهاوى إلى الدرك الأسفل.”

تنطلق الرواية حكاية “ديزيري جونسون”، هذا السجين المحكوم عليه بالاعدام في فرنسا تتشكل عقدة هذه الحكاية عند تعبير المتهم عن رغبته الأخيرة في تدخين سيجارة قبل أن يُقاد إلى كرسي الاعدام. وإن بدت رغبته هذه بسيطة وسهلة التحقيق وفقاً للفصل 47 من قانون العقوبات الذي يسمح بتحقيقها، إلا أنه وفقاً للفقرة 176 من النظام الداخلي للسجن يُمنع منعاً باتاً التدخين داخل السجن.

 

 

وهذا ما كشف ثغرة في القانون أجّلت إعدام المُتهم، ثم أنقذت حياته بعد عفو من الرئيس الذي تابع على شاشة التلفزيون عملية اقتياده لكرسي الاعدام وجمعه للوُرود وتشكيله بها جملة “تحيا الحياة”، قبل أن يدخن ما يفترض بأنه سيجارته الاخيرة. وهكذا، لن ينجو جونسون من الاعدام فحسب، بل سيتحول بفضل الجماهير والاعلام، إلى صاحب تأثير في الرأي العام.

في رواية “الصبيّة والسيجارة” يضعنا بونوا ديتيرتر في عالم تحكمه قوانين صارمة وتسكنه أغلبيّة مهووسة بالانضباط، عالم ضيّق حين تدخله تشعر بأنّك تعبر نفقًا مظلمًا لا ينتهي؛ فالأمكنة الّتي تدور فيها الأحداث خانقة، من السجن الّذي تندلع فيه شرارة القصِّ الأولى إلى أكاديميّة الشهداء (حيث يحتجز إرهابيّون رهائنَ ويعدمون من يفشل منهم في مسابقات محدّدة) مسرح المشهد الختاميِّ من الرواية.

وحتّى المدينة ببناياتها الشاهقة وحدائقها ومنازلها ومقرّات سيادتها، كانت أضيقَ من زنزانة، فهي سِجنان في الآن نفسه: سجنُ قوانين كُلِّية لا تُراعي خصوصيّة الفرد وسجن الأكاذيب الّتي تبرّر هذه القوانين كأكذوبة التحضّر وأكذوبة حماية البيئة وأكذوبة حماية الأطفال والأكذوبة الكبرى المتمثّلة في حماية حقِّ الحياة.

فمن جهة تدافع المدينة الفاسدة عن حقِّ الحياة بمنعها لظاهرة التدخين، لكنّها تُدرج عقوبة الإعدام في قائمة عقوباتها للمذنبين. إنّها مدينة هواؤها نقيٌّ في الظاهر، لحرص قادتها على تجنّب مصادر التلوّث، لكنّ المفارقة هي أنّ الكاتب يُشعرك بأنّها تخنق سكّانها، بل ستشعر بأنّك تتنفّس ملء رئتيْك كلّما أشعل البطل سيجارة!!

فالسجين ديزيري جونسون لُفّقت له تهمة قتلِ شرطيٍّ وحُكم عليه بالإعدام في فرنسا الديمقراطيّة الّتي تكافح من أجل المساواة ونبذ العنصريّة، لمجرّد أنّه رجل أسمر وفقير من سكّان العشوائيّات، رغم عدم اعترافه بجريمة القتل وغياب دليلٍ واضح على تورّطه فيها.

أمّا الرجل الثاني، رغم أنّه كان كُفؤًا في عمله ومثقّفًا ويبحث عن حلول حقيقيّة لمنع التلوّث الّذي تُحدثه السيّارات في المدينة، فقد قُوبِلت جهوده وأفكاره بالجحود والنكران من قِبل المسؤولين في العمل، وفي أوّل فرصة تمّ معاقبته وتدمير حياته.. كلّ هذا لأنّه كان يفكّر فحسب؛ لكنّ المدينة لا تريد من يفكّر بل منْ يؤمن إيمانًا قاطعًا بأفكار النظام العامّ وقوانينه، النظام بما هو لوبيّات المال في تحالف مع صنّاع القرار في الدولة..

ومن هذه التناقضات الصارخة والسخريّة اللاذعة، يفتح بونوا ديتيرتر نافذة بين جدران العالم الخانق، نافذة للمتعة الصرفة!!

وبما أنّ نظام المدينة الصارم يضبط القيم الأخلاقيّة والقوانين الوضعيّة والعلاقات الاجتماعيّة في الظاهر، فقد احتاج بونوا ديتيرتر لتخريبه وتعرية مواضع التناقض والعبثيّة فيه إلى أن ينحت مساريْن مختلفين لشخصيّتيْن متفرّدتيْن في عالم مليء بنسخ بشريّة متطابقة، إنّهما شخصيّتيْ ديزيري جونسون السجين المحكوم بالموت وشخصيّة الراوي المحكوم بالحياة الّتي لا يحبّها، وفرضها عليه نظام المدينة الفاسدة.

إنّ هاتين الشخصيّتين مشروختيْن من الداخل، وقدْ عمل بونوا ديتيرتر على توسيع هذه الشروخ الصغيرة تدريجيًّا لتصبح شروخًا عظيمة في جسد النظام العالمي المعاصر، بقوانينه وآليّاته الّتي يعتمدها للمراقبة والمعاقبة، وبإعلامه الفاسد الّذي يكرّس هذه الأكاذيب.

إنّ هذه الرواية تعرّي الزيف الّذي يحكم من خلاله العالم الغربيّ المتحضّر حشود البشر المُخدّرين بأوهام الأقانيم الكبرى للإنسانيّة. ولتبيان ذلك، وضع بونوا ديتيرتر الإنسان في اختبارات عديدة كي يبيّن هشاشة قناعاته أمام التناقضات القصوى، خاصّة عندما دخلت الحشود في لعبة التصويت للمشاركين في أكاديميّة الشهداء (فرض الإرهابيّون على مشاهدي برنامجهم أنْ يصوّتوا للضحايا المتسابقين كي ينقذوا أرواحهم، والضحيّة الّتي تجمع أصواتًا أقلّ يتمّ إعدامها).

فالمتفرّجون سرعان ما انخرطوا في لعبة القتل ووجدوا لها ما يبرّرها ويدعّمها، وكلّ منهم كان يرغب في أنْ لا يموت أحد المتسابقين الّذي يشجّعه، لكنّ هذا ما يعكس رغبته في موت متسابق آخر.

حتّى الأطفال أنفسهم، أصابتهم عدوى الشرّ؛ فالمآسي الّتي تعرّض لها بطل الرواية، تسبّبت فيها كذبة ألّفتها طفلة صغيرة؛ فالأطفال علميًّا يكذبون لأسبابٍ كثيرة، لكنّ أخطرها هو الكذب الانتقامي، وهو تنفيس ذاتي لشحنات سلبيّة عانى منها الطفل من الطرف الآخر، كأن ينهره أو لا يهتمّ به.. (بعد صدور هذه الرواية، عالج المخرج الدانماركيّ توماس فيتنبرغ هذه الظاهرة في الفيلم المذهل “The hunt”، الصادر في 2014)

بهذا الأسلوب الكافكاوي الساخر، عبث بونوا ديتيرتر بالقوانين الوضعيّة الّتي أصبحت أكثر تشدّدًا وصرامة ووثوقيّة من قوانين رجال الدين في العصور القروسطيّة، وعبث بالإنسان الّذي كلّما ازداد تحضّرًا كلّما كبر الوحش في داخله، لينفلت من عقاله في أوّل صدام حقيقيٍّ مع تناقضات الواقع.

إنّها رواية عظيمة تستحقُّ أنْ تقرأ أكثر من مرّة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق