الرئيسي

ساروجيني نايدو: المرأة الّتي لُقِّبت بعندليب الهند

سلسلة أدب التحرر العالمي

This post has already been read 17 times!

 

لكن علينا أنْ ننهض بعد قليلٍ يا قلبي،

علينا أنْ نعود إلى التجوال ثانية

في غمار الحرب الّتي يخوضها العالم

والصراع الّذي تخوضه الحشود،

فلْتنهضْ يا قلبي، ولنجمعْ ما بقِيَ من الأحلام

ولسوف نقهر شجن الحياة بشجن الأغاني.

 

وُلِدَت صاحبة هذه الأبيات، الشاعرة ساروجيني نايدو في حيدر أباد في 13 فيفري من عام 1879. كان والدها عالمًا وفيلسوفًا ومعلّمًا، فيما كانت أمّها شاعرة شهيرة في إقليم البنغال. زاولت تعليمها منذ نعومة أظفارها، واستطاعت أن تتحصّل على شهادة الباكالوريا وهي لم تتجاوز الثانية عشر من عمرها بعدُ.

وحين بلغت ساروجيني الخامسة عشر من عمرها، تعرّفت إلى الدكتور نايدو، وأحبّته. لكنّ نايدو لم يكنْ من طائفة البراهمة الّتي تنتمي إليها ساروجيني، فرفضت عائلتا العشيقيْن تزويجهما رفضًا قاطعًا. وأُرسِلت ساروجيني قسرًا إلى إنجلترا للدراسة ولقطع الطريق أمام حبيبها. لكنّها لم تمكثْ هناك سوى 5 سنوات، ففي عام 1898، عادت إلى مدينة حيدر أباد، وتزوّجت من الدكتور نايدو رغمًا عن الجميع.

لم يكنْ زواجها المحطّةَ الأخيرة في طريق تحرّرها وتمرّدها الطويل، فقد كانت حياتها مليئة بالنضال من أجل تحرير الهند من سطوة الاستعمار البريطاني أوّلًا، وتحرير المرأة الهنديّة من سطوة القيد الذكوري ومن سطوة الجهل ثانيًا.

وقدْ التقت نايدو في عام 1916، بالمهاتما غاندي، وهو ما مثّل نقطة انطلاقها كي تسافر في أرجاء الهند وتحرّض على الثورة على الاستعمار البريطاني. كما ترأّست في عام 1925، قمّة الكونغرس في مدينة كانبور. وفي عام 1930، سافرت إلى الولايات المتّحدة لإبلاغ رسالة المهاتما غاندي حول حركة اللاعنف. وحين اعتقل المهاتما في عام 1930، استلمت نايدو زمام الأمور قي حركته.

 

 

شاركت في عام 1931 في مؤتمر قمة المائدة المستديرة، جنبًا إلى جنب مع غاندي. وفي عام 1942، تمّ إلقاء القبض عليها خلال الاحتجاج الّذي كان شعاره “اتركوا الهند.” ومكثت في السجن 21 شهرًا. وفي عام 1947، إثر استقلال الهند أصبحت نايدو حاكمة لولاية أوتار براديش، فكانت أوّل امرأة هنديّة تستلم هذا المنصب. وفي هذه الفترة كتبت قصائد كثيرة عن القضيّة الهنديّة، لعلّ أجملها قصيدة “إلى الهند” الّتي تقول فيها:

 

أيّتها الشابّة عبر جميع سنواتك الموغلة في القدم!

انهضي أيّتها الأمّ، انهضي واستعيدي قوّتك

اخرجي من ظلمتِكِ، وانجبي أمجادًا جديدة من رحمك السرمدي

فالشعوب الّتي تنتحب في الظلمة المكبّلة بالقيود

تتوق إليك كيْ تأخذي بيدها إلى فجرِ صباحاتٍ عظيمة..

 

مثّل اطّلاع ساروجيني المعمّق على روّاد الحركة الشعريّة في أوروبا وخاصّة في إنقلترا، رافدًا مهمّا لطاقاتها الأدبيّة التجديديّة في مجال الشعر، هذا إلى جانب الروافد الثقافيّة العظمى التي تربّت عليها في بلاد الهند، منها حكايا مجتمعات مختلفة الأديان واللهجات وترانيمها وخرافاتها وعاداتها وتقاليدها. كما لا يخفى استفادة ساروجيني من مجايلتها لأعظم شعراء الهند رابندارات طاغور، الّذي كان يحضر في صالونها الأدبيّ إلى جانب مجموعة مهمّة من الفنّانين والسياسيّن والمثقّفين مثل جواهر لال نهرو ومحمّد علي جناح وغيرهم..

 

 

نشرت مجموعتها الشعريّة الأولى “العتبة الذهبيّة” في عام 1905. ثمّ تتالت المجموعات الشعريّة، ومنها “طائر الزمان: أغاني الحياة والموت والربيع” في عام 1912، و”الجناح المكسور” في عام 1917. وبعد وفاتها صدرت لها برعاية من ابنتها مجموعة شعريّة بعنوان “ريشة الفجر” في عام 1961، وأخرى بعنوان “النسّاجون الهنود” في عام 1971.

 

 

إنّ قصائد ساروجيني نايدو هي قصائد مائيّة، تتميّز ببساطتها وعمقها، بصورها الشعريّة الرائعة وغنائيّتها الّتي تضاهي غنائيّة التراتيل الدينيّة، هذا إضافة إلى أنّ شعرها يمكن توصيفه بشعر الحكمة بامتياز. كما أنّ قصائدها تحتفي أيّما احتفال بتراث الشعوب الهنديّة؛ فهي قصائد تنضح بتفاصيل حياة الهنود اليوميّة وبأفراحهم وأحزانهم وبآمالهم وصلواتهم، بغضِّ النظر عن اختلاف طبقاتهم الاجتماعيّة ومهنهم واختلاف عقائدهم ومذاهبهم الدينيّة واختلاف عاداتهم. فياله من خليط هائل جمعته الشاعرة ساروجيني في قصائد مكثّفة لا تتجاوز كلّ منها بضعة أسطر، خليط من هواجس وأحلام التجّار وصيّادي الأسماك والحمّالين والشعراء والنسّاجين والمتسوّلين والغجريّات والراقصات والأميرات والملوك. وعلى سبيل المثال تقول في قصيدة عنوانها “النسّاجون الهنود”:

 

أيّها النسّاجون، يا من تنسجون عند انبلاج النهار،

لِمَ تنسجون ثوبًا بهذه الروعة،

أزرقَ كجناح طائر القاوند البرّي؟:

إنّنا ننسج جلابيبَ طفلٍ حديث الولادة.

أيّها النساجون، يا من تنسجون عند هبوط الليل،

لِمَ تنسجون ثوبًا بهذا البريق،

مثل ريش الطاووس، أرجوانيًّا وأخضر؟:

إنّنا ننسج أوشحةَ زواجٍ لملكة.

أيّها النسّاجون، يا من تنسجون في وقار وسكون

ما الّذي تنسجون في البرد تحت ضوء القمر،

أبيضَ مثل ريشةٍ وأبيضَ مثل سحابة؟:

إنّنا ننسج كفنًا لجنازةِ رجل ميت.

تحتفل قصائد ساروجيني بعناصر الطبيعة كما هو الحال في قصائد الهايكو في الشرق الأقصى، وهو ما يعكس الثراء الطبيعيلشبه القارّة الهنديّة وتماهي شعوبها مع دورة الحياة في الطبيعة إلى حدٍّ يجعلها حاضرة بقوّة في المخيال الجمعي وفي القصص الدينيّة والأساطير والفنّ.

كما يتبيّن من خلال قصائد عديدة لساروجيني نايدو تلك القوّة الروحيّة الّتي تزخر بها، إنّها قصائد تتوهّج بروح التصوّف، وتحكمها جدليّة الحياة والموت.

عاشت ساروجيني نايدو حياة حافلة بالتمرّد والحبّ والشعر والتأمّل، حياة جعلتها أيقونة في الهند إلى أنْ لقّبها الهنود: عندليب الهند، وتُوفّيتْ في 02 مارس من عام 1949، ولسان حالها يقول:

 

 

تريّثْ قليلًا أيّها الموت

فأنا لم أحصدْ بعدُ كلّ آمالي المزهرة

ولا جمعتُ أفراحي

ولا غنيّتُ كلّ أناشيدي

ولا ذرفتُ كلّ دموعي..

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.