الرئيسيدين وحياة

لقب العالم بين العرب والغرب

دين وحياة

 

قد يبدو من الواضح لمن يتتبع مسارات المعرفة عند العرب والأوروبين؛ أن لقب “العالِـم” يتراوح في خانة “المُشَكَّك” بين مراتبَ متباعدةً إلى الغايــة، فكلُّ متخصص في علمٍ ما ويمتلك المبادئ الأساسية ويمكِنُهُ الحديث بشيءٍ من الإسهاب عن فصلٍ من فصول ذلك العلم أو كتابةُ أوراق بحثية تتميَّز بجودة الطرح والمنهجية العلمية -وإن لم يأتِ بجديدٍ بل بمجرد تحليل منطقي أو نقد لنظرية ما- يجعله ذلك في نظر الأوروبيين “عالِمًا”، والغالب أن يكون حاملًا لشهادة الدكتوراه في ذلك التخصص.

أمَّا عند العرب فتلك المَلَكة لا تجعله عالِمًا حتى يكون قطع أشواطًا بعيدةً في ذلك الفنِّ، والكتابةُ ليستْ ضروريةً لحصوله على هذا اللقب، وإنما يجب توافُر شيئين: إجادة العلم بحيث يكون مُلِمًّا بغالب موضوعاته العامة وجزْئيَّاته -وهذا في حكم المُهمَل عند الغربيين خاصة في وقتنا هذا-، والأمر الآخَر إمكانية الإقناع وإيصال رأيه إلى أكبر شريحةٍ من المخاطَبين، بالإضافة إلى الجانب الأخلاقي وسيأتي الكلام عنه.

فكثيرٌ من العلماء الغربيِّين هم في الأدبيات العربية ليسوا سوى “طلبة علم” من درجات مختلفة، وقد يكون طالب العلم عند العرب “علَّامةً” في نظر الأوروبيين، وكل هذا يخضع لمعايير منها: الجانب السلوكي -التواضع-، الجانب الموضوعي وهو عدم التساهل في تزكية كلِّ مَن هبَّ ودبَّ، الجانب الأخلاقي والاجتماعي بحيث لا يمكن الفصل بين العلم والحالة الأخلاقية لحامل العلم.

أما عند الأوروبيين فقد يكون “العالِم” مجرِمًا ومنغمِسًا في كل الانتهاكات الخُلُقية دون أن يُفْقِدَهُ ذلك لقب العالِمية، والمرجع عند العرب هو موروث النقد الحديثي الذي أسسه أئمة الحديث، وللشيخ محمد عبد الرزاق حمزة -رحمه الله- كلامٌ قويٌّ في توضيح أثر هذه المدرسة على حركة المعرفة.

 

 يتبين لنا أن مفهوم العلم الذي يقدسه الإسلام ليس خاصا بالعلوم الشرعية التي تبحث في النصوص واّلأحكام الفقهية والعقدية ونحوها؛ بل يشمل كل علم تحققت فيه الخيرية للإنسان والمجتمع

 

النظرة العربية للعالِم ومكانته جاءت عبر عدة عوامل لعل أهمها هو الاهتمام الدِّيني الذي أعطى مكانة قدسية للعِلْم ومتعلِّقاته وجعل لمن يطلب العلم جزاءًا كبيرا في الدنيا والآخرة، ويتضح ذلك في عدة نصوص شرعية من بينها:

قوله تعالى: “قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون“.

قوله تعالى: “يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ“.

قوله تعالى: “إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ“.

وفي معرض الشهادة بالوحدانية يذكر القرآن الكريم شهادة العلماء مقرونةً بشهادة الخالق سبحانه وشهادة الملائكة في قوله تعالى: “شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم“.

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “مَا مِنْ رَجُلٍ يَسْلُكُ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهَا عِلْمًا إِلَّا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ حَسَبُه”.

وعَنْهُ أيضا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-: “مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ”.

وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: “إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَبْسُطُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَصْنَعُ”.

فهذه النصوص القرآنية والنبوية تثبت قيمة العلم في الإسلام والتي من خلالها تشكلت هالة القداسة والتعظيم التي يعطيها المجتمع للعلماء، ومن خلال تلك النصوص الشرعية وانطلاقا من قواعد اللغة وأصول الفقه في استنباط المعاني والأحكام يتبين لنا أن مفهوم العلم الذي يقدسه الإسلام ليس خاصا بالعلوم الشرعية التي تبحث في النصوص واّلأحكام الفقهية والعقدية ونحوها؛ بل يشمل كل علم تحققت فيه الخيرية للإنسان والمجتمع.

ويدل على هذا أن لفظة “العلم” جاءت في سياق العموم الذي جاء في صور لغوية متعددة من بينها حرف التعريف الذي يدل على الاستغراق، كما في قوله “طالب العلم“، وصيغة التنكير المسبوق بالشرطية كما في قوله: “من سلك طريقا يلتمس فيه علمًا“، وغيرها من الصيغ التي تدل على أن الإسلام يقدِّس جميع المعارف الدينية والدنيوية التي تخدم البشر.

ومن تلك المدوَّنة الإسلامية التي جاءت في بيان فضل العلم وأهله حاز مصطلح “العالِم” و”طالب العلم” كثيرًا من العناية والاهتمام من طرف العرب والمسلمين وقدَّموا عدة تعريفات توضح بما لا شك فيه أن العلم مرتبط بالأخلاق ارتباطا وثيقًا، حتى أن الخليفة عمر بن الخطاب استغرب من مصطلح “العالم الفاسق” الذي استعمله الفقيه هرِم بن حيَّان في رسالته التي تتضمن نصيحة إلى الحُكَّام والعامَّة والتي جاء فيها: “إياكم والعالمَ الفاسقَ” والقصة مذكورة في عدة كتب تاريخية من بينها (سنن الدارمي رقم الحديث: 303، وسير أعلام النبلاء للذهبي: 4/ 26).

وفي بيان وظيفة العالِم التي يجب أن يتحقق بها حتى يُطلَق عليه هذا اللقب؛ نجد كثيرا من النصوص في المدونات التاريخية والتعليمية العربية لتي تزخر ببيان شروط العالِمية ووظائف صاحبها، فمن ذلك نذكر كلمة الفقيه عبد الله بن المبارك حيث قال: “أول العلم النية، ثم الاستماع، ثم الفهم قم الحفظ ثم العمل ثم النشر” (جامع بيان العلم للحافظ ابن عبد البر القرطبي: 1/ 476).

وهذه الشروط نجدها أيضا في كلام عدة أئمة مثل محمد بن النضر الحارثي (جامع بيان العلم: 1/ 476)، الإمام سفيان الثوري: (1/ 477)، الفقيه فضيل بن عياض (1/ 478)، وغيرهم وتحمل بين طيَّاتها تجليات النظرة العربية لمفهوم العالِم، حيث نجد الحرص على النية في طلب العلم، والنية هي إرادة الخير دون أن يكون القصد منه الشهرة أو الوصول إلى منصب لا يليق بمكانة العالم.

كذلك نجد ثنائية “الفهم – الحفظ” التي تمثلان الركنين الأساسيَّين في العلمية التعليمية خلال كل الأطوار الدراسية، فالحفظ وحده ينتج لنا نسخا مكررة من الذهنيات التي لا تقدم أي جديد للساحة العلمية، والفهم وحده دون الحفظ يُعرِّض صاحبه إلى الشتات الذهني وتضييع رصيده المعرفي وخسارة الجهد المبذول.

واللافت في الانتباه هو أن العمل بالعلم شرط أساسي لحيازة لقب “العالِمية”، أما إذا كانت هناك فجوةٌ بين شخصية حامل العلم وأخلاقه وتعاملاته الأسرية والمجتمعية والأكاديمية من جهة وبين رصيده المعرفي والعلمي من جهة أخرى فهذا لا يُتيح له أن يتشرف بلقب العالِم وهو ما أشرنا إليه في البداية من ضرورة ارتباط الجانب الخُلُقي بالجانب المعرفي في تحديد مفهوم العالم عند العرب.

الوسوم

الطيب صياد

صاحب رواية "العثمانية" خريج لغة ودراسات قرآنية وباحث في العلوم الشرعية وعلوم اللغة العربية

اترك رد