ثقافة

عن الحب أعزك الله..

ثقافة

 

تتميز اللغة العربية بثراء عباراتها ومعانيها، وللحب في قاموسها درجات تبدأ بالإعجاب وتنتهي بالوله. وحب الشيء أو الشخص في المعجم الوسيط، ودّ إليه وهو رحمة في قول الله تعالى “وألقيت عليك محبة مني”، وحب كرامة، بسرور وعن طيب خاطر، وهو حب عذري أفلاطوني عفيف طاهر في سمو عن الرغبات الغرائزية.

 

ويقول طارق سويدان ان “العرب يتفنّنون في درجات الحب، وبدايتها العلاقة، لتعلق القلب بالمحبوب ثم الإرادة وهي ميل القلب إلى أن يكون معه، وصولا إلى المستوى الثالث وهي الصبابة بما تعنيه من انصباب القلب على المحبوب.

ويأتي الغرام الذي يلازم القلب دون أن يفارقه كما يلازم الغريم غريمه، إلى جانب الوداد بما يعنيه من خالص المحبة.

أما الشغف وفق سويدان فهو سيطرة الحب على القلب ليصل أعماقه، ثم يصل المرء إلى مرحلة العشق وهو الحب المفرط الذي يخاف على صاحبه منه.

وتصل درجات الحب إلى التتيّم حتى التعبد، حيث لا يفكر الانسان في نفسه. أما أقصى درجة له فهي “الخلة” التي انفرد بها إبراهيم عليه السلام ومحمد عليه الصلاة والسلام.

 

في ماهية الحب

يرتبط الحب في المخيال الشعبي بقصص العشق التي تجمع المحبين، وقد أكد ابن حزم الأندلسي، على أن الحب “أوله هزل وآخره جد” لا توصف قيمة معانيه إلا بمعاناته. وهو “ليس بمنكر في الديانة ولا بمحظور في الشريعة”.

كما تحدث في كتابه “طوق الحمامة”، عن اختلاف الناس في ماهيته، وقسمه إلى “محبة المتحابين في الله عزّ وجل ومحبة القرابة، ومحبة الألفة والاشتراك في المطالب، ومحبة التصاحب والمعرفة، ومحبة البر يضعه المرء عند أخيه، ومحبة الطمع في جاه المحبوب، ومحبة المتحابين لسر يجتمعان عليه يلزمهما ستره، ومحبة بلوغ للذة وقضاء الوطر، ومحبة العشق التي لا علة لها إلا ما ذكرنا من اتصال النفوس”.

وتابع بأن مختلف أجناس هذا الحب منقضية متغيرة وزائلة وزائدة ما عدى “محبة العشق الصحيح الممكن من النفس فهي التي لا فناء لها إلا بالموت“.

الحب العذري

يتميز هذا الحب بسموّه الطاهر وعفته الروحية بعيدا عن المحاسن الجسدية، تعود التسمية إلى قبيلة “عذرة”، التي انتسب إليها أعظم شعراء الغزل العرب وأشهرهم، على غرار “جميل بن معمر”.

 

 

كما عرفوا بحبهم الصادق وإخلاصهم لمحبوباتهم، وأضحى لهم نمط شعري عذري خاص بهم. وإذا اشتد الوجد والحرمان يفضي بهم إلى الموت.

ويحكى أن أحدهم سئل، من أنت؟ قال ” أنا من قوم إذا أحبوا ماتوا، فقالت جارية سمعته: عُذريٌّ ورب الكعبة”.

ومن أشهر قصص الحب، تلك التي جمعت بين جميل بن معمر بمحبوبته بثينة، حتى أن اسمه اقترن بها “جميل بثينة”.

بدأت القصة بعد أن نفرت بثينة إبل جميل عند الوادي بينما كان يرعاها، فسبّها وسبته، وكان السباب بداية الإعجاب. وقال جميل:

وأوّلُ ما قادَ المَودّة َ بيننا…بوادي بَغِيضٍ، يا بُثينَ، سِبابُ
وقلنا لها قولاً، فجاءتْ بمثلهِ…لكلّ كلامٍ، يا بثينَ، جواب

 

بلغ الحب بين العاشقين أقصى درجاته، إلاّ أن أهلها رفضوا علاقتهما وزوجوها لغيره، وشكوه إلى السلطان بعد أن علموا بلقاءاتهم السرية، ففر جميل إلى اليمن وعاد إثر عزل الملك ليشدّ الرحال ورائها بعد رحيل قومها عن القرية.

التقى الحبيبان في غفلة عن الأهل وودّع كل منهما الآخر، فعاد الحبيب إلى مصر ليموت هناك شوقا ويأسا، وماتت بثينة بعد أن بلغها نعيه بثلاثة أيام، أنشدت خلالها أبياتا تعاهدا فيهما على الإخلاص حتى الموت:

وإن سلوي عن جميل لساعة … من الدهر ما حانت ولا حان حينها
سواء علينا يا جميل بن معمر … إذا مت بأساء الحياة ولينها.

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق