مجتمع

صيني أقنع المصريين بمذاق الطعام الصيني ونشره في مصر

استدعته عائلته لإنقاذه من الخسارة فأصبح صاحب أشهر مطعم آسيوي في مصر، بعشرة فروع

 

صفاء عزب- القاهرة- مجلة ميم

“هاني يان “..مصري صيني يتمتع بمكانة مرموقة في المجتمع المصري كما يحظى باحترام الصينيين فقد حمل لقب “عميد ” الجالية الصينية في مصر منذ عام 2005. كما أطلقت الصحافة المصرية عليه التنين المصري حيث ارتبط اسمه بمكان شهير على نيل القاهرة، وهو مطعم بكين أو المطعم الصيني كما يحلو للمصريين تسميته.

رغم ملامحه التي تكشف أصوله الآسيوية من أول وهلة، إلا أنه لايتقن اللغة الصينية، لكنه يتحدث اللغة العربية واللهجة العامية المصرية بطلاقة فائقة، وهو أمر ليس بغريب، فقد عاش عمره كله بين المصريين يشاركهم حياتهم ويتعلم في مدارسهم وجامعاتهم.

ومثلما تجسد فيه التمازج الحضاري القوي بين مصر والصين، جمع كذلك بين عدة مهن وتخصصات، فهو مخرج سينمائي تعلم في أكاديمية الفنون المصرية بعد تركه كلية طب القاهرة.

ثم ساقه القدر للعمل بالتجارة والسياحة وتحديدا في مجال المطاعم عندما استدعته عائلته لإنقاذ مطعم والده وعمه بالقاهرة من المشاكل.

ونجح “يان” في الانطلاق بمشروع الآباء ليصبح صاحب أشهر مطعم أسيوي في مصر تنتشر فروعه في مختلف أنحاء العاصمة بعد أن استطاع إقناع المزاج المصري بطعم المذاق الصيني.

واستعان بخلفيته الفنية كمخرج في إضفاء لمسات ساحرة على ديكورات المكان جعلته قطعة من الصين في شوارع القاهرة.

حول هذه التجربة وبداية حكاية التنين الصيني بالقاهرة كان هذا الحوار مع هاني يان داخل إحدى فروع مطعمه بحي المعادي بالقاهرة. وسألناه في البداية عن الرحلة من الصين إلى مصر فقال ضاحكا:

الحكاية عمرها طويل ترجع بدايتها إلى عشرينيات القرن الماضي حيث اضطرت الظروف الاقتصادية الصعبة والحرب الصينية مع اليابان إلى سعي والدي للهروب ولم يكن أمامه إلا عبارة كبيرة ركب على ظهرها دون أن يعلم إلى أين سيذهب وبعد شهرين من الإبحار كانت أول محطة آمنة تتوقف فيها العبارة في منطقة قناة السويس وهنا قرر والدي البقاء بمدينة السويس الساحلية المصرية.

وهناك استقر وعمل بتجارة الأقمشة ولحق به عمي وتزوج والدتي المصرية وعاشا بالقاهرة قبل أن يكون مع عمي وبعض الشركاء الصينيين شركة لتأسيس أول مطعم صيني من نوعه وكان عام 1963.

 

يان مع الجالية الصينية يحتفل بافتتاح المطعم

 

المذاق الصيني والمزاج المصري

 

ألم يكن من الصعب في تلك الفترة أن يتقبل المصريون المذاق الصيني باعتباره غير مألوف للمذاق المصري؟

الحقيقة أن والدي وشركاءه فكروا في إنشاء هذا المطعم في البداية من أجل الحصول على رخصة تموينية تكفل لهم توفيرما يحتاجونه من مستلزمات أساسية كالزيت والسكرلأن الإقتصاد المصري في تلك الفترة الناصرية كان اشتراكيا يعتمد على البطاقات التموينية ولم تكن السلع متاحة إلا بموجبها وتم إنشاء المطعم في منطقة وسط البلد وكانت منطقة راقية وحيوية آنذاك.

وكان الصينيون بمصر يعتمدون على المطعم في توفيرما يحتاجونه من سلع ضرورية ولكن مع الوقت تعثرالمطعم وتعرض لخسائر وأزمات مالية ما اضطرعائلتي لاستدعائي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ونجحت في المهمة الصعبة بعد مهلة من التفكير وتجاوزنا الأزمة بل واتسع المشروع على مدار 34 سنة من إدارتي ليشمل فروعا عشرة للمطعم الصيني في أنحاء القاهرة وبعض المدن الساحلية بشكل موسمي.

 

 

  • استدعتك عائلتك، فهل كنت تعمل في مجال آخر قبل إدارتك للمطعم الصيني؟

نعم فأنا مخرج سينمائي خريج أكاديمية الفنون المصرية وكنت الأول على دفعتي ولي تجارب إخراجية وإن كنت غير راض عنها لكني أحاول استئناف هذا المجال في الفترة الحالية إلى جانب إدارتي لمجموعة المطاعم الصينية.

 

كل مطعم صيني في العالم يختلف حسب المجتمع والبلد وتبقى الروح الصينية كلمة السر

 

  • ما سرنجاحك في نشر المذاق الصيني وإقناع المزاج المصري به رغم الفشل الذي حدث في البداية؟

أولا يجب أن نعلم أن فترة إنشاء المطعم في البداية تختلف في العادات والتقاليد عما هو الآن فلم يكن مألوفا أن تخرج سيدات أو بنات لتناول الطعام في مكان وفكرة الأكل خارج البيت لم تكن منتشرة كما هي الآن، ولذلك لم يكن هناك بالقاهرة سوى عدد محدود من المطاعم الأجنبية. وهو ما يفسر تعثر المشروع آنذاك.

ولكن الأمر اختلف مع التطور المجتمعي والثقافي. وباعتباري مصري صيني لعب ذلك دورا رئيسيا في فهم المجتمع المصري وطبيعة ما يروق له من مذاق وقد أجرينا بعض التعديلات على الأطعمة الصينية بما تتناسب مع المزاج العام ولذلك تجدين تشكيلة مختلفة من الأطعمة الصينية تختلف من مكان لمكان يعني المطعم الصيني بفرنسا مثلا يختلف عنه في أمريكا وكذلك عن المطعم الصيني المصري وفق الأذواق ولكن تبقى هناك الروح الصينية التي يجب الحفاظ عليها في كافة أنواع المطاعم الصينية وهذا ما نجحنا فيه.

 

  • ومالذي يميز المطبخ الصيني عن باقي مطابخ العالم وتحرص على وجوده داخل المطعم ؟

أهم شئ في المطعم الصيني هو التنوع الكبيرفي المواد المستخدمة في إعداد الوجبة فهو يتسم بتشكيلة من الخضروات الملونة المطهية بطريقة خاصة مع البهارات تمنحها مذاقا مختلفا. كما تعد المعجنات سواء الأرز بأنواعه أو الفطائر والخبزأيضا من العناصرالأساسية في أي وجبة صينية.

وهي خامات موجودة في المطبخ المصري والعربي بشكل عام لكن تبقى طريقة إعداد الوجبة وخطوات الطهي سر من أسرار السمة المميزة للطعام الصيني.

 

كصيني مصري كيف ترى المطبخ المصري والعربي عموما مقارنة بنظيره الصيني ؟

بحكم تجربتي الواقعية تيقنت أن الدنيا ما هي إلا مطبخ كبيرلأن المطبخ يعكس حضارة وثقافة كاملة لكل بلد، وبالنسبة للمطبخ العربي فهو متنوع بحسب المنطقة التي نتكلم عنها ففي مصر يختلف عن المغرب العربي وكذلك عن منطقة الخليج وعلى سبيل المثال نجد أن المطبخ المصري يعكس في بعض أكلاته التراث الفرعوني إلا أنه أكثر تأثرا بالتراث التركي، ويجدر بنا ونحن نتحدث ل”ميم”التونسية أن نشيد بالمستوى الرفيع لمطبخ منطقة المغرب العربي ومنها تونس حيث يعكس ثقافة لها خصوصيتها في تلك المنطقة. وإذا عدنا للمطبخ الصيني نجده يمثل ثقافة كاملة وكثير من الحكم والمأثورات تتعلق بالطعام.

فلسفة الطهي

 

  • هل كنت تهوى مجال الطهي قبل استدعاء الأسرة لك؟ وكيف جئت بهذه المرونة في انتقالك من مجال الفنون إلى النجاح في المطبخ والتجارة؟

لم أكن أتصور أنني سأعمل في مجال تجاري ، ولكن عندما اضطرتني الظروف الى خوض غمار تجربة جديدة لم يكن فكر الربح عندي هو الاساس بل كان الاهم تقديم ثقافة جديدة للناس خاصة بعد اكتشافي أن المطبخ عالم كبيرمرتبط بالمستوى الثقافي والفلسفي ويلخص الحياة فكما أن للطعام خطة إعداد وتجهيز وفق مكونات معينة كذلك الحياة يجب أن أحسب فيها إمكانياتي وتجهيزاتي حتى يمكنني الوصول للهدف المطلوب.

كما شدتني فكرة الطهي في حد ذاته كفن جميل ولولم يكن هناك طهي كنا لازلنا نأكل الطعام النيء والإنسان هو الكائن الوحيد الذي يتناول الطعام مطهوا بل ويتفنن في وسائل الطهو.

 

  • كيف أفدت من هذه الفلسفة في التعامل مع صعوبات الحياة؟

لقد مررت بالعديد من الأزمات منذ لحظة ولادتي عندما اختار لي أبي اسما صينيا صعب الكتابة فأطلقوا عليّ اسما مصريا، وهو

“هاني”. وعند توثيق اسمي الصيني بالأوراق الرسمية باعتباري أجنبيا كتبوا اسمي بنطق مختلف ممّا تسبب في أزمة لا أزال أعاني توابعها في مستنداتي الشخصية حتى اليوم. وعندما التحقت بكلية طب القاهرة صدمت بالمناخ السياسي الساخن داخل الجامعة وكان ذلك في عهد الرئيس السادات وفترة نشاط الجماعات الدينية.

وأذكر أن أيمن الظواهري كان معي بالكلية ويسبقني بدفعتين وشعرت أن الأجواء ليست جامعية خاصة بعد الممارسات المتطرفة التي فرضتها تلك الجماعات علينا داخل الجامعة ومدرّجاتها. لذلك قررت وأنا في رابعة طب أن أحوّل مساري إلى دراسة الفنون وتفوقت في قسم الإخراج وكنت الأول وكرّمني رئيس الوزراء فؤاد محي الدين آنذاك نيابة عن الرئيس السادات في عيد الفن، على الرغم من اعتراض البعض أن يكون أجنبيا الأول على دفعته كما اتهموني بالشيوعية لكوني صينيا.

مصري صيني

 

  • من واقع تجربتك، هل تعتقد أن التمازج الحضاري المصري الصيني داخلك منحك ميزة نسبية أم ألقى عليك بعبء ثقيل؟

أنا مصري المولد والنشأة وصيني الجنسية حيث تمنع الصين ازدواج الجنسية ولكني احتفظ بعلاقات طيبة ومهمة مع شخصيات مصرية مرموقة كما صرت عميدا للجالية الصينية في مصر منذ عام 2005 وإذا كان العامل الاقتصادي هو المحرك للصينيين فإن هناك محاولات قوية لاستعادة الجانب القيمي والمعنوي في المجتمع الصيني، وهو الأمر الذي لم ينقطع عندي بحكم نشأتي العربية في منطقة تعير الجانب القيمي والمعنوي والأخلاقي اهتماما كبيرا، وأعتقد أنني محظوظ بازدواجيتي لأنها ساعدتني أيضا على رؤية الجانب الإيجابي في أي أزمة تواجهني وهذا من تأثيرات الجانب الصيني في شخصيتي، وهو المزيج الذي أفدت منه في حياتي.

 

ما الدنيا إلا مطبخ كبير!

المرأة العربية والصينية

 

  • بحكم زواجك من مصرية كيف ترى المرأة العربية بشكل عام؟ ولماذا لم تفكر في الزواج من صينية؟

بالفعل تزوجت مرتين الأولى مصرية والثانية كانت إيطالية ولم أنجب أولادا. ولكني حرصت وسعدت أن تظل الصداقة قائمة بيننا حتى بعد الانفصال. ومن الصعب تعميم الحكم على كل النساء العربيات من تجربتي لكن المرأة العربية مميزة جدا إنها تتحمل الرجل الشرقي. أمّا المرأة الصينية فهي مشحونة بالفكر الاقتصادي وراء كل رجل أعمال ناجح صيني زوجة قوية جدا. لكنها لاتستوعب ذلك النوع الرومانسي من التعبير العربي عن الحب وقد تصدم إذا ما فاجأتها بكلمة” أحبك”!

وللأسف الشديد حينما أتيح لي الزواج من صينية كان حدث هناك انفتاح تسبب في تغليب الفكرالمادي وهذا ليس شاغلي الاساسي لأنه حينما يضيع المال يبقى الجوهر الانساني هو الأهم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق