ثقافة

رسومات حيان عبد الجبار: مرجعيات الأثر والتأثير

حوارات خضر الزيدي

خضير الزيدي- بغداد- مجلة ميم

يتجلى واضحا تأثير إسماعيل فتاح الترك، على مجمل أعمال الفنان  حيان عبد الجبار، فقد استلهم الأخير دروس معلمه واخذ بوصاياه التي أملت عليه التزاما بالسير على ما وفره من أسلوب تعبيري  نلمسه عبر تأكيده باتجاه الموقف الإنساني الذي تشي به التشخيصية الواضحة أو عبر توظيف الحمامة ودلالتها سيميائيا.

هذا التأثير جعل مشروع حيان الشخصي رهينا بما قُدِم سابقا من قبل إسماعيل الترك، وهو خيار لم يكن ملتبسا أو مبتعدا عن أنظارنا جميعا، وفي نفس الوقت لن يكون تناصا أو سرقة، إنما يقع ضم مفهوم التأثير المباشر الذي أرشدتنا عليه موسوعة لالاند الفلسفية (كلمة تأثير تحمل فكرة الفعل المعني ليتم بطريقة متدرجة متصلة).

وإذا اتفقنا على نص التفسير فان مفاتيح  الرؤية الجمالية لحيان عبد الجبار لم تنعدم جراء ذلك الفعل الواقع تحت هيمنته، لأسباب كثيرة من جملتها أن إسماعيل الترك ترك ثقله الأسلوبي في العديد ممن تتلّمذ على يديه، ولأنه فنان استوعب مداخل التعبيرية منذ مشاركته في جماعة الرؤية الجديدة عام 1969 ضمن حدود معرفية تلامس كيان الإنسان وتدفع به لتأمل محيطه الخارجي، دون الانفصال عن المرجع الذاتي لتأمل النفس والأخذ بالجسد مفهوما كيانيا، وليس استعراضيا.

 

 

فقد ترك مؤثرات الفيض الوجداني على ملامحه البنائية الصريحة وأنتج اتجاها في أشكال ودلالات معينة فنيا فهل  سار حيان في طريق الخطأ؟

أم انه يعرف وجهته وهو ماض بخيارها والالتزام بمنهجها..

وهل يصح القول انه فنان اغترف من إسماعيل فأصبح شبيها له أو مقلدا إياه؟

للإجابة على مثل هذه التساؤلات يمكن العودة إلى طرائق الرسم عند حيان عبد الجبار، فهذا الفنان يبدي استعدادا لخوض غمار التجريب في تعبيرية تعد ضربا من المتخيل الخاص به. ولكن المفاهيم التي طرحها أستاذه عبر ثيمتي (الأنوثة والذكورة) جعلت من حيان يسند تلك التوجهات بزوايا ثانية غالبا ما يضيف لها وجهة من التقديس، بحيث تستدعي طاقة الرسم التشخيصي في لوحته سيلا من المرونة الضاربة في العاطفة. وتبعا لاستجابة ذلك الخطاب البصري الرصين تكون معالم لوحته مليئة بالوقائع التي تعيد لأذهاننا ابتكار تعبيرية إسماعيل الترك.

 

 

الأمر الآخر في تحول معطى الرسم التعبيري لدى هذا الفنان نكتشف أن مثابرته في تعزيز الدال وإضفاء فهم خاص على المدلول الذي يتوجب إبداءه لنا لم يكن ذات يوم محاطا بأثر هندسي وطراز غرائبي يجعل فضاء العمل منغلقا في بنيته الشكلية أنما عُدَ نظامه واشتغاله البصري لصيقا بذهنيته الرافضة للانزواء بالفن دون تحريك مشاعر الإنسان وكانت فاعلية ذلك الخطاب التعبيري بشتى وسائلها سواء في الرسم بالزيت أو الاكرليك أو بفن الكرافيك تعي وجهتها وعلاقتها بالطقس الإنساني وخاصة العاطفي منه.

لهذا تكمن تجليات فكرة إسماعيل أكثر حضورا في نتاج حيان وهذا ما يجعل تركات المعلم طريقا لاستلهام المشروع عبر محاولات الجيل اللاحق من بعده.

وجهة حيان التعبيرية

فيما يخص الفنان حيان فقد أولى التلامس الروحي ونسيج ذاكرة الإنسان الظاهرة اهتماما وهو يستخرج بواطن الألفة في التشخيصية لديه وكأن الأشكال وفرادة مآثرها تبدي لنا درسا في قيمة الإنسان وما ينجذب له من محيط قدسي.

لهذا من يقترب بدقة من رسوماته يجد سيلا من الرمزية التي تثير إيقاع داخليا وحسنا صنع الفنان حيان عبد الجبار حينما جعل اليد اليمنى تشير لبواطن القلب فتتحول مؤشرات الألفة إلى وتيرة من كتل عاطفية وتنحصر أجزاء الجسم في شكل متسق بنائيا وجماليا.

 

 

وبما أن التعبير هنا لا ينفصل عن خصوصيات وسرد لمشاهد تتجلى فيها الأجواء الطبيعية لديمومة الحب والعاطفة فالإثارة والمخاطرة تكون باتجاه التعبير عن مصالحة النفس والذات مع الكيان البيئي وهي نزعة وهدف خاص  يمضي بمزيد من الثقة نحو متلقي أعماله.

وعليه لا بد من لهذا الفنان من تصعيد رغبة البحث عن رهبنة المقدس وإبدائه في سطوح أعماله وهو تكوين لا يملك تناقضا من المشاعر بقدر ما ينشئ فضاء تعبيريا مؤثرا في عين المتلقي والاهم من ذلك يوضح أسس العلاقة بين الدال في اللوحة والمدلول وتأتي إمكانية طاقته وممارسته الطويلة مع هكذا أسلوب لتضعنا عند تحولات الحياة /الموت ومراقبة اتجاه الإنسان ورؤيته للعدم.

 

فهو  لا يرسم مخلوقا أسطوريا بل تعد مرجعياته الشكلية شاهدا على ما يمر به الإنسان ولا يدعو لإنتاج قيم توثق عصور قديمة ونادرة مثلما يظن البعض ممن يراقب أعماله وحركت الوجه وتقاطعاته بل  ثمة استجابة واستسلام لمظاهر تحد من شخوصه القابعين أمام الحمامة والديك وما تبديه مظاهر تنوع هذين الحيوانين من الالتصاق بالفرد وطبعا لكل منهما سيمياؤه الخاصة ودلائله وجاذبيته الشكلية

دلائل وتكوين العمل

إزاء هذه الثقافة وربط هيكليتها في السطوح التصويرية تبدو جاذبية اللوحة فاعلة لتتماشى مع متغيرات النفس وباطنيتها سواء عبر القبح أو الجمال فهو لم يرسم حشودا إنما يبين إحساسا وإيقاعا منبثقا جراء مكاشفة الجسد ليأتي التشذيب والنداء الداخلي أكثر تمسكا بميله العاطفي.

 

وهذا ما تبديه الخطوط والتكوينات التي تلاصق التشخيصية فكأن عنصر التصوير لديه يمارس وظيفة الإيحاء ويعلن عن بنية الجسد الداخلية فلا غرابة أن تكون وحداته الصورية في تعدد واختلاف الأشكال الآدمية وكأنها شفرة تمتلك قبضة البواعث الخاصة بعالمي الأنثى والرجل.

ومن هنا تكون مسيرته متعقبة لمرجعيات أستاذه لا تخاتل قضيتها ولا تتخلى عنها إنما بالخيال والمثابرة  تتماشى بسياق تعبيري يلزمه استعارة وحدات إسماعيل وحملها بما يليق بشعورها.

ومع هذا نطرح تساؤلنا الواضح: كيف يروض الفكرة؟ وكيف يستخرج خطابه الحداثي؟

إنها المهارة التي تلتصق به وتفصح عن وعي عميق يعي مسيرته وهو يزاوج بين ارث فنان ليس طارئا، وبين شواهد إحساسه ونزعته الشكلية، واحسب أن حيان بخطواته هذه يقف واضحا أمامنا وهو يلتحق بركب أسلافه.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد