الرئيسيثقافة

فيلم “الجايدة” عمل ثقافي لخدمة أجندة سياسية

 

وظفت سلمى بكار أفكارها السياسية في كتابتها وإخراجها للفيلم الروائي الطويل “الجايدة”، بالنظر إلى تجربتها داخل المجلس الوطني التأسيسي بعد ثورة 14 جانفي 2011. وجاء عملها في إطار ما يعرف بـ”سينما المؤلف”.

ورغم انطلاق كتابتها للفيلم في 2007 فقد تأخر إنتاجه بعد إعادة كتابته 3 مرات ليصدر في 2017.

وأكدت، المخرجة التونسية، خلال عرض الفيلم في مقر معهد تونس للسياسة، يوم الثلاثاء 13 فبراير/ شباط 2018، بحضور ممثلي عدد من الأحزاب السياسية والمجتمع المدني في تونس، أن الفيلم بمثابة التكريم لها ومن شارك في اعتصام باردو.

 

دار جواد

تقع أحداث الفيلم بين سنتي 1954 و1955، قبل 8 أشهر استقلال تونس، ويتناول حكاية أربع نساء من طبقات اجتماعية ومستوى ثقافي مختلف، يجتمعن في دار جواد وهو أشبه بالسجن الذي ترغم النساء على دخوله إذا غضب عليهن أزواجهن أو عائلاتهن.

تجبر المرأة على الدخول إلى هذه الدار بعد مرورها على المحاكم الشرعية والوقوف أمام قاض يعتمد في إصدار قراراته على الاستشارة بإمام حنفي وإمام مالكي، حيث يتم إيجاد فتوى مناسبة لعقابها.

 

 

وتعيش النساء ظروفا صعبة للغاية داخله بسبب القوانين التي تفرضها أمينة البيت،”الجايدة”، فتمنعن من الخروج، كما تحرم كل واحدة فيهن من حقوقها وترغم على العمل اليومي.

وخيّرت العديد من النساء الخروج منها والخضوع لأوامر زوجها بسبب ما عشنه داخله بعد أن أصبحن غير قادرات على الرفض.

فيما يصوّر “الجايدة” صمود أربع بطلات أمام القوانين التي فرضها المجتمع الذكوري التونسي قبل الاستقلال.

الرجل ظالم ومحرر

يعكس الفيلم دور الرجل الظالم الذي كبّل المرأة على غرار شخصية “الطيب”، خالد هويسة، الذي يمثل رجلا تونسيا متعلما يزاول مهنة الطب، إلا أنه يخضع لقوانين وعادات اجتماعية ليحكم على زوجته بالدخول إلى دار جواد بعد أن رفضت مسامحته على خيانته مع أختها، إلى جانب شخصية “خال حسينة”، رؤوف بن عمر، الذي أجبر الفتاة على الإقامة في دار جواد والانقطاع عن الدراسة، بسبب علاقة حب جمعتها بـ”عثمان”، أصيل ولاية الكاف الذي زاول تعليمه في العاصمة وشارك في حركة التحرر الوطني.

 

وتتواصل علاقة الحب بينهما عن طريق الرسائل، وصولا إلى نهاية الفيلم عندما زارها ليخبرها بخروج القيادات الوطنية من السجن وانطلاق مفاوضات الاستقلال التي ستفضي إلى تحرر النساء من قمع “الجايدة” إلى الأبد.

وزوج ليلى، (توفيق العايب)، الذي اتهمها بخيانته مع أحد العاملين في السوق، وبينما يتخلى عشيقها عنها، (محمد علي بن جمعة)، أخذها زوجها إلى دار جواد لينتقم منها. فكانت الشخصية ضحية بحثها عن المتعة التي افتقدتها في زوجها العاجز جنسيا، ومجتمع يرفض حقها في ذلك، لتنتحر في آخر الفيلم كسبيل للخلاص.

 

 

أما زوج آمال (أحمد الحفيان)، فيحب زوجته ويخاف والدته فكانت دار جواد حلا لإرضاء الأم ولقاء الزوجة التي ترفض العيش مع حماتها بسبب قسوتها لأنها لم تنجب ولدا للعائلة.

وتبدو جميع الشخصيات خاضعة لنظام مجتمعي واحد وهي غير قادرة على تغييره، إلى أن عاد بورقيبة إلى تونس سنة 1955 في باخرة فرنسية، وقد صورت المخرجة مشهد عودته إلى ميناء حلق الواد والحضور الجماهيري الذي كان في انتظاره.

و رأى الكثيرون أن هذه الصورة أضعفت من قيمة العمل بما اعتبروه “إسقاطا سياسيا”، واختزالا للنضال من أجل حرية المرأة في شخص “الزعيم”، مع إلغاء الدور الذي لعبته شخصيات نسائية في فترة ما قبل الاستقلال، لتظهر لنا بكار صورة المرأة الضحية التي كبلها رجل وأنقذها رجل يجسده بورقيبة.

 

عودة الحبيب بورقيبة إلى تونس سنة 1955

 

وعن توظيف صورة بورقيبة، قالت بكار لـ”ميم”: “منع بورقيبة عرض أحد أفلامي “فاطمة 75″ لأنه معارض لسياسته ورغم ذلك، عدت اليوم بنفس الرصيد، لم أقم بتبييض سياسته أو فترته كلها، ولكن أردت الدفاع عن فكر تقدمي حداثي مدني من خلاله كرمزية ضد الأفكار الرجعية”.

المرأة ناضلت ولكن بالصمت

ردت المخرجة على النقد الذي وجه لها حول تغييب دور المرأة القوية القادرة على الدفاع عن حقوقها والفاعلة في مجتمعها دون انتظار قائد أو زعيم بأن “النساء اللاتي دخلنا دار جواد وإن بَدين ضحايا، فقد عبرن عن رفضهن بالصمود واختارت كل منهن نهايتها، إذ اختارت “ليلى” (سهير بن عمارة)، الانتحار، وأصرت “بهجة” (وجيهة الجندوبي)، على موقفها من زوجها رغم العذابات التي تعرضت لها، فاستمدت كل واحدة منهن قوتها من التضامن.

 

 

من جانبه قال الممثل التونسي خالد هويسة، إن الصمت نوع من أنواع النضال، وصمت نساء دار جواد كان معبّرا، رفضن من خلاله الخضوع لسلطة الرجل لحفظ كرامتهن.

وفي تعليقه على تغييب دور النساء المناضلات في تاريخ تونس، قال: “لقد ناضلت النساء ولم يكن الفيلم قادرا على تناول جميع الجوانب، إلا أن شخصية الحبيب بورقيبة اختزلت الحقبة، وكانت لها رمزية إحداث مجلة الأحوال الشخصية، ورمزية زمنية تتمثل في إنهاء “دار جواد” والمحاكم الشرعية”.

وأضاف: “لا ننكر نضالات أشخاص آخرين من ذاكرتنا الوطنية، سواء في اتحاد المرأة أو نساء أخريات”.

التوظيف السياسي في العمل الفني

راهنت سلمى بكار على 3 مراحل في الفيلم وهي، ما قبل الاستقلال وفترة الاستقلال، وتناولت المرحلة الأخيرة مشهدا تتمثّل من خلاله دورها في المجلس التأسيسي ما بعد ثورة 14 جانفي، مختزلة نضال المرأة التونسية في شخصها.

سلمى بكار

وأكدت، بكار، في هذا السياق مدى تأثير تجربتها السياسية خلال عملها في فيلم “الجايدة”، الذي كان “بمثابة تكريم للعائلة الديمقراطية، في المجلس التأسيسي، المتكونة من 36 نائبا وكانت جزءا منه تكريما لتفسها”، وفق قولها.

وفي تعليقها حول التوظيف السياسي الشخصي في عمل فني قالت: “حملني الحنين إلى فترة صياغة الدستور واعتصام الرحيل، وهذا حق من حقوقي وحق كل فنان في وضع رؤيته الفنية بما يتماشى مع توجهاته وأفكاره”.

 

وعلق أحمد إدريس، رئيس معهد تونس للسياسة، قائلا: “من حق كل فنان استعمال الأداة التي يعمل بها لتوظيفها في السياسة لأن التعبير الفني هو تعبير سياسي، من خلال الترويج لفكرة والدفاع عنها “.

رئيس معهد تونس للسياسة أحمد ادريس

وبيّن أن صورة بورقيبة كانت إشارة من المخرجة إلى تشبث المجتمع التونسي بشخصية الحبيب بورقيبة كعامل لتعديل الكفة بين مختلف القوى السياسية.

يذكر أن اللقاء شهد نقاشا هاما بين الأطراف الموجودة التي عبرت عن إعجابها بالفيلم وخيبة أملها من بعض المشاهد التي أضعفته.

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

اترك رد