مجتمع

الكثير من المشاهدة والقليل من الممارسة: تراجع إقبال الشباب الأمريكي على ممارسة الجنس

ترجمات ميم

 

 بعد 50 سنة من تفجير الثورة الجنسية في الولايات المتحدة الأمريكية، يبدو أن هذه الممارسة تشهد تراجعا كبيرا. فقد أصبح الأمريكيون اليوم يمارسون الجنس بشكل أقل، فضلا عن أن نسبة الأمريكيين الذين يقولون إنهم لم يعيشوا هذه التجربة في أية مناسبة خلال العام الماضي تشهد ارتفاعا ملحوظا. وما يثير الدهشة أكثر هو أن هذه التغيرات في السلوك الجنسي في المجتمع الأمريكي يقودها الشباب.

رغم هذه الثورة الجنسية المضادة، التي بدأت قبل حركة “#أنا أيضا”، المناهضة للاعتداءات الجنسية وسوء معاملة النساء وعمليات التحرش التي تورط فيها مشاهير أمريكيون؛ على غرار هارفي واينستين وبيل أورايلي، إلا أن السخط الثقافي على السلوكيات المشينة التي يقترفها بعض الرجال في حق النساء ربما يزيد من تسريع هذا التوجه الجديد والغريب.

خلال سنوات ما بعد 2010، أصبح الراشدون الأمريكيون يمارسون الجنس بمعدل تسع مرات أقل سنويا، مقارنة مما كان عليه الأمر في التسعينيات، وذلك بحسب فريق من الباحثين الذين تقودهم عالمة النفس، جين توينج، وهو ما يعني تسجيل انخفاض بنسبة 14 في المائة.

على نفس النحو، ارتفعت نسبة الراشدين الذين صرحوا بعدم ممارستهم للجنس بتاتا خلال العام السابق، من 18 بالمائة في أواخر التسعينيات إلى 22 بالمائة خلال الفترة الممتدة بين سنة 2014 و2016، وذلك بحسب تحليلنا للبيانات الواردة في المسح الاجتماعي العام في الولايات المتحدة (وهو بحث ميداني يتم إنجازه كل سنتين تحت إشراف جامعة شيكاغو، وهو بحث واسع النطاق ويشمل كل أطياف البلاد، ويحظى بالتمويل الفيدرالي، ويركز على مجموعة من السلوكات والمواقف التي يتبناها الراشدون في الولايات المتحدة).

لقد ظهرت توجهات لدى الشبان والشابات الأقل سنا. ففي بدايات الألفية الثالثة، مارس حوالي 73 في المائة من البالغين المتراوحة أعمارهم بين 18 و30 سنة، الجنس مرتين على الأقل كل شهر. لكن هذه النسبة انخفضت إلى 66 بالمائة بين 2014 و2016، حسب تحليلنا لبيانات المسح الاجتماعي العام.

إلى جانب ذلك، هناك شباب آخرون تتراوح أعمارهم بين 18 و30 سنة لا يمارسون الجنس مطلقا. وبين سنة 2002 و2004، صرح 12 بالمائة منهم بأنهم لم يمارسوا الجنس خلال العام السابق. وبعد عقد من الزمن، يبدو أن هذه النسبة ارتفعت إلى 18 بالمائة بين سنة 2014 و2016.

كما تشهد ممارسة الجنس تراجعا في صفوف المراهقين. ففي وقت سابق من هذا العام، نشر المركز الأمريكي للوقاية ومراقبة الأمراض تقريرا حول تراجع نسبة طلبة المعاهد الأمريكية الذين قالوا إنهم جربوا ممارسة الجنس، من 47 في المائة سنة 2005 إلى 41 في المائة سنة 2015. كما انخفضت معدلات النشاط الجنسي لدى المراهقين بشكل خاص بين سنة 2013 و2015، وهي نفس الفترة التي شهدت فيها هذه الممارسة انخفاضا كبيرا لدى الشريحة العمرية بين سن 18 و30 سنة.

فما الذي دفع نحو ظهور هذه الثورة الجنسية المضادة؟ ربما يكون الوقت مبكرا لتقديم إجابات نهائية، لكن هناك عدد من الاحتمالات التي تبدو منطقية:

أولا، على الرغم من أنهم ليسوا محافظين من الناحية الاجتماعية، إلا أن أبناء جيل الألفية (المولودين بين 1980 وأواسط التسعينيات)، وأبناء الجيل الجديد الذين ولدوا بعد ذلك، يعتبرون أكثر حذرا مقارنة بالأجيال السابقة، لذلك يعتبرون أكثر ميلا نحو تركيز تفكيرهم على المخاطر العاطفية والجسدية المتعلقة بالجنس، أكثر من الجانب الممتع فيه.

وكمجموعة، يميل أبناء هذا الجيل للتقليل من شرب الكحول، وتخفيض السرعة عند القيادة، كما يقبلون على العلاقات الحميمية بشكل أقل. ويبدو أن شباب اليوم فهموا جيدا الرسائل التحذيرية حول مخاطر الحمل في سن مبكرة، باعتبار أن ذلك يمكن أن يشكل تهديدا لطموحاتهم المستقبلية.

ومن بين هؤلاء، نذكر الشاب تيرون البالغ من العمر 20 سنة، الذي يعبر عن هذه الفكرة بالقول “إن أبناء جيله يمارسون الجنس بدرجة أقل بسبب الخوف من الحمل والأمراض المنقولة، ويعود ذلك لكثرة الومضات الدعائية والبرامج التلفزيونية والمواد التعليمية التي تشرح خطورة هذه المسائل”.

ثانيا، هناك مخاوف متزايدة من أن العلاقات الجنسية العنيفة والمهينة تشكل خطرا، وهي مرفوضة أخلاقيا وتمثل عائقا أمام التطور في المجال الدراسي والمهني، وذلك بالنسبة للنساء بشكل خاص، ما يؤثر على الإقبال عليها. فعلى سبيل المثال، دفعت إدارة الرئيس أوباما، بداية من 2011، الجامعات والمعاهد للحد من ظاهرة التحرش الجنسي والعنف، وذلك عبر سن مجموعة من القوانين والإجراءات. لكن هذه الإجراءات، بما تخفيه من مخاوف، أدت إلى طرد المئات، أو ربما الآلاف، من الرجال الذين وجهت لهم تهم الاعتداء الجنسي داخل الجامعات.

نتيجة ذلك، يبدو أن هذا الاهتمام المبالغ فيه بالاعتداءات الجنسية داخل الجامعات خلف آثارا كبيرة على العادات المتعلقة بالمواعدة وإقامة العلاقات في صفوف الطلبة في كافة أنحاء البلاد. وفي هذا الإطار، أوردت فانيسا غريغوريادس، في كتابها “الخطوط المشوشة: إعادة التفكير في الجنس والقوة والقبول في الجامعة”، أنه “يبدو أن المزيد والمزيد من العمليات الجنسية التي كانت عند الأجيال السابقة توصف بأنها مجرد تجارب سيئة باتت تصنف اليوم على أنها جرائم ويعاقب عليها القانون”.

في هذا السياق، قد أظهر استبيان أجرته صحيفة “ذي إيكونوميست” البريطانية، مؤخرا، كيف أن الشباب باتوا يقلقون أكثر من نظرائهم الأكبر سنا حيال مسألة الاعتداءات الجنسية، وينظرون إلى الكثير من السلوكات المرتبطة بالمواعدة والعلاقة على أنها مسببة للمشاكل.

وفي الواقع، تبلغ نسبة الشبان الأمريكيين الذين يعتقدون أن التعليق حول جاذبية المرأة يعد تحرشا بها، ضعف النسبة لدى كبار السن. وقد وصف دوغلاس موراي، الصحفي في مجلة “ذي سبيكتايتور” البريطانية هذه الظاهرة بأنها ثورة جنسية مضادة، قائلا “بينما شهدت فترة الستينيات تحررا كاملا في مواقف الناس تجاه الجنس، وتجاوزا لكل الحدود، بدأت هذه الموجة المضادة تحول الحرية الجنسية إلى خوف جنسي، وحولت كل فرص إقامة العلاقة إلى حقل ألغام مليء بالمشاكل القانونية”.

في هذا المناخ الذي يطغى عليه الخوف من تأثير هذه العلاقة على نمط عيش النساء، هناك اليوم أعداد متزايدة من النساء الشابات، على غرار إميليا البالغة من العمر 23 سنة، اللواتي لم يجربن الجنس لأنهن يعتقدن أنه يحمل الكثير من المخاطر، وهي ترى أن “النساء بشكل خاص أكثر وعيا بمخاطر الذهاب إلى البيت مع شخص غريب”.

ثالثا، يبدو أن الأوضاع الاقتصادية الصعبة في الوقت الحالي أثرت كثيرا على سلوك الشباب، الذين أصبحوا أكثر إقبالا على العيش تحت سقف واحد مع الأب والأم، عوضا عن الذهاب لاستئجار سكن مستقل، أو الدخول في مؤسسة الزواج.

خلال سنة 2007، أي قبل بداية الأزمة الاقتصادية العالمية، كان حوالي 30 بالمائة من الرجال المتراوحة أعمارهم بين 18 و34 سنة يعيشون مع الوالدين. أما اليوم، ارتفعت هذه النسبة إلى 34 في المائة. وبنفس الشاكلة، ارتفعت نسبة النساء اللواتي يعشن في بيت العائلة بين سن 18 و34 سنة، من 24 في المائة سنة 2007 إلى 27 في المائة سنة 2017.

حيال هذه المسألة، صرحت امرأة تبلغ من العمر 28 سنة، خلال لقاء مع شبكة “سي بي أس” الإخبارية، بأسباب تفضيلها العيش مع والدها ووالدتها قائلة: “إن استئجار شقة بات أمرا مكلفا جدا”. بناء على ذلك، يبدو أن هذا التخلي عن خيار العيش المستقل أو الزواج، والميل نحو العودة إلى أحضان العائلة، يمثل بلا شك عائقا أمام خوض حياة جنسية نشطة بالنسبة لشباب وشابات اليوم. فالشباب اليوم، ولأول مرة منذ أكثر من قرن، بات أكثر إقبالا على العيش في المنزل الوالدين من الزواج أو العيش مع شريك آخر.

فضلا عن لذك، يبدو أن العزوف عن الزواج في صفوف الشباب هو جزء من هذه القصة؛ إذ أن الشبان والشابات غير المتزوجين يمارسون الجنس أقل من نظرائهم المتزوجين، وخاصة في السنوات الأخيرة. ففي الفترة الممتدة بين سنة 2014 و2016، مارس 89 بالمائة من الشباب المتزوجين الجنس مرتين شهريا أو أكثر. في المقابل، بلغ هذه النسبة 60 بالمائة فقط من نظرائهم غير المتزوجين.

علاوة على ذلك، لم يمارس 22 في المائة من الشباب غير المتزوجين الجنس أصلا في الأشهر الاثني عشرة السابقة، خلال فترة جمع هذه البيانات بين سنة 2014 و2016، فيما كانت هذه النسبة ضئيلة جدا لدى نظرائهم المتزوجين، ولم تتجاوز 0.5 بالمائة. وهذا يعني أن العزوف عن الزواج لدى الشباب خلال السنوات الأخيرة يساعد على تفسير انخفاض كثافة العلاقات الجنسية.

لكن هذه النزعات الثقافية والاقتصادية طويلة المدى لا تكفي لتفسير سبب تراجع الإقبال على الجنس بهذا الشكل المأساوي، في صفوف المراهقين والشباب خلال السنوات الماضية. فنسبة الشباب الذين لم يمارسوا الجنس بتاتا خلال العام السابق لإجراء المسح، فاقت الضعف، حيث ارتفعت من 7 في المائة بين سنة 2011 و2012، إلى 18 في المائة بين سنة 2014 و2016. ويبدو أن هذا التراجع الواضح لا يعزى فقط للعوامل الاقتصادية، بما أن الأوضاع الاقتصادية وفرص تشغيل الشباب تحسنت كثيرا في السنوات الأخيرة.

في الحقيقة، يدفعنا توقيت هذا الانخفاض الحاد إلى طرح فرضية أخرى، حول الدور الذي تلعبه التكنولوجيات الجديدة في انقطاع الشباب عن الحياة الجنسية النشيطة. فلعل الانتشار الكثيف للهواتف الذكية والشاشات يعيق نشأة واستمرار العلاقات في الحياة الواقعية، بما تتضمنه من عواطف وممارسة جنسية.

وربما يعود هذا جزئيا إلى أن التكنولوجيا تشجع الشباب على تخصيص المزيد من الوقت على مواقع التواصل الاجتماعي، وألعاب الفيديو، ووسائل الترفيه الافتراضية، وبالتالي قضاء وقت أقل مع الشريك. وهناك بكل تأكيد علاقة ترابط بين صعود الهواتف الذكية وتراجع الإقبال على العلاقات الجنسية في صفوف الشباب، إذ أن نسبة الذين يملكون هاتفا ذكيا ارتفعت فوق 50 بالمائة سنة 2011، ووصلت الآن تقريبا إلى 100 بالمائة.

وقد تزامن هذا الانتشار الواسع للهواتف الذكية مع تراجع النشاط الجنسي لدى الشباب والمراهقين. وتوجد أدلة متزايدة تؤكد أن انتشار تكنولوجيات الترفيه المتطورة والجذابة يثني هؤلاء الشباب عن الحياة الاجتماعية الواقعية وإقامة العلاقات الحميمية، وبالتالي تقل أو تنعدم فرص إقامة العلاقات الجنسية. كما أن المواعدة أو اللقاءات الغرامية تراجعت أيضا بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة، خاصة في صفوف المراهقين، بالتوازي مع الشعبية الطاغية التي حازتها شاشات الهواتف والأجهزة اللوحية والحواسيب.

وخلال السنوات العشر الماضية، انخفضت نسبة الطلبة الذين أفصحوا عن خروجهم في لقاءات غرامية، من 70 في المائة إلى حوالي 55 في المائة. ورغم عدم وجود بيانات رسمية حول المواعدة في صفوف الراشدين، إلا أن عيش الحياة الاجتماعية بعيدا عن سحر الإنترنت تراجع بشكل واضح في صفوفهم أيضا. وكل ذلك الحديث حول الاجتماع أمام التلفاز لمشاهدة المسلسلات والأفلام ثم إقامة العلاقة الجنسية في نهاية السهرة، تحول اليوم لدى الكثير من الشبان والشابات إلى الاكتفاء بالمشاهدة فقط.

في المقابل، يبدو أن الأفلام الإباحية تلعب دورا مهما في تفاقم هذه الظاهرة، إذ أن نسبة لا بأس بها من الساعات التي يقضيها الشباب الأمريكي أمام الشاشات تخصص لمشاهدة الجنس الافتراضي، بدلا من الممارسة الحقيقية. وقد أشار فريق بحث يقوده عالم الاقتصاد، جوزيف برايس، إلى أن “نظرة فاحصة على تغير المواقف والسلوكات في المجتمع الأمريكي بين سنة 1973 و2012، تكشف تزايد مشاهدة المواد الإباحية في صفوف الشباب”.

ويعزى سبب إقبال هؤلاء الشبان على مشاهدة الأفلام الإباحية إلى أنهم يقولون لأنفسهم “لماذا نخاطر بتعريض أنفسنا للرفض، والإصابة بالأمراض المنقولة جنسيا، أو خوض الجدالات والخلافات الزوجية، أو الاضطرار للبحث عن شريك مناسب، بينما يمكننا بكل بساطة مشاهدة الأفلام الإباحية بكل خصوصية في غرفة نومنا والاستمتاع بحرية؟”. وفي هذا الإطار، يشار إلى أن موقع “بورن هاب”، وهو أكبر منصة للأفلام الإباحية في الولايات المتحدة، شهد ارتفاعا في عدد المشاهدات اليومية، من 10 مليون سنة 2009 إلى 25 مليون سنة 2012، ثم 75 مليون سنة 2017.

ولكن، هذا لا ينفي أن هذه الثورة الجنسية المضادة تتمتع بجوانب إيجابية، إذ يبدو أنها بدأت تتكشف بمرور الوقت، ومن أبرزها أن حركة “#أنا أيضا”، التي دفعت الرجال والنساء لإيلاء المزيد من الأهمية والالتزام لمسائل الرضا والقبول أثناء العلاقة الجنسية.

ربما تكون هذه الثورة المضادة قد أدت فعلا لتراجع إقبال الشباب على الجنس، وكل الأحاديث والسلوكات غير المرغوبة، الغريبة أو المسيئة المرتبطة به، إضافة إلى أنها أدت لتراجع ظاهرة إقامة العلاقات الجنسية العابرة والسريعة.

في هذا السياق، كتبت كريستين إيمبا في صحيفة واشنطن بوست قائلة “ربما يكون الوقت الآن مناسبا لإعادة نشر بعض الفضائل مثل الحذر، الزهد، الاحترام وحتى الحب. ربما ننتبه الآن إلى النظرية القائلة بأن الجنس له دلالات أكثر عمقا من مجرد الترفيه والمتعة، إذ أن مسألة الرضا والقبول ليست هي المسؤولية الأخلاقية الوحيدة التي يجب أن نلتزم بها”.

ربما يكون هذا الأمر جيدا في جزء منه، لأن النساء بشكل عام يستمتعن أكثر بالجنس عندما يكن في علاقات جادة، أكثر من العلاقات العابرة. وفي دراسة أجريت مؤخرا على النساء في الجامعات الأمريكية، من قبل عالمتي الاجتماع جيسي فورد وباولا إنغلند، تبين أن النساء يبلغن النشوة الجنسية في العلاقات الملتزمة أكثر من النزوات العابرة، وأن درجة الاستمتاع عند الرجال والنساء في هذه العلاقات الجدية أكثر مقارنة بالنزوات العابرة. وبذلك، ربما تعني الثورة الجنسية المضادة للنساء الاستمتاع بالالتزام والمتعة المتبادلة، عوضا عن السعي لإشباع شهوات الرجل فقط في العلاقات السطحية.

أما الجانب الآخر الإيجابي في هذه الظاهرة، فيتمثل في تراجع حدوث الحمل في صفوف المراهقات والنساء غير المتزوجات. فقد انخفض معدل الولادات لدى من تتراوح أعمارهن بين 15 و19 سنة بنسبة 51 بالمائة منذ سنة 2007، وعدد الأطفال الذين ولدوا خارج إطار الزواج وصل إلى نسبة قياسية بلغت 40.6 بالمائة سنة 2008، إلا أنه بدأ بالانخفاض منذ ذلك التاريخ، حتى وصل إلى 39.8 بالمائة خلال سنة 2016. ومن المنتظر أن يواصل الانخفاض خلال السنوات المقبلة، باعتبار أن المزيد من الشباب يفضلون تأجيل الجنس ويتجنبون الدخول في علاقات عاطفية.

مما لا شك فيه، يعد هذا التغيير الأول من نوعه منذ ستينيات القرن الماضي، وهو يعتبر خبرا جيدا باعتبار أن الأطفال الذين يولدون داخل مؤسسة الزواج يحظون بفرص أفضل لتجنب الفقر، والتمتع بحياة عائلية مستقرة، وتحقيق النجاح في التعليم ومستوى المعيشة.

ومع ذلك، قد يكون لهذه الثورة الجنسية المضادة جوانب سلبية أيضا، على غرار ظهور حركة “#أنا أيضا”. ومن بين هذه الجوانب السلبية، أنه خلال هذه الحقبة التي سيطرت فيها المخاوف بشأن مدى قبول الطرف الآخر للعلاقة الجنسية، انتشرت ظاهرة الادعاءات الكاذبة والاتهامات بالاعتداء والاغتصاب، بسبب غموض الخطوط الفاصلة بين ما يمكن اعتباره علاقة بالتراضي أو بالإكراه.

وتجدر الإشارة إلى أن العديد من الحالات التي تم فيها رفع دعاوى قضائية ضد رجال وشباب، قد تسببت في طردهم خارج أسوار الجامعات بعد اتهامهم بارتكاب اعتداءات جنسية، وهو ما ألحق بهم ضررا كبيرا على المستوى المهني، والشخصي والنفسي، رغم أنهم لم يكونوا يشعرون أنهم بصدد ارتكاب جرم أثناء إقامتهم للعلاقة.

بناء على ذلك، ربما تجعل هذه التغيرات الثقافية في مواقف الناس من الجنس والعلاقات الكثير من الرجال يترددون في التعبير عن رغبتهم أو عاطفتهم تجاه المرأة، وهو ما قد يؤدي إلى تراجع العلاقات العاطفية والزيجات. وقد كتبت الروائية ليونيل شرايفر حيال هذه المسألة قائلة “في أثناء تأدية رقصة المغازلة التي تتسم بالتعقيد، ينبغي على أحد الطرفين القيام بالخطوة الأولى، حتى يكتشف ما إذا كان الطرف الآخر يبادله نفس المشاعر، لذلك عليه أن يقوم بحركة جريئة ويضع نفسه أمام احتمال التعرض للرفض”. وأضافت ليونيل “وأنا أخشى الآن أننا أصبحنا على وشك شيطنة أو حتى تجريم الرغبة الذكورية. وبمعنى آخر، يمكن لهذه الثورة الجنسية المضادة أن تلقي بظلالها على الرومانسية والعلاقات وحتى الزواج، إذا أصبح عدد كبير من الرجال العزاب يخافون من القيام بالمبادرة”.

ربما تكون إحدى المضاعفات، الأقل غرابة والأكثر ضررا، لمسألة تراجع الاهتمام بالجنس، هي أن معدلات الولادات على المستوى الوطني تواصل الانحدار نحو مستويات قياسية. فمنذ بداية الأزمة الاقتصادية العالمية، انخفضت الولادات في الولايات المتحدة، ولكن حتى بعد تعافي الاقتصاد في السنوات الأخيرة، تواصل هذه النسبة تراجعها منذ سنة 2014 في صفوف النساء تحت سن الثلاثين عاما. ونتيجة لهذه الثورة الجنسية المضادة، تراجعت معدلات النمو الطبيعي في الولايات المتحدة، بكل ما يعنيه ذلك على المدى البعيد من تأثيرات على القطاع الصحي والقوى العاملة وقاعدة دافعي الضرائب.

مع مرور الوقت، وتزايد التضييق على قدوم المهاجرين، سيترجم تراجع الولادات إلى تراجع في عدد العمال وانخفاض في الاستهلاك، وهو ما سيؤدي في نهاية المطاف إلى الانكماش الاقتصادي، وكساد الاستثمارات، وتفوق نسبة المتقاعدين على العمال النشيطين الذين يدفعون الضرائب، وهو ما سيثقل كاهل برامج الرعاية الاجتماعية والعلاج الطبي.

وللأمانة، نحن لسنا متأكدين مما إذا كان النشاط الجنسي سيواصل تراجعه؛ إذ أن مؤشرات هذه الظاهرة ربما تبدأ في التحرك في الاتجاه المعاكس. ولكن إذا لم يحدث هذا الأمر، وتواصل تراجع معدلات النشاط الجنسي لدى الأشخاص، وأدت في النهاية المخاوف بشأن الانتهاكات الجنسية والمشاكل القانونية إلى اختفاء المشاعر الرومانسية، وتسبب تعلق الناس بالشاشات في صرف اهتمامهم عن العالم الحقيقي والعلاقات الواقعية، فإن هذه الاحتمالات ستجعل الولايات المتحدة تدخل في خطر دوامة الانكماش الاقتصادي والاجتماعي مثل الذي تعاني منه اليابان حاليا.

فقد شهدت اليابان تراجعا مخيفا لإقبال الأشخاص على الجنس والعلاقات الاجتماعية والزواج، خاصة في صفوف الشباب خلال العقد المنقضي. ويعزى ذلك في جزء منه إلى أن الرجال والنساء يواجهون صعوبة أكبر في تأسيس العلاقات الرومانسية والمحافظة عليها، كما أنهم ينشغلون أكثر من أي وقت مضى بوسائل الترفيه الافتراضية على شبكة الإنترنت، مثل مسلسلات الأنيمي، ومنصة “لاين” التي تعد أهم شبكة تواصل اجتماعي في اليابان.

وفي نهاية المطاف، أدت هذه الظروف إلى تزايد الرجال الذين يوصفون بأنهم “عاشبون”، بمعنى أنهم غير مهتمين بالجنس. وفي هذا الصدد، قال شاب يدعى آنو ماتسوي يبلغ من العمر 26 سنة، خلال ظهور له على شبكة البي بي سي، “ليست لدي الثقة والشجاعة اللازمة لدعوة النساء للخروج في موعد، فقد تعرضت ذات مرة للرفض ما أدى لتقويض ثقتي بنفسي، وهناك الكثير من الرجال مثلي يجدون النساء كائنات مخيفة”.

في الواقع، تشير الإحصائيات إلى أن أكثر من ثلث الشبان والشابات اليابانيين، المتراوحة أعمارهم بين 18 و34 سنة، اعترفوا بأنهم لازالوا محافظين على عذريتهم. ولكن ما هي خطورة هذا الأمر؟ لقد أدى تراجع الجنس والزواج في اليابان أدى لإضعاف مؤسسة العائلة، حيث يشهد هذا البلد أحد أضعف معدلات الخصوبة في العالم، بمعدل 1.41 طفل لكل امرأة، إلى جانب تراجع التعداد العام للسكان بأكثر من مليون نسمة منذ سنة 2010.

في ظل هذا الوضع، تواجه الشركات اليابانية الآن صعوبة في العثور على موظفين، فضلا عن أن الحكومة تواجه صعوبة في دفع المعاشات في القطاع العام بسبب تزايد عدد المتقاعدين على حساب العمال النشيطين. كما تعاني اليابان من أكبر نسبة من الدين العام من بين كل دول العالم. ويعني هذا النمط الاجتماعي الياباني أن ملايين الأشخاص في هذا البلد يعيشون في الوحدة.

 وقد أظهرت قصة صادمة نشرتها نيويورك تايمز مؤخرا، حجم التصدع الذي أصاب الروابط العائلية، وهو ما يعني أن جيلا كاملا من كبار السن يقضون آخر أيامهم بمفردهم، ويعيشون في العزلة التامة لأسابيع طويلة، إلى حين رحيلهم عن الدنيا.

لحسن الحظ، لم تصل الولايات المتحدة لحد الآن للمرحلة التي تعاني منها اليابان، من تراجع في الإقبال على الزواج ونسبة الخصوبة. ولكن الخطر الذي تمثله حركة “#أنا أيضا”، إلى جانب اهتمامنا المتزايد بالشاشات وخوفنا من الالتزام، قد يدفع بنا إلى المأزق الذي وقعت فيه اليابان. ولكن إذا نجحت حركة “#أنا أيضا” في الترويج للعلاقات الجادة والجنس المقبول لدى الطرفين، فإننا سنشهد إحياء ليس فقط للعلاقات السعيدة، بل أيضا استعادة لثقة الناس في مؤسسة الزواج وشعور الأمومة والأبوة.

وكما هو الحال دائما فيما يتعلق بالجنس، فإن الطريق الذي سوف تختاره الولايات المتحدة سوف تكون له تبعات هامة.

ترجمة ميم للمقال الذي نشر في مجلة بوليتيكو الأمريكية الشهيرة

الكاتبان: برادفورد ويلكوكس، أستاذ محاضر في the American Enterprise Institute ومدير المشروع الوطني للزواج   National Marriage Project بجامعة فرجينيا، وصامويل ستيرجن رئيس مركز المعلومات الديمغرافية Demographic Intelligence

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد