مجتمع

الحب في مجتمعات الاستهلاك.. ضحية الحداثة

مجتمع

 

خلال توجهه إلى عمله كل يوم، يركب أحد الشباب الحافلة، بينما يمر بجانب الحافلة المزدحمة ذاتها شاب في نفس عمره تقريبا يركب سيارة على أحدث طراز، لنقل على سبيل المثال “بي ام دبليو”، في لحظة تقاطع الأبصار يتشكل لدى كل من الشابين احساس بوجوده “المادي” ليرى الشاب الأول نفسه “حافلة”، بينما يرى الثاني أنه”بي أم دبليو”، إنه مفهوم التشيؤ الذي يتحدد من خلال ما يمتلكه الفرد من أشياء ويحدد قيمة علاقاته مع الآخر من خلال قيمة الأشياء ذاتها

ثقافة الفالنتاين تجتاح المجتمعات العربية

الفكر، الفن، العلم، المشاعر، العلاقات الإنسانية كلها دخلت في سلسلة البيع والشراء اليومية المتداولة وأصبح الوجود الانساني ذاته معروضا في بورصة ضخمة معرضة في أي وقت إما لارتفاع أسهمها أو انهيارها، وهو ما رسخته الثقافة الاستهلاكية.

يقول د. الطيب بو عزة: “تسعى هذه الثقافة المهيمنة إلى تجذير ما يسميه  رجاء جارودي (إنسان السوق) أي الإنسان الاستهلاكي، إنسان يدور ويلف حول الأشياء، منشغلا كليا بالسعي نحو امتلاكها.

جاءت الحرب العالمية الثانية بنتائج لا على المستوى السياسي وإعادة رسم خارطة العالم فقط، بل بافرازات اجتماعية و اقتصادية خلخلت جذريا النمط الموجود سابقا، وأسست للثقافة الاستهلاكية باعتبارها هي المنفذ الأول للنظام الرأسمالي للحفاظ على هيمنته وربح المزيد من التوغل داخل الأفراد والمجتمعات، ومنها المجتمعات العربية، المستهلك الاول لكل ما تصتعه الآلة الغربية، بل وتقوم بإعادة استهلاك النفايات الاجتماعية والاقتصادية التي يتم التخلي عنها هناك، لتتخذها نمطا وأسلوب حياة هنا، دون الوعي بخطورة هذه الثقافة الوافدة على خصوصية الفرد و المجتمع.

 

الناقد المصري جلال أمين

ويرى الكاتب والناقد المصري د. جلال أمين أن ثقافة الاستهلاك “ثقافة مجتمع تحتل فيه كثرة ما يحوزه الفرد من السلع مكانة عالية وتنال تقديرا مبالغا فيه في سلم الأولويات “، وفي أثناء ذلك الصراع للحصول على السلع يتنازل الإنسان عن القيم الأخلاقية والإنسانية،  بل الدينية أيضا، فوجوده بدرجة أو بأخرى لم يعد مرتبطا بهذه القيم، بل “باستهلاكه  فكلما زاد الاستهلاك؛ كلما أثبت وجوده أكثر فأكثر، إلى أن تحول الأمر إلى ما يشبه الجنون”.

الحب.. سلعة الرأسمالية الرائجة

كغيره من التمظهرات الإنسانية، لم يكن الحب، كمفهوم مجرد او كعلاقات انسانية بمنأى عن التوظيف والاستثمار، فهو سلعة تدر مدخولات ضخمة، حيث أشارت دراسات أن قطاع تجارة بطاقات المعايدة  والورود تزيد مبيعاته بنسبة 20 بالمائة في يوم عيد الحب أكثر من أي يوم اخر في السنة.

وكان تقليد تبادل البطاقات بين المحبين معروفا في العصور الوسطى، لكنه تحول إلى عمل تجاري مربح في القرن التاسع عشر، عندما أسهمت الثورة الصناعية في توفير بطاقات مصنعة.

ففي عام 1916، بدأت شركة بطاقات باسم “هولمارك” في ولاية ميسوري بالولايات المتحدة، تصنيع بطاقات مخصصة للفالنتاين، لتتغير بذلك طبيعة الاحتفال في أرجاء العالم. وأصبحت الشركة جزءا من صناعة تبيع 132 مليون بطاقة في هذه المناسبة.

وبحسب استبيان اتحاد المبيعات الوطني لإنفاق المستهلكين في يوم عيد الحب، من المتوقع أن تنفق الولايات المتحدة 18.9 مليار دولار على الهدايا والبطاقات الخاصة بالفالنتاين هذا العام. ويبلغ بذلك متوسط إنفاق الفرد الأمريكي في الاحتفال بهذه المناسبة حوالي 142.31 دولار.

الحب ضحية الحداثة

تقلصت المساحة الخصوصية للفرد اليوم، بعد هيمنة العولمة والتكنولوجيا على كل الجوانب الحياتية، ما أدى  إلى تحويل العلاقة العاطفية إلى “سلعة” يتم تقييمها وفقا لمنطق “اقتصادي وتجاري” مبني على “الربح والخسارة”، ويمكن الاستغناء عنها حينما لا تلبي رغباتنا “كمنتج تم استهلاكه”.

في مؤلفه “الحب السائل”، يشير باومان إلى أن التأقيت والمدى القصير اللذين تقوم عليهما حسابات المجتمع الاستهلاكي الحديث، يقومان بتوليد الحاجات بشكل مستمر، وتحويل كل قديم إلى شيء مستهجن يستحق أن يوضع في سلة النفايات، بما في ذلك المشاعر والأجساد والصلات.

 

المجتمعات العربية، سوق مربحة

 

كشف باومان ببراعة، النقاب عن هشاشة العلاقات الانسانية الحديثة التي أصبحت فيها الروابط الأسرية والعاطفية متآكلة، وأدت إلى انتشار ثقافة العلاقات السريعة عبر الشبكات الالكترونية التي أصبحت تمثل البديل الوهمي “الآمن” عن العلاقات الحقيقية بكل ما تحمله من مخاطر، كالفشل والإحباط  والوحدة، ودمرت ما تتسم به العلاقات الوجدانية من عفوية وتلقائية عاطفية.

حيث يرى باومان أن التأقيت والمدى القصير اللذين تقوم عليهما حسابات المجتمع الاستهلاكي الحديث يقومان بتوليد الحاجات بشكل مستمر، وتحويل كل قديم إلى شيء مستهجن يستحق أن يوضع في سلة النفايات، بما في ذلك المشاعر والأجساد والصلات.

يرى باومان أن “وحدة النوع البشري الذي تصوره كانط ربما يتناغم مع قصد الطبيعة، لكنه بالتأكيد لا يبدو حتمية تاريخية، فعدم قابلية السيطرة على الشبكة العولمية للتبعية المتبادلة و”الهشاشة المتبادلة المؤكدة” لا تبشر قط بتلك الوحدة. ولكن هذا يعني أن البحث عن الجماعة البشرية والممارسة التي تترتب على هذا الافتراض صارا حاجة ملحة وواجبا عاجلا في هذه الازمنة أكثر من أي وقت مضى”.

لحظة تاريخية حرجة تمر بها الإنسانية، طغى فيها التشيؤ على الروابط التي تؤسس لوجود إنساني متكامل، وارتهن الفرد بالوجود المادي للأشياء التي تفقد قيمتها وبالتالي يفقد “الإنسان المشيّأ” وجوده معها، لذا وجبت عملية مراجعة شاملة لما  يجعل الإنسان إنسانا، والحفاظ على المعاني التي تميزه التي لعل أهمها العواطف والمشاعر، حينها يمكن الحديث عن “عيد للحب”.

الوسوم

فاتن عمري

عضو تحرير فريق مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد