الرئيسي

الجسد وإشكال المعنى

بقلم: جميلة تِلوت

 

يقول ميرلو بونتي: الجسم هذا “الرائي المرئي” هو “وسيلتنا العامة لامتلاك العالم”[2].

يحظى الجسد اليوم بمكانة كبيرة في الدراسات البحثية سواء الدين والفلسفة والاجتماع وعلم الأعصاب والبيولوجيا والفنون وغيرها.. وتتفاوت طروحات الجسد ومقاربات تناوله حسب المجال المعرفي؛

ما الجسد؟ وما علاقة الجسد بالمعنى؟ وما حدود الجسد؟ وما دور الجسد في الفضاء العام؟ وما أوجه التماثل والتمايز بين الجسد الأنثوي والذكوري من حيث الوظيفة و الرموز؟ وكيف تطور الجسد عبر سياقات التاريخ؟ وكيف يتفاعل الجسد مع التغيرات الثقافية والسياسية والاقتصادية؟ وغير ذلك من الأسئلة، التي يثيرها “الجسد” باستعاراته المتعددة، كانت محل بحث من عدد من الباحثين من مختلف الحقول المعرفية، ونلحظ تطورا بالغا في الاهتمام بتيمة الجسد في العقود الأخيرة، ويمكن القول إنه بناء على منظورنا للجسد يتحدد منظورنا للإنسان والعالم، ومن هنا ننتقل للحديث عن الجسد في أبعاده الثقافية والعلمية البحتة، بل وحتى الدينية؛ إذ يكتسي سؤال الجسد اهتماما بالغا في تداولنا الإسلامي؛ إلا أنه لا يتحدث عنه كسؤال مجرد، وإنما كقضايا متفرقة دون تخصيصه بالتساؤل العلمي.

إن ما يعنيني في هذا المقام الحديث عن الجسد في علاقته بالمعنى وبتصورنا للعالم، ونجد بعض الأجوبة عن هذا السؤال في مقاربات الدين والفلسفة والعلم، ومن بين أبرز وألمع من ركز على علاقة الفكر بالجسد موريس ميرلو بونتي[3] Maurice Merleau-Ponty  وجون ديوي John Dewey وديفيد لوبرتون David le Breton، إلا أن دراسات هؤلاء لم تلق تفاعلا واضحا في تداولنا العربي إلا مؤخرا، ربما لتعقد التيمة، أو لحساسية الموضوع لارتباطه بقضايا تنتمي لمجال “الطابوهات”، أو ربما لعدم إدراكنا في علاقة الجسد في تصوراتنا للعالم… وعلى العموم فإن هذه البحوث تسعفنا في النظر إلى دور التجربة الجسدية في النظر والتفكير باعتبارها أساسا أوليا للمفكر فيه ومن ثمّ الوعي، ومن هنا يكون تشكيل الوعي رهينا بتصورنا للجسد.

لا يخفى أن السير في هذا الخط الفلسفي يتميز بكثير من التعقيد نظرا لتركب التجربة الجسدية نفسها، وارتباطها بتصور الإنسان للوجود والعالم، ومن هنا نفهم تعقد المقاربات الفلسفية في معالجة موضوع الجسد في علاقته بالمعنى والوجود.

ويمكن تعداد مجموعة من الدراسات والكتابات المتميزة التي سلطت الضوء على الجسد في علاقته بالمعنى والوجود والثقافة  والحداثة والقيم والاجتماع، منها مؤلفات  الأنثربولوجي الفرنسي دايفيد لوبروتون david le Breton المتعددة عن الجسد anthropoligie du corps et modernité  و l’adieu du corps و la sociologie du corps، إذ قال في تقديم الكتاب في نسخته العربية: “إن الشرط الإنساني جسدي، حيث الجسد مادة الهوية على المستوى الفردي والجماعي، والفضاء الذي يمنح نفسه للنظر والقراءة وتقدير الآخرين. فبفضله نحن معينون، معترف بنا، ومحددون بانتماء اجتماعي، بجنس، بسن، بلون الجلد، وبخصلة فريدة في الإغراء.

يرافق الجلد الجسد، ويقيم حدود الذات بين الخارج والداخل بشكل حي، إنه مسامي لأنه منفتح على العالم، وذاكرة حية. لأنه يلف ويجسد الشخص من خلال تمييزه عن الآخرين، ويربطه بهم، حسب العلامات المستعملة.

إن الجسد هو التوتر الهوياتي للإنسان، للمكان والزمن، حيث العالم يتخذ جسمًا. للفكر جسدانية مثلما للجسد ذكاء، فمن تقنيات الجسد إلى التعبيرات الوجدانية، من الإدراكات الحسية إلى التسجيلات الغلافية، من سلوكيات الوقاية إلى سلوكيات التغذية، من طرق الجلوس إلى المائدة إلى طرق النوم، من نماذج تمثل الذات إلى العناية بالصحة والمرض، من العنصرية إلى التمركز، من الوشم إلى الثقب، يعتبر الجسد مادة لا تنضب للممارسات الاجتماعية، للتمثلات، للمتخيلات. إذ من المستحيل الحديث عن الإنسان بدون أن نفترض بشكل أو بآخر بأن الأمر يتعلق بإنسان من لحم، معجون ومشكل من حساسية خاصة. إن الجسد “أداة عامة لفهم العالم” على حد قول ميلوبونتي.

كيف يمكن أن نستوعب الفرد بدون تجسيده، في الوقت الذي تمرر فيه عادة العلوم الاجتماعية الجسد تحت الصمت، وتعتبره بدون شك خطأ، كبداهة أولية حاجبة بالتالي لبيانات تستحق الكثير من الاهتمام. إذا كانت السوسيولوجيا (علم الاجتماع) تهتم بالعلاقات الاجتماعية، والفعل المتبادل بين الرجل والمرأة، فإن الجسد دائما حاضر هنا. في قلب كل التجارب.

يقتضي وجود الإنسان حضورا حواسيا، إيمائيا، وضعيا، ميميا، بحيث يكون هذا الحضور مسننا اجتماعيا وواضحيا عمليا من طرف الفاعلين في كل ظروف الحياة الجماعية داخل نفس المجموعة.

إن فهم العالم هو نفسه فهم الجسد عبر وساطة العلامات الاجتماعية المستوعبة، المفككة والموظفة من طرف الفاعل، فالجسد موجه لفهم العلاقات بالعالم والإنسان”[4].

إن تحليل هذا الضرب من المقاربات بالتفاعل معه فهما ونقدا واستثمارا وتتميما وتكميلا من شأنه أن يجعلنا نعيد النظر في مقاربة الجسد وفق تداولنا، ويمكن أن يضاف إلى هذه المعالجة مقاربة أخرى تشترك معها في ربط الجسد بالمعنى، وذلك نحو ما نجده في كتاب “الفلسفة في الجسد”  الذي ألفه كل من جورج لايكوف ومارك جونسون[5]، وهذا الكتاب هو شبه استمرارية لكتابهما الأول: “الاستعارات التي نحيا بها”، إذ يقوم على قاعدة أن اللغة ترمّز طريقة تصورنا للعالم، ومن ذلك الجسد إذ يفيد “حقل الاستعارات” على معرفة تصورات الجماعة العلمية للجسد.

ومن ثمّ؛ يقوم كتاب “الفلسفة في الجسد” على مقاربة أعطت مكانة مركزية للجسد في ما يجربه الإنسان ويفهمه ويوصله من خلال قضايا الصدق والعلم والذهن والنفس والأخلاق والوجود، وينتج عن ذلك عملية إعادة تفكير في الماهيات الصلبة من خلال مفهوم أعمق للجسد، ثمّ اجتراح آليات جديدة للتفكير في قضايا الإنسان بدل الطرق التقليدية، ومن ثم فإن هذا الضرب من النظر في الجسد تجسير بين الفكر والمادة.. بين الصورة والرمز والمعنى، فوراء كل صورة معنى ترمز إليه.

ومن هنا يصير الجسد “الموضوع” بمثابة الصورة التي تكتنز المعنى، وعليه فإن الاكتفاء بالمعالجة الصورية الجسد تجعل المقاربة آلية، إذ شأن التفكير الآلياتي الصورة، خلاف التفكير العقلي “الإنساني” الذي ينظر للمعنى الثاوي وراء الصورة، وذلك من خلال استنطاق مجموعة الرموز والإشارات التي تحيط بالصورة.

ومن هنا يحسن الاستفادة من مقاربات متعددة لمحاولة الإمساك ببعض المعاني التي يشير إليه الجسد حقيقة واستعارة ومجازا، فيغدو الجسد مجالا للتفكير الأخلاقي المسؤول بدل “التجريب اللامسؤول”، ومن ثم يخرج الجسد  باعتباره “موضوعا” من”اللامفكر فيه” إلى حيز “المفكر فيه” ومن باب بحثي واسع.

إن إعادة النظر لتيمة”الجسد” لا يعني أن هذا الموضوع كانت غائبا تماما عن الوعي البحثي، إذ نجد قضايا كثيرة ترتبط بالجسد في حقول معرفية متعددة، إلا أنه يلزم التفريق بين مستويين في مقاربة الجسد؛ المستوى الذي يقارب قضايا تتعلق بالجسد دون أن يكون الجسد في كليته موضوعا للتفكير، والمستوى الذي يقارب الجسد باعتباره تيمة وموضوعا.

لذلك يلزمنا البحث في الجسد في أبعاده الصورية والرمزية والثقافية، ولما كان هذا مجال موسوعات بحثية لا مجرد مقالات، فإني سأسعى في الدراسات القادمة إلى تسليط الضوء على بعض الجوانب التي تحتاج إلى مزيد من التعميق عسانا نسهم في تطوير موضوع “الجسد” وفق مقاربة تتسم بالتنوع والتعدد.

وعلى الله قصد السبيل

 

——————

 

[2] – Merleau-Ponty, phénoménologie de la perception, p175, Tel Gallimard, 1945.

[3] – ينظر كتبه الآتية:
تقريظ الحكمة: ترجمة محمد محجوب، دار أمية.

المرئي واللامرئي، ترجمة الحبيب الشاروني، المنشأة للمعارف.

Phénomenologie de la perceptions, Editions Gallimard.

[4] – سوسيولوجيا الجسد، دافيك لو بروتون، ترجمة عياد أبلال وإدريس المحمدي، ط1، 2014، القاهرة: روافد للنشر والتوزيع، ص7-8-9.

[5] – الفلسفة في الجسد: الذهن المتجسد وتحديه للفكر الغربي، جورج لايكوف ومارك جونسون، ترجمة وتقديم: عبد المجيد جحفة، ط1، 2016، دار الكتاب الجديد المتحدة.

الوسوم

جميلة تلوت

باحثة في الفكر الإسلامي من المغرب

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق