سياسة

الاقتصادات العربية: بين عجز الموازنات والاحتجاجات الشعبية

مجتمع

 

مع اعلان عدة دول عربية عن ميزانيات سنة 2018، غدا واضحا للعيان مدى هشاشة اقتصادياتها والعجز الكبير في مختلف قطاعاتها، ضعف سعت لتغطيته باعتماد سياسات متشابهة في الرفع في الأسعار والضرائب ومزيد الضغط على الطبقات المتوسطة بدعوى توفير موارد للميزانيات، ورفع شعارات التقشف والضغط على المصاريف وتجميد الانتدابات في القطاع العام والدفع به نحو الخوصصة.

كل هذه الاجراءات التي أقرتها عديد الحكومات في العالم العربي وعلى رأسها تونس والمغرب والسودان والأردن والعراق وليبيا، اشتركت في كونها تنتهج استراتيجية محددة وطريقا واضحا رسمه صندوق النقد الدولي وأطلقت عليه تسمية “المسار الإصلاحي” للأنظمة التشريعية والإقتصادية لهذه الدول، مقابل الحصول على قروض سواء مباشرة، أو بالتوصية لدى المؤسسات المالية الدولية الكبرى. وقد لاقى هذا التوجه انتقادا من عديد الخبراء الاقتصاديين الذين عدوه تدخلا واضحا ومباشرا في سيادة الحكومات العربية لتوجيهها غلى ما يتلاءم مع متطلبات المرحلة السياسية الحالية والسيطرة المطردة على قراراتها الخارجية فيما يتعلق بمصالح اللوبيات النافذة في العالم، خاصة فيما يتعلق بأزمة الخليج وقرار الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني.

سياسات التفقير.. والاحتجاجات

تداعيات موازنات 2018 التي شملت أيضا تخفيض الدعم لعديد القطاعات الحيوية، كالصحة والتعليم و غيابا شبه كلي للمشاريع التنموية ومصادر خلق الثروة، لم تمر مرور الكرام. فقد اندلع احتجاجات شعبية في عدد من الدول العربية، لمواجهة سياسة تفقير الوطن العربي، الذي يعيش 40 في المائة من سكانه تحت خط الفقر، وحوالي 142 مليون مواطن عربي يعيشون بأقل من ثلاثة دولارات يوميا و25 في المائة من شبابه عاطلون عن العمل، فيما تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن معدلات البطالة قد تصل إلى 14 في المائة بحلول سنة 2030، إذا استمرت معدلات النمو وخلق فرص العمل بوتيرتيهما الحاليتين.

تونس.. مطالب بإسقاط الميزانية

جوبهت موازنة سنة 2018 التي اعلنت فيها الحكومة التونسية عن إجراءات لرفع الضرائب وزيادة في أسعار المحروقات وبطاقات شحن الهواتف وخدمات الإنترنت، وشملت أيضا  المواد الاستهلاكية و2200 نوعا من الأدوية دخلت تحت طائلة الزيادة في الضرائب بمقتضى قانون المالية الجديد، باحتجاجات واسعة في عدد من محافظات البلاد، طالبت خلالها عديد الفئات بالتخفيف من الإجراءات التقشفية ومراعاة الوضعية الهشة للمواطن التونسي، في وقت بلغت فيه نسبة التضخم المالي مستوى غير مسبوق لتصل الى 6.9 في شهر يناير/كانون الاول الفارط، وتدنت فيه المقدرة الشرائية و تراجعت فيه الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم عن لعب دورها الرئيسي في تلبية حاجيات المواطنين، مفسحة المجال للقطاع الخاص لفرض خدماته باهضة الثمن.

 

 المغرب.. احتجاجات ضد التهميش والفقر

شهد المغرب في الأشهر الماضية موجات من الاحتجاجات الاجتماعية ولا سيما في مناطقه الفقيرة، حيث يشكو سكان هذه المناطق من التهميش وتخلي السلطات العامة عنهم، بما يحتم على الحكومة رفع شعار البحث عن “نموج إنمائي جديد”، وهو ما باتت تدعو إليه بصورة متكررة

حيث تعيش مدينة جرادة (شمال شرق المغرب)، والتي تواجه أزمة معيشية حادة منذ إغلاق منجم مهم في تسعينيات القرن الماضي، على وقع  مظاهرات سلمية إثر مقتل عاملي منجم في نهاية ديسمبر/كانون الأول الماضي في بئر غير قانونية لاستخراج الفحم الحجري.

ولا يزال السكان يتظاهرون حتى اليوم رافعين أعلاما مغربية للتنديد “بالتخلي” عن مدينتهم والمطالبة “ببديل اقتصادي” عن “مناجم الموت” غير القانونية التي يجازف فيها مئات العمال بحياتهم.

يكشف الواقع المغربي تباينا صارخا بين المناطق خاصة المعزولة منها في أقصى المغرب، وتفشيا شديدا للبطالة وغيابا تاما للتنمية والعدالة الاجتماعية، ما أدى شيئا فشيئا الى تغذية عوامل الاستياء الجماعي وإن تكن بصورة متقطعة إلا أنها تشتد يوما بعد آخر.

السودان.. الشارع غاضب من غلاء المعيشة

شهدت الخرطوم احتاجات شعبية في بداية شهر يناير/كانون الثاني 2018، بعد الإعلان عن الترفيع  في أسعار أسعار الخبز إلى وتوسعت رقعة الاحتجاجات لتشمل الولايات، بعد وفاة  طالب في ولاية غرب دارفور، بينما تزعمت أحزاب معارضة، التحركات الشعبية ودعت الشعب السوداني للخروج في احتجاجات سلمية، لمناهضة القرارات الاقتصادية.
بينما انتقد نواب في البرلمان، سياسة وزارة المالية واتهموها مع جهات حكومية أخرى، بالفشل في محاصرة المشكلات التي تواجه الاقتصاد السوداني، وأبرزها التدهور المعيشي وارتفاع الأسعار، وانخفاض قيمة الجنيه السوداني مقابل الدولار.

 

الأردن و معركة ضد غلاء الأسعار

اتخذت الاحتجاجات الأردنية طابعا شعبيا، بعد غياب مريب للنخب والأحزاب السياسية عن المشهد الحالي ، المتوتر منذ الإعلان عن الزيادة في أسعار الخبز  أواخر الشهر الماضي، حيث انطلقت الاحتجاجات الأولى من مدينة السلط في الأول من فبراير/شباط الحالي، حين تظاهر المئات يهتفون بإسقاط الحكومة والتراجع عن رفع الأسعار، ويناشدون الملك التدخل لحماية المواطنين، قبل أن تنتقل المناشدات إلى انتقادات محدودة.
منذ ذلك الحين تشهد المدينة احتجاجات يومياً، لكن أخطرها تلك التي أعقبت زيارة الملك عبد الله الثاني للمدينة قبل نحو عشرة أيام، والتي تطورت إلى أعمال شغب بعد إقدام محتجين على إشعال الإطارات، لكن الاحتجاجات الاكثر عنفا، شهدتها مدينة الكرك، التي تطورت فيها التحركات إلى مواجهات متقطعة مع قوات الدرك.

 

العراق.. الخلافات السياسية تعطل ميزانية 2018

شهدت العراق عثرات في المصادقة على ميزانية سنة 2018، للمرة الثالثة على التوالي، بسبب خلافات بين الكتل السياسية، حيث اعتبر أعضاء تحالف القوى (سنة)، أن عدم تضمين الموازنة لأي فقرة تتعلق بإعادة إعمار المدن والمحافظات الشمالية والغربية والوسطى المدمرة من تنظيم داعش، غير منصف، مطالبين بتخصيص تعويضات للسكان عن تدمير منازلهم ومصالحهم التجارية، وكذلك تعويض ذوي الضحايا وفقا للدستور النافذ في البلاد.

بينما تطالب البصرة عبر نوابها بأن يكون لها حصة أكبر من باقي المحافظات، باعتبار أنها تنتج أغلب نفط العراق، ومنها يصدر وتتحمل عبء ذلك دون غيرها من المحافظات الأخرى.

وحملت الموازنة المقدمة إلى البرلمان إجراءات تقشفية جديدة استهدفت دخل المواطن البسيط مع تسجيل عجز بقيمة 11 مليار دولار.

 

 عجز الموازنات.. وغياب الحلول

اشتركت أغلب الدول العربية لدى إطلاقها لمشاريع موازناتها المالية المقررة لسنة 2018، في سمات محددة تدل على فشل السياسات المتبعة لبنائها، منها إقرار المزيد من الضرائب الاستهلاكية كالضريبة على القيمة المضافة وضرائب المبيعات، والترفيع في أسعار المواد الاستهلاكية والمحروقات والخدمات، ورفع الدعم وضبط المصروفات تحت مسمى سياسة التقشف، إضافة إلى تعويم العملات المحلية والارتهان إلى القروض الخارجية لتسديد العجز الموجود في الميزانيات.

هذه السياسات التي وصفتها  الحكومات العربية بأنها “إصلاحية وتأتي لزيادة نسب النمو، يرى خبراء عديدون أنها خيارات فاشلة لكونها تقلص الانفاق على المشلاريع التنموية ونتحد من فرص الاستثمار الذي يمنع بدوره خلق الثروة ويدفه بالاقتصاد للدخول في حلقة مفرغة من التداين الخارجي والداخلي ومزيد رفع سقف “التقشف” إلى الحد الذي يخنق المواطن.

بالتالي فإن الضغط المتواصل على الطبقة المتوسطة سيؤدي إلى إحداث توتر إجتماعي واحتقان ينتج عنه احتجاجات شعبية، والتي ستؤدي بدورها إلى إيقاف عجلة الإنتاج كليا و تبقى الدوامة غير المنتهية تواصل دورانها، فبما يمكن أن يكون لتنويع المشاريع التنموية وترشيد سياسة الاقتراض الخارجي و الرفع من الضرائب بصورة مدروسة أثر إيجابي في الدفع بالاقتصاد نحو الانتعاش على المدى المتوسط والبعيد ويزيد من فرص الشغل والانتاج وتحقيق  الاستقرار السياسي والاجتماعي.

الوسوم

فاتن العمري

عضو تحرير فريق مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد