مجتمع

الإذاعات العربية.. إرادة البقاء وقوة الانتشار

مجتمع

 

“هنا برلين حي العرب” هكذا اعتاد يونس بحري أن يفتتح برنامجه الإذاعي من برلين، ومن هناك صدح صوته مرددًا هذه العبارة التي اشتهر بها أينما حل، ويونس بحري هو رحالة وصحفي ومذيع وإعلامي وأديب عراقي أسس عدة إذاعات، وهو مؤسس أول إذاعة عربية في أوروبا عام 1939، وهي إذاعة برلين العربية التي كانت تبث من ألمانيا وموجهة إلى الوطن العربي، وكان يذيع على الهواء خطبًا رنانة ويلقي خلالها بالشتائم على بعض الملوك والرؤساء العرب.

ومن هنا نفهم أهمية الإذاعة ودورها في التأثير على نطاق واسع في المجتمع، منذ نشأتها، ونفهم أنها مصدر معلومات قوي، وهي من بين وسائل الإعلام التي تصل الجمهور على أوسع نطاق في العالم، في عصر التقنيات الجديدة وهي لا تزال أداة اتصال قوية.

ورغم أن الاذاعة تواجه بشكل عام تحديات كثيرة في الوقت الحاضر مع انتشار وسائل إعلام أخرى، مثل الفضائيات ومواقع الانترنت التي تجتذب قطاعاً واسعاً من الجماهير، غير أنها تظل بالنسبة إلى الكثيرين صديقاً وفياً يشتاقون لسماعه، ويرون فيه وسيلة مريحة لتلقي الأخبار ومتابعة البرامج في أي وقت، وفي كل مكان.

واعتبرت دراسة أجرتها منظمة IREX أن الراديو  هو الوسيلة الإعلامية الأكثر انتشارا ووصولاً بين وسائل الإعلام المختلفة.

وقد خصصت منظمة اليونسكو يوما عالميا للإذاعة، كان أول احتفال به في شهر فبراير من عام 2012، بوصفها إحدى الوسائل الأكثر نجاحاً في توسيع الوصول إلى المعارف، وتعزيز حرية التعبير وكذلك تشجيع الاحترام المتبادل والتفاهم ما بين الثقافات.

 

مع ظهور التلفزيون، ازداد عدد مستمعي الاذاعة

وفي خمسينيات القرن العشرين انصرم العصر الذهبي للإذاعة إذ آثر الناس التليفزيون عليها، في مشاهدة العروض الفكاهية والمسرحيات والمنوعات الأخرى واعتقد الكثيرون أنه سيقلل من الأهمية التي حظيت بها الاذاعة في مجال الاتصالات لقِلة عدد مستمعيها، لكن أن هذا الاعتقاد سرعان ما تبدد إذ ازداد مستمعوها بدل أن يتناقصوا.

وتطورت برامج الإذاعة، لاجتذاب المزيد من المستمعين فشملت المقابلات الإذاعية، والمكالمات الهاتفية، إضافة إلى التخصص بإذاعة الأخبار فقط الذي يتميز بنقل الأحداث وتحليلها تحليلاً عميقاً.

فالإذاعة تستطيع أن تطرح قضايا الناس وهمومهم أكثر من التلفزيون، ليس لأن التلفزيون لا يستطيع الوصول إليهم ولكن لسهولة طرح هذه القضايا. فالعمل الإذاعي أقل كلفة وأسهل من العمل التلفزيوني، ناهيك عن أنه يتيح قدرا من الخصوصية تمكن أي شخص أن يتصل هاتفيا بالإذاعة ويطرح قضاياه ويتحاور مع المسؤولين، وهي ميزة تيسر نقل المشاكل والهموم والمشاركة في حلها والتخلص منها.

تونس… ازدهار بعد الثورة

لئن انطلقت أول محطة إذاعية تونسية في العمل بصفة رسمية في 15 أكتوبر/تشرين الأول من سنة 1938، فإنّ سنة 2003 شهدت تغيرا مهما في المشهد السمعي في تونس بدخول أول إذاعة خاصة مجال البث الإذاعي بعد عقود طويلة من سيطرة القطاع العام على كامل المشهد، وهي “إذاعة موزاييك اف ام” الإذاعة الخاصة الأولى وهي تحوز أكبر نسبة استماع في تونس وتغطي ذبذباتها جزءا كبيرا من تراب الجمهورية التونسية.

موازييك اف ام اول اذاعة خاصة في تونس

وإذا كان إذاعة “موزاييك قد فتحت الباب أمام بعض الإذاعات الخاصة الأخرى التي التحقت بالمجال السمعي، إلا أن المشهد الإذاعي التونسي عرف تضخما وازدهارا بعد الثورة التونسية (17 ديسمبر/ كانون الأول 2010 – 14 يناير/ كانون الثاني 2011)، إذ وصل عدد الإذاعات التونسية إلى أكثر من 35 إذاعة، علماً أنها لم تتجاوز 11 إذاعة قبل الثورة.

وبكثرة المحطات، تنوع المشهد الإذاعي التونسي وتميزت كل إذاعة بسماتها الخاصة وبرامجها المختلفة عن الأخرى، فرغم أن بعض الإذاعات لا تبث برامج سياسية، إلا أنها حظيت بنسبة مهمة من المستمعين لتميز برامجها أو الموسيقى التي تبثها. كما انتشرت الاذاعات في المناطق الداخلية وتلك التي لم تغطها الذبذبات الإذاعية قبل الثورة.

“موزاييك” و”جوهرة” و”شمس” و “ابتسامة”.. إلى جانب إذاعات خاصة جهوية، على غرار “صبرة” وأو”كسيجين” و”كاب اف ام” وغيرها، إذاعات اشتدت المنافسة بينها مما جعل المشهد الإذاعي متنوعا وثريا.

ورغم كثرة الإذاعات التونسية وثراء المجال السمعي إلاّ أن بعد الناقدين اعتبروا أن استحواذ عدد من الإذاعات على سوق الإعلانات التجارية، ونقص تمويل الدولة للمشهد الإعلامي جعل من باقي الإذاعات تعاني مشاكل اقتصادية وصعوبات مالية قد تؤدي إلى إغلاق جزء منها.

الأردن.. إذاعات نجحت في التفاعل

منذ تأسيس هيئة الإعلام المرئي والمسموع في الأردن منتصف العام 2003 بموجب قانون صدر في عام 2002، منحت الهيئة تراخيص للبث الإذاعي للشركات الخاصة إذ يوجد الآن 26 إذاعة محلية بالأردن.

حياة FM… فن FM… روتانا FM… المدينة FM.. أمن FM… راديو البلد.. إذاعة الجامعة الأردنية، وغير ذلك من الإذاعات المحلية، هي إذاعات تبث في الأردن، تستهوي آذان المستعمين الأردنيين، وتتميزة كل منها بطريقة وأسلوب في العمل والفئة التي تستهدفها، متناولة قضايا محلية سياسية واجتماعية وثقافية ورياضية وترفيهية، تمتاز بالدرجة الأولى بسمة التفاعلية.

إذ تقوم الشركات المختصة بعمل دراسات إحصائية ميدانية تتعلق بالإذاعات وذلك مرتين بالسنة، كما تقوم الإذاعة بعمل دراسة داخلية كل ثلاثة أشهر تقيس فيها عدد المستمعين ومدى رضاهم عن المحطة.

وقد حصلت الاذاعات الأردنية الخاصة على أعلى نسبة انتشار ووصول بين الجمهور، وبلغت نسبة الاستماع للراديو 46 في المائة، وهو ما خلصت إليه أحدث دراسة أجريت على وسائل الإعلام في الأردن .

وتشير دراسة أجرتها منظمة IREX بالأردن الى أن برنامج “بصراحة مع الوكيل” في اذاعة فن ام اف تصدر قائمة البرامج المفضلة للمستمعين بنسبة 26.6 في المائة.

مصر… صحوة الاعلام الصوتي من جديد

تعد “نجوم إف إم” الإذاعة الخاصة الرائدة الأولى في مصر، والتي انطلقت عام 2003 وكانت أول شبكة إذاعية في المنطقة تقدم “البث المباشر” على شاشات التليفزيون للتواصل مع جمهورها بطرق جديدة وذلك بداية من عام 2015.

ومؤخرا سعت إدارة الإذاعة إلى الوصول لقطاعات من الجماهير في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عبر “النايل سات” عن طريق “نجوم إف إم تي في” حيث سعت الشركة إلى تعزيز مكانتها عن طريق خلق طرق جديدة للتفاعل مع الضيوف والمذيعين بشكل مباشر، كما أطلقت شركة النيل للإنتاج الإذاعي مؤخرا فكرتها المبتكرة “نجوم إف إم المترو” العام الماضي، والذي يسعى للوصول لشريحة كبيرة من المستمعين في هذا المرفق الحيوي والمهم.

 

هنا القاهرة 83 عاما على ميلاد الاذاعة المصرية

 

وساد الاعتقاد بأنّ جمهور الإذاعة في طريقه إلى التقلص مع ازدهار البث المرئي وانتشار القنوات التلفزيونية العامة أو المتخصصة في الأخبار والدراما والسينما خلال عقود صارت الصورة فيها هي الأكثر جاذبية، وفعلياً سحب الإعلام المرئي البساط من تحت أقدام نظيره المسموع، لا سيما مع هجرة نجوم الإذاعة إلى شاشات التلفزيون، غير أن الألفية الجديدة شهدت صحوة للإعلام الصوتي من جديد، صاحَبَتها هجرة عكسية لنجوم الشاشة الصغيرة إلى الميكروفون.

وجاءت الباكورة عبر تأسيس إذاعة «نجوم إف إم» في العام 2003، التي حظيت بجماهيرية كبيرة خصوصاً بين قطاع الشباب، فاستقطبت وجوهاً تلفزيونية كيوسف الحسيني الذي كان أحد مؤسسيها، والتحق بها مزيد من الوجوه التلفزيونية بينهم مريم أمين وشريف مدكور وإبراهيم عيسى، فيما قدمت مذيعة التلفزيون المصري شافكي المنيري خلال رمضان الماضي برنامجاً عبر أثيرها.

ولم تغب الدولة المصرية عن تلك الطفرة في الإعلام المسموع، ففي العام 2009، تم تأسيس شبكة الإذاعات المتخصصة ومنها «راديو مصر» و «ميغا إف إم»، إضافة إلى إذاعة «راديو هيتس» التي ضمت إلى أثيرها الإعلامي أسامة كمال ليقدم برنامج «من غير سياسة»، وعلى الأثير ذاته، تقدّم مذيعة قناة «إكسترا نيوز» أسماء مصطفى برنامج «في بيتها»، كما تقدم مذيعة «أون تي في» السابقة مارينا المصري أحد برامجها.

بينما استقطبت إذاعة «9090» عدداً من الوجوه التلفزيونية منهم الإعلامية سناء منصور ومذيعة التلفزيون المصري معتزة مهابة، ونجم «دي إم سي» رامي رضوان، ومذيع البرامج الرياضية إبراهيم فايق،، وغيرهم من نجوم التلفزيون.

ومع انتشار المحطات الإذاعية في القاهرة والتنافس بينها وحصدها الملايين من المستمعين نظراً إلى سهولة متابعتها، لم يتمكن التلفزيون ولا وسائل التكنولوجيا الحديثة، من إزاحة مكانة الإذاعة وقربها من مستمعيها، وتبدو الصورة نفسها متكررة في عدة دول عربية ظل أهلها اوفياء للمذياع وأثيره، رغم بريق الصورة وجاذبيتها.

الوسوم

هالة سويدي

عضو في فريق تحرير مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد