ثقافة

فيلم La grande bellezza: “السفر إلى أعلى الجداريّات”

ثقافة

إنّ عام 2013، هو حدث مهمّ للسينما الإيطاليّة حيث صدر فيلم La grande bellezza (الجمال العظيم)؛ وهو كوميديا ​​دراميّة إيطاليّة، من إخراج باولو سورنتينو وكتابته أيضًا بالاشتراك مع أمبرتو كونتاريلّو. وقد جسّد أدوار البطولة فيه كلٌّ مِن توني سيرفيّو وكارلو فيردوني وصابرينا فيريلّي.  وفي العام نفسه، عُرض الفيلم ضمن قائمة الأفلام المنافِسة على السعفة الذهبيّة في مهرجان كان السينمائي، ولكنّه لم يفز بها. ومرّ في بقيّة المسابقات مرور الكرام إلى أنْ تمّ تتويجه بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي في 2014.

“لا الرحلةُ ابتدأتْ، ولا الدربُ انتهى

لم يَبْلُغِ الحكماءُ غربتَهُمْ

كما لم يَبْلُغ الغرباءُ حكمتَهمْ

ولم نعرف من الأزهار غيرَ شقائقِ النعمانِ،

فلنذهب إلى أَعلى الجداريّات:

أَرضُ قصيدتي خضراءُ، عاليةٌ،

كلامُ الله عند الفجر أَرضُ قصيدتي

وأَنا البعيدُ

أَنا البعيدُ”

محمود درويش: الجداريّة

قد يكون هذا المقطع الشعريّ كُوّةً أنفذ منها إلى الفيلم/القصيدة “La grande bellezza”. ففي عيد ميلاده الخامس والستّين، وفي غمرة الاحتفال، يبدأ جيب غامبارديلّا بطل الفيلم بالتفكير في أمرٍ لم يخطر على باله قبل تلك اللحظة: ماذا فعلتُ طيلة هذه السنوات؟ فيما أنفقتُ عمري؟ وأيُّ معنى قامت عليه حياتي حتّى الآن؟

إنّها لحظة مهمّة دفعت الأحداث كي تتوالد لترحل بي في رحلة سينمائيّة شعريّة مشوّقة وممتعة، للبحث عن الجمال المفقود في حياة الصحفي جيب غامبارديلّا، وعن ذاته الّتي ذابت في مجتمع الترف والمادّة.

إنّها رحلة البحث عن الجمال، لكنّ المخرج باولو سورنتينو يوظّف أدوات جماليّة تجعل من الرحلة في حدّ ذاتها (الفيلم) أيقونة وقصيدة يفيض الجمال من كلّ مشهد فيها.

إنّ جيب غامبرديلّا حين بدأ يشعر باقتراب الموت، توقّف على الصراط بين جحيميْن: جحيم سنواته الضائعة الّتي وجد نفسه في النهاية غير راضٍ عنها، سنواته الخمس والستّين الّتي لنْ تعود أبدًا؛ (وهل شاهدتم نهرًا يعود إلى نبعه؟) وجحيم سنواته القليلة المتبقّية إضافة إلى شيخوخته وعدم إيجاده لمعنى مّا، يُعيد تأسيس حياته من جديد، فكلّ أمل يُولَد في روحه سيموت؛ ولنْ يرجع إليه توازنه إلّا في آخر الفيلم.

ولكن لن يحدث ذلك إلّا قبل أن يسافر في ذاته: في ماضيه وفي علاقاته الاجتماعيّة وفي مدينة روما الّتي يقطنها.

إنّ الفيلم هو دعوة صريحة للسفر باعتباره الفعل الحيويّ الوحيد الّذي يجعلنا نُفلت من براثن اليوميِّ ويُنقذنا من الخسارة الكبرى: أن تكون حياتنا محض عبثٍ، السفر في المكان وفي التاريخ وفي الذات الإنسانيّة وفي الأعمال الفنّية العظمى. ولعلّ العتبة الأولى المأخوذة من رواية رحلة في أقاصي الليل للكاتب لويس فرديناند سيلين خبرُ دليلٍ على ذلك؛ حيثُ يقول: “إنّ السفر لَوسيلة جيّدة، فهو يجعل مخيّلتك تعمل جيّدًا؛ أمّا ما يتبقّى فهو ليس غير خيبة أملٍ ومتاعب. إنّ السفر إلى ذواتنا أمرٌ خياليٌّ بامتياز، لكن هنا تكمن قوّته…”.

فسكّان روما في فيلم “الجمال العظيم”، لا يشعرون بجمالها لأنّهم يعيشون على هامشها وأصبحت حياتهم اليوميّة فيها تمنعهم من رؤية فتنتها العظيمة، هذا ما تفعله بنا البداهة حين نكفّ عن التساؤل والاكتشاف والتأمّل. إنّ سكّان روما في الفيلم يعيشون حالة من الركود الّذي يُغشي الأبصار!! ولعلّ المشهد المقطعيّ الافتتاحيّ مفتاح لهذه المعضلة، مشهد تتجوّل فيه الكاميرا منسابة كالماء بين حدائق المدينة وقصورها القديمة، مصحوبة بلحن جنائزيٍّ رائع. وفجأة، يسقط سائح مغشيًّا عليه، تحت تأثير متلازمة ستاندال على ما يبدو، (متلازمة ستاندال أو متلازمة فلورنسا: هي مرض نفسي يجعل صاحبه يشعر بتزايد نبضات قلبه والدوار والارتباك، نتيجة انبهار الإنسان بعمل فنّيٍ جميل جدًّا، وعندما يكون هنالك كمّية كبيرة من الجمال الّذي يدهشه في مكان واحد يغمى عليه!)

إنّ السيّاح أو المسافرين وحدهم يعرفون جمال روما! أمّا سكّانها فيظهرون في المشهد التالي في سهرة صاخبة لا تمتّ لشعريّة المكان بصلة! ولعلّ المشهد الّذي طلب فيه جيب من صديقه لاعب الخفّة، أنْ يُخفيه كما يُخفي الزرافة في عروضه السحريّة؛ معبِّر بما يكفي عن ندمه لاكتشافه المتأخّر للمدينة ولنفسه، فكأنّها كانت مُختفية هي الأخرى أو كأنّه هو من لم يعش فيها بل في عالم موازٍ. ويذكّرني هذا المشهد/المفتاح بجملة قالها سليغمان، بطل Nymphomaniac (فيلم للمخرج الدنماركي لارس فون ترييه)، للبطلة جو: “يختفي كلّ ما يغدو مألوفًا”.  ومن الطرائف في فيلم “الجمال العظيم”، أنّ جيب غامبارديلّا سيصحو على وقع اعتقال جاره ذات يوم، ليكتشف أنّه من بين أخطر 10 رجال في العالم، ومفتّش عنه في كلّ مكان، لكن لا أحد انتبه إلى ذلك! فكأنّ روما مدينة الأشباح وكأنّ جيب غامبارديلّا ميّت يمشي على قدميه، يا للسخرية!!

ومع مرور الأحداث، سيسعى جيب إلى إعادة اكتشاف المدينة واكتشاف نفسه؛ فقد انتبه أخيرًا إلى أنّه أمضى حياته في السهرات الصاخبة وفي إغواء النساء، لكنّه أهمل الجمال من حوله: جمال روما الساحر وجمال الكتابة الّتي انقطع عنها بعد نجاح روايته اليتيمة منذ أربعين سنة، وجمال الحبّ الأوّل الّذي تخلّى عنه منذ 3 عقود.. فنجده يصرّح في مشهد من الفيلم: “لن أضيع وقتي منذ الآن في فعل ما لا أحبّ..”

وفي رحلته لتأسيس حياة جديدة، تتأزّم حياة جيب أكثر فأكثر، فحبيبته الأولى ماتت، وصديقه المقرّب قرّر أن يعود إلى مسقط رأسه في الريف لينعم حياة جديدة بعيدًا عن روما الّتي تقتل أرواح سكّانها!! وحتّى المرأة الّتي قابلها فيما بعد، وبدأ يقع في حبّها، ستموت هي الأخرى!!

ماذا تبقّى إذن؟ لم يبقَ أمامه سوى السفر في ذاته، البحث عن مواضع الجمال الموؤودة في أعماق روحه، لينتهي به المطاف إلى الأخذ بنصيحة الأخت ماريا القدّيسة حين أخبرته بأنّ الحياة موجودة في الجذور فحسب. ويا لها من نهاية صوفيّة لحياة عبثيّة بلا معنى!! لكنّ تصوّف جيب غامبرديلّا ليس دينيًّا، بل هو عودة إلى الجمال في الفنّ؛ إنّه ولادة أخرى من خلال العودة للكتابة..

ولعلّ ما يميّز فيلم الجمال العظيم هو لغته السينمائيّة الّتي خدمت معانيه المتعدّدة، فمن خلال الاستعمال المكثّف لـ travelling، بكلّ أنواعه وفي كلّ الاتّجاهات إضافة إلى استعمال المشاهد المقطعيّة بكثرة، وهو ما خدم مفهوم الرحلة والبحث من جهة، وتصوير المعالم الرائعة لِمدينة روما ومواطن الجمال فيها. إنّ كاميرا سورنتينو لا تهدأ كعادتها، كما هو الحال في أفلامه السابقة وخاصّة فيلمه El divo، فهي تذهب إلى الشخصيّات وتحاصرهم من كلّ الجهات، تحاورهم وتستنطقهم، بل تستنطق الجدران والحدائق والقصور والجسور!! وخاصّة المشهد المقطعي الختامي الّذي تسافر فيه الكاميرا فوق نهر يعبر مدينة روما، يعبرها لكنّه لا يعود إليها كما لا يمكنه العودة إلى نبعه، إنّها حياة جيب غامبارديلا الّتي قضّاها في هذه المدينة تتدفّق تدفّق النهر الّذي لا يعود إلى الوراء أبدًا، بل يواصل سيره إلى النهاية، إلى أعلى الجداريّات: الجمال العظيم.

إنّ فيلم الجمال العظيم فيلم لا يؤسّس لسينما إيطاليّة جديدة بقدر ما يبني على أنقاض مخرجين إيطاليّين عظماء. وقد لاحظت تقاربًا شديدًا من ناحية الموضوع والتناول الفنّي بين هذا الفيلم والفيلم الشهير La dolce vita للمخرج فيليني، لكنّه ليس تقليدًا بقدر ما هو استلهام.

وفي النهاية، يبدو لي أنّ الفيلم يذهب أبعد من مجرّد البحث في تاريخ جيب غامبرديلّا بقدر ما يبحث في تاريخ روما نفسها، تلك المدينة الّتي كانت مركز العالم لقرون، لكنّها الآن ليست إلّا متحفًا كبيرًا ومعبدًا دينيًّا، مكانًا يحمل مفارقة كبرى: يعيش فيه السيّاح فيما يعيش سكّانه على هامشه!!

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد