الرئيسيغير مصنف

فنانو مصر والسياسة: معارضون أحيانا  وموالون في اغلب الحالات

مجتمع

 

بين السياسة والفن خيط رفيع غالبا ما يتهاوى لنجد الفنان ملتبسا بالفعل السياسي، سواء مواليا او معارضا.

ونادرا ما ينجح الفنان، خاصة من يمتلك قاعدة جماهيرية كبيرة ومن يراكم تجربة فنية مهمة في النأي عن بلاط الحكم الذي في عالمنا العربي يسعى ساكنوه دوما الى استقطاب النخب المثقفة وأصحاب المكانة الاعتبارية.

وفي مصر، هوليود الشرق كما تسمى وهي التي تشكل حاضنة لمجمل الفنانين العرب باعتبارها تقريبا البلد العربي الوحيد الذي يمكن الحديث فيه عن صناعة فنية مكتملة الأركان سواء في ميدان السينما والدراما او في مجال الغناء والموسيقى،  ظلت العلاقة بين الفنان والسياسي قائمة على المد والجزر، تتراوح بين اقتراب بعض الفنانين وولائهم للساسة وبين ممارسة المعارضة الصريحة ودفع الضريبة القاتلة أحيانا.

وبالعودة الى التاريخ الفني المصري يمكن القول ان كوكب الشرق كاد يأفل نجمها في بداية الخمسينات عندما استتب الأمر لجمال عبد الناصر وأصبح رئيسا لمصر بعد الإطاحة بالنظام الملكي عام 1952 حيث قرر بعض الضباط استبعادها من الحفلات والغناء في الإذاعة، باعتبارها كانت مقربة من الأسرة العلوية المالكة في مصر في النصف الأول من القرن العشرين ومنحها البلاط لقب صاحبة العصمة وبالتالي اعتبرت من النظام البائد وفق تعبيرهم.  

 

 

لكن جمال عبد الناصر كان له موقف مغاير وهو الذي دعا الضابط المسؤول عن هذه الفعلة “متهكما” إلى تحطيم الأهرامات وتمثال أبي الهول، باعتبار وجودها أيضا في عهد الملكية، ولم يكتف بذلك بل قرب ام كلثوم واحتواها وتوسط لتغني من الحان موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب فكانت رائعة “انت عمري” وغيرها من الروائع.

 

 

كما اعتبر الفنان عبد الحليم حافظ صوت الثورة وابنها، لكونه من المقربين من نظام عبد الناصر وتغنى كثير بمرحلته في كل محطاتها.

كما يذكر التاريخ ما حف بوفاة الفنانة أسمهان، سليلة عائلة الأطرش من جبل الدروز، وهي التي اقتربت قليلا من عش الدبابير كما يقولون، سواء من خلال علاقاتها مع بعض رجال القصر في الحقبة الملكية وإثارة غيرة الملكة نازلي وقتها، او من خلال اقترابها من بعض أصحاب النفوذ في الدول الأجنبية المستعمرة للمشرق العربي وتحديدا فرنسا وانجلترا وهو ما يفسر به البعض اسباب موتها الغامض.

 

 

كما يروي تاريخ الفن كيف راح الفنان محمد فوزي ضحية نظام عبد الناصر، وهو الذي أمم شركته الفنية واجه حلمه فاحتضن الفنان المحب للحياة جراحه وصمت حتى أصيب بمرض نادر أودى بحياته.

ويتحدث فنانون كثر عن الحقبة الناصرية بكثير من التحفظ في مجال الحريات الفنية باعتبار التضييق على الإبداع خاصة ما يتصل بالحقبة الملكية وأيضا بالقضايا السياسية التي طرحت على المجتمع المصري إبان مرحلة الخمسينات والستينات وهو ما جعل عدة فنانين ينخرطون في صف المعارضة للنظام سواء من خلال أعمال فنية على غرار فيلم الكرنك الذي صور القمع والتعذيب في مرحلة ناصر او من خلال اصطفاف واضح ضده وتحديدا في مرحلة ما بعد النكسة التي خرج منها المثقف المصري منكسرا كما يصفه الشاعر عبد الرحمان الابنودي في كثير من قصائده البديعة.

ومن الأفعال السيئة  ما قام به نظام جمال عبد الناصر في تلك المرحلة تجنيد الفنانان عن طريق رجل المخابرات الغامض صلاح نصر من اجل توظيفهن لأغراض دنيئة ومن بينهن النجمة الجميلة التي لقبت بالسندريلا سعاد حسني وهي التي دفعت سعادتها الشخصية مقابل التعامل مع جهاز المخابرات ويقال ان وفاتها كانت بسبب قرارها تقديم مذكرات تروي فيها كل ما حدث وهو ما حرك بعض الأطراف لقتلها في لندن.

وعانت الكثير من النجمات الجميلات في تلك المرحلة من مطاردة صلاح نصر لهن على غرار مريم فخر الدين  وهو الذي كان يتولى تصويرهن في غرف النوم ثم يقوم بمقايضتهن بالأشرطة المسجلة من اجل العمل في الجهاز السري الخطير وقد كتبت عديد المؤلفات في هذا الغرض وكشفت كيف يوظف السياسي وبقذارة نجاح الفنانات وجمالهن .

كما شكل الزواج العرفي بين الفنانة برلنتي عبد الحميد المشير عبد الحكيم عامر الرجل القوي والصديق الشخصي لعبد الناصر الذي أوكلت له المهام الحربية قصة من قصص التشابك بين الفنان والسياسي خاصة بعد الهزيمة النكراء التي مني بها الجيش المصري في 1967 وكان احد أسبابها المشير.

 

برلنتي عبد الحميد، “زوجة المشير”

 

أما محمد أنور السادات فقد حاول ان يتقرب من الفنانين بأشكال مختلفة ويضمن ولاءهم وهو الذي أسس عيد الفن وفتح المجال للتكريمات الفنية كما قام في واقعة شهيرة برفض الحظر عن فيلم لنور الشريف وهو أهل القمة ذلك الذي تطرق فيه إلى نقد سياسة الانفتاح الاقتصادي  زمن السادات وعرض الفيلم بأمر من الرئيس بعد ان حذف منه مشهد واحد.

وفي عصر السادات وحدها ام كلثوم تعرضت الى التعتيم لكن ليس بأوامر رئاسية وإنما بطلب من السيدة  الأولى جيهان السادات التي أرادت ان تكون المرأة الوحيدة في مصر التي تحتكر الأضواء والعمل الخيري ولذلك حاصرت جمعية خيرية تشرف عليها كوكب الشرق وحجبت دورها في الحياة الاجتماعية والسياسية.

ومع اندلاع ثورة 25 يناير انقسم المشهد المصري بين موال ومعارض.

وقد أصبحت أغنية محمد منير ازاي نشيد الثورة المصرية في مستهل عام 2011 وهو الذي انحاز وغيره كثير للثورة وكذلك قصيدة الميدان للشاعر عبد الرحمان الابنودي  التي رددها شباب التحرير.

وانخرط عديد الفنانين في المعارضة ودعوا مبارك صراحة إلى التنحي  ومن أشهرهم خالد ابو النجا وعمرو واكد وبسمة واحمد عيد وخالد الصاوي.

وفي المقابل انحاز آخرون لنظام مبارك ودافعوا عنه حتى بعد انهياره ولازالوا إلى اليوم من الموالين له وسموا وقتها بالفلول ومن بينهم محمد فؤاد و ثامر حسني وطلعت زكريا وإلهام شاهين ويسرى اللتين وصل بهما الأمر إلى مرافقته في رحلاته  إلى الخارج، كجزء من الفريق الديبلماسي الرسمي.

 

 

ومن أشهر هؤلاء عادل إمام الذي رأى ان المظاهرات عبثية وانحاز الى نظام مبارك وهو الذي كان من ابرز أصواته والمدافعين عنه وقد وظف أعماله الفنية للدفاع عن سياسته واقترب منه كثيرا حتى بات يعد احد رجاله.

ومع تولي محمد مرسي السلطة في مصر تعالت أصوات فنية كثيرة معارضة له وكان الدعم الفني ضعيفا جدا لنظامه اقتصر على بعض الوجوه على غرار الفنان احمد عيد.

وأعرب عديد الفنانين عن تخوفهم مما أسموه ب”أخونة” وزارة الثقافة فقاموا باعتصام شهيرة امامها ومن بينهم خالد النبوي ونبيل الحلفاوي وخالد يوسف.

واتخذت الأحداث منعرجا مختلفا بعد مظاهرات 30 جوان وعزل محمد مرسي عن السلطة ثم ما رافق تلك الفترة من وقائع  دامية وصعود عبد الفتاح السيسي للحكم وقد التف كثير من الفنانين حول الحاكم الحديد ودعموه في عديد المنابر الإعلامية وتصدرت الهام شاهين قائمة الفنانين الذين بايعوا الرئيس  وأعربوا عن الولاء اللامشروط له.

وراهن  عبد الفتاح السيسي على دور الفنانين في دعمه وهو ما جعله يجتمع بهم كما تولى استخدامهم في مشروع مناهضة الإرهاب.

وفي المقابل، تم التعتيم بشكل كبير على الفنانين الذين اختاروا صف المعارضة للنظام الحالي ومن مظاهر ذلك منع فيلم “أهل إسكندرية” الذي تقوم ببطولته بسمة وعمرو واكد وهشام سليم المعروفين بمعارضتهم الشديدة لحكم السيسي.

 

 

كما شنت حملة شرسة على الفنان خالد ابو النجا الذي اتهم بالخيانة للوطن وكذلك بالشذوذ الجنسي ورفعت عليه قضايا عديدة أيضا  بعد نقده الشديد لحكم السيسي الذي اعتبره نظاما فاشيا يحاول إرهاب كل من ينتقده.  

كما شنت حملة مسعورة على الفنان محمد عطية واتهم هو الآخر بالشذوذ بسبب نقده للسيسي وحكومته.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد