مدونات

بعيدة هي الديمقراطية

بقلم: نيفين ملك

قال ارسطو فى كتابه “السياسة” “ان الغاية النهائية للطاغية كى يحتفظ بعرشه هي تدمير روح المواطنين وجعلهم عاجزين عن فعل أى شيء ايجابي، وفى سبيل تحقيق ذلك فهو يلجأ الى القضاء بوسائل مختلفة على الطبقة المثقفة التى تشكل خطرا على حكمه، ويلجأ الى منع الاجتماعات ويعمل ما فى وسعه لعزل كل من يساهم فى تعليم الناس وتعزيز ثقتهم بأنفسهم، كما يعمل على تنمية روح الاغتراب لدى المواطن ومحاولة قطع الصلة بينه ووطنه”.

المحامية المصرية نيفين ملك

ومثل هذا المناخ الاستبدادى الذى تعيشه مصر الآن ينعكس بشدة فى مشاهد الاختفاء القسري المتواتره لعدد من الشخصيات العامة. واليوم وقفت عند خبر القبض على المستشار هشام جنينة بعد حادثة الاعتداء الخطير الذى تعرض له، وبحسب ما نقلته وكالة رويترز عن ابنته ندى جنينة، اصطحب  ما يصل الى 30 رجل شرطة اباها من منزله فى ضواحي القاهرة فى سيارة، واضافت أنها شاهدت الواقعة، لكن لا تعرف الجهة التي اقتادوه اليها..

كأننا أمام واقعة اعتقال قسري واخفاء، وهذا ما اعتادته الجهات الامنية واعتمدته كمنهج  لعملها وتعاطيها كأداة تنفيذية فى دولة بوليسية قمعية تستعذب ارتكابها لكافة أنواع الخروقات الجسيمة لحقوق الانسان، بلا رقابة أو محاسبة..

وقد سبق ذلك ايضا خبر اعتقال امين عام حزب الوسط  الدكتور محمد عبد اللطيف من منزله فى 24 يناير 2018، وكذلك ما تردد عن اعتقال محمد القصاص، نائب رئيس حزب مصر القوية وعضو المكتب السياسي، وكذلك الاختفاء القسرى الذى تعرض له مؤخرا الصحفيان المصريان مصطفى الأعصر وحسن البنا. وبرغم النداءات الانسانية وبلاغات عائلتهما، لا يزال مصير هذين الصحفيين مجهولا حتى الان..

ولم تكن الصحفية المصرية أسماء زيدان أكثر حظا من زملائها، فقد حكمت عليها محكمة جنايات القاهرة السبت الماضى بالسجن المشدد لمدة 5 أعوام بتهمة حيازة سيجارة حشيش. وقد سبق ذلك اعتقالها من منزلها، بتاريخ 17 اكتوبر 2018، بتهمة اهانة رئيس الجمهورية. ويبدو أنها تعرضت فى قسم شرطة الهرم حال اعتقالها الى حفلة تشريفة تركت آثارا لاصابات ظاهرة على جسدها، بحسب افادات من حولها وما تم تناقله عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وخاصة عبر فايس بوك.

ستفتح الابواب لاستمرار الأنظمة الاستبدادية فى ممارستها البغيضة لانتهاكات حقوق الانسان العربى على مصراعيها بغير ضابط أو كابح للايقاع المسعور وبغير اكتراث لتداعيات ذلك على المنطقة وعلى سلام وأمن العالم كله.

ومع أن الجميع يدرك طبيعة انتخابات الرجل الواحد ونتائجها المعتمدة مسبقا، من الكنترول بأغلبية ساحقة بحسب مواسم الاستفتاءات، فئة 99% ولكن يبدو أن سعار هذة الحملات فى زيادة مطرده، كما هو واضح في تفاقم التصرفات المتشنجه وطابعا العنيف، مما يؤشر على أن السلطة تشعر أنها في مأزق حقيقي.

ويغدو واضحا بلا  أدنى شك ان الديمقراطية تبدو بعيدة ومن الصعب حتى اخراج وقبول مشهد الاعلان عن اجراء انتخابات رئاسية فى الاشهر القليلة القادمة ضمن صفقة الحرب على الارهاب أو حتى “صفقة القرن”.

من المتوقع ان تتراجع كل قيم الديمقراطية ليس فى مصر فقط، ولكن فى المنطقة كلها مع اقرار ترامب لمعادلة الاستمرار فى مكافحة الارهاب على داعش. وبالرغم من اعلان الامم المتحدة انها لن تساهم فى اعمار العراق جاءت تصريحات تيلرسون فى مؤتمر اعمار العراق مناقضة لهذه الإدعاءات، تشدد على الدعوة لاستمرار التحالف السني المعلن لمكافحة  الارهاب ومتابعة الاستراتيجية التى رسمها التحالف لمحاربة داعش.

يبدو أن هذا التحالف السني الذى وضع أصدقاء الولايات المتحدة السنة فى نفس السلة مع كيان الاستيطان والاحتلال الاسرائيلي، الحليف الاول للولايات المتحدة فى الشرق الأوسط، وعجل باعادة الحديث عن ملامح صفقة القرن التى تقضى على الحق الأصيل للشعب الفلسطينى فى عودة اللاجئين وكذلك فى القدس، والحديث عن ابو ديس كبديل، أو حتى تشابك ما يجرى فى سيناء من تهجير واخلاء للارض والبشر، وقبلها التنازل عن تيران وصنافير،كل تلك المعادلة الترامبية ستؤدى على المدى القصير لتراجع الديمقراطية فى مصر والمنطقة ككل.

ستفتح الابواب لاستمرار الأنظمة الاستبدادية فى ممارستها البغيضة لانتهاكات حقوق الانسان العربى على مصراعيها بغير ضابط أو كابح للايقاع المسعور وبغير اكتراث لتداعيات ذلك على المنطقة وعلى سلام وأمن العالم كله.

نيفين ملك

محامية وحقوقية مصرية

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد