مدوناتغير مصنف

نجومية مختلفة

بقلم: لمى خاطر 

 

قبل أيام، وتحديداً في السادس من شباط/ فبراير استشهد البطل الفلسطيني أحمد نصر جرار خلال اشتباك مع جيش الاحتلال في بلدة اليامون قضاء جنين، بعد مطاردة الاحتلال له مدة شهر، عقب تنفيذه عملية عسكرية قُتل فيها مستوطن صهيوني قرب مدينة نابلس. وقد بذل الاحتلال الصهيوني جهوداً مضنية ومتواصلة للوصول إلى مكانه وتصفيته، مع متابعة من أعلى المستويات في حكومة الاحتلال.

تذكرنا تلك الأجواء بالأيام الخوالي، أو ما اصطلح على تسميته بزمن المقاومة الجميل، كزمن الشهيد عماد عقل، وأجواء

لمى خاطر

ملاحقته ومطاردته، ثم تلك الأجواء التي اكتنفت سيرة ومسيرة البطل الأسطورة يحيى عياش، صاحب الحضور الأبهى في الوعي الفلسطيني، والذي ظلّ بعد أكثر من عشرين عاماً على رحيله رمزاً متفاعلاً ومستمراً في ضخّ معاني الفداء، حتى لدى من لم يعايشوه زمانيا.

أما أحمد جرار فطوال فترة مطاردته كان نجماً ينعش أفئدة الجمهور الفلسطيني الذي لا يبدو مجمعاً على شأن مثل اجتماعه على متابعة أخبار المقاومين الأبطال متمنياً أن تطيش رصاصات الاحتلال التي تلاحقهم في كل بقعة، وفي أجواء صعبة وطاردة للعمل العسكري بظروفها الأمنية وتعقيداتها المختلفة.

قبل شهر لم يكن أحمد نصر جرار معروفاً ولا مشهورا، كان معروفاً ضمن بيئته الصغيرة بكونه ابن القائد القسامي الشهيد نصر جرار الذي استشهد عام 2002 بعد مسيرة جهاد طويلة ومشرفة ومثقلة بالتحديات، خاض معظمها وهو مبتور القدمين وإحدى ذراعيه.

منذ أن غدا أحمد مطارداً للاحتلال باتت صوره تزيّن حسابات كثير من الفلسطينيين على مواقع التواصل الاجتماعي، فيما كان آخرون يحتفظون بصورته في حدقاتهم وقلوبهم، ولا يمنعهم من اتخاذها رمزاً لصفحاتهم سوى قيود بعض المواقع ومعاييرها المختلّة لشبهة الإرهاب!

ثم صار الدعاء لأحمد جرار جزءاً من ورد الدعاء اليومي للفلسطينيين، وعادت الحياة لتدبّ في سيرة والده الشهيد، وغدت هناك لافتة للكرامة يحرص التائقون لها على حملها، وكتابة ما توحيه مواقف البطولة عليها كل يوم.

قبل استشهاد أحمد بثلاثة أيام كانت هنالك فرصة لاختبار مكانته في وعي الجمهور، وهو يتابع عمليات الاحتلال ومداهماته لمدينة جنين وبعض قراها بحثاً عنه، أو اشتباهاً بوجوده في مكان ما فيها، ثم حين هب الشباب الفلسطيني للتصدي لجنود الاحتلال بصدورهم وحجارتهم فاستشهد واحد منهم وأصيب العشرات.

هذه المكانة لم يحظ بها أحمد لشخصه، ولا لأنه جميل الملامح، ويشبّهه بعضهم بنجوم السينما، بل لأنها مكانة يصعد لها كل من ارتقى مرتقاه الصعب، وسدد ضربة موجعة لجيش الاحتلال، ثم تعاظمت هذه المكانة حين تحوّل البطل المطلوب للاعتقال إلى مطارد ملاحق بهدف الاغتيال، وصار الجمهور يتابع أخبار اقتحامات الاحتلال لحظة بلحظة ويده على قلبه خشية أن ينجح الاحتلال في النيل منه، وعندما ارتقى شهيدا، كان وحده قضيةَ الفلسطينيين وكثير من العرب، وباعث غضبهم وفخرهم في آن واحد.

 

إن نجومية ورمزية كهذه فيها رسالة واضحة بأن الدور الجهادي لا يزال هو الأعظم والأحق بالتبجيل، والأدعى للمباركة والاحترام، وأن دماء المجاهدين كانت قابس المصباح الذي أنار فضاء تنظيماتهم وحشد لها المحبين والأنصار

 

مثل هذه النجومية لا يصنعها الإعلام مهما اجتهد في تجميلها، ولا تعززها الأموال المنفقة على صياغتها، وثمة رؤساء وقادة يحلمون بمثلها، لأنها عفوية وتلقائية وصادقة، وخالصة المحبة، ولا تشترى بالمال والإكراه على الولاء.

هذه النجومية تكون في الأوطان المتعبة من دوام العتمة، والمثقلة بقيود الواقع، ويأس الأمنيات الكبرى، إنها نجومية تعبّر عن حاجة أكثر سكانها ومجالات اهتمامهم ومكامن تقديرهم، ولذلك فهي لا تتجلى بهذه الحميمية وهذا التألق إلا إن كانت باعثة على الشعور الجمعي بالكرامة، ومشفوعة بالفعل المختلف، في زمن لا يُتاح فيه الفعل بسهولة، ولا يتسع كثيراً لتسجيل لحظات التفوّق على الأعداء، وإرهاقهم بالحيرة والتوجّس وترقب المجهول.

قليل على هذا الطراز من النجومية أن تُنشأ فيها الأشعار والمدائح، وأن تغنى لأجلها الأغنيات، وأن تتمدد رمزيتها فتكتسب معاني صافية من المحبة والقلق على المصير، وأن تكتسي بعبق الدعاء المتواصل في الصلوات، فأمّة لا تقدر أبطالها ولا تمجد فعلهم تمارس بحقهم عقوقاً قاسيا، وتسيء للتاريخ الذي يسجل الاحتفاء والجفاء، ويوثق البطولة والخيانة، وكل ما يدور على هوامشهما من تفاعلات.

وإن نجومية ورمزية كهذه فيها رسالة واضحة بأن الدور الجهادي لا يزال هو الأعظم والأحق بالتبجيل، والأدعى للمباركة والاحترام، وأن دماء المجاهدين كانت قابس المصباح الذي أنار فضاء تنظيماتهم وحشد لها المحبين والأنصار، وأن العمل المقاوم لا يجوز أن ينزل عن المرتبة الأولى على لائحة أولويات أي تنظيم مقاوم، تحت احتلال غاشم.

لمى خاطر 

كاتبة من فلسطين

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق