الرئيسيثقافة

رواية صمت الفراشات لليلى العثمان: عندما تُفتّض الأنثى على مذبح التقاليد

سلسلة الأدب النسائي

 

شهد سلامة- مجلة ميم

عندما تكتب الأنثى تحاك نصوصها بهالة من السحر والإثارة عموما اما اذا كتبت المرأة العربية فإن الهالة تزداد اتساعا وينظر الى ما تحيكه بتلصص غريب ومحاولة لأن تفتض نصوصها.. وتتضاعف كل هذه المعاني اذا كان النص المؤنث قد قدمته امرأة من الخليج العربي فتغلف قراءتنا له بكثير  من الفضول وتحاك بكثير من  الحكايات التي تصل الى الغرائبية أحيانا.

ولكن علينا ان نقر ونحن نتابع باهتمام ما تنتجه المرأة الخليجية في مجال الإبداع السردي تحديدا ان مدونتها تتسم بدرجة عالية من النضج والجرأة.

والرواية التي نستقرئها اليوم هي نموذج بارز وجلي في هذا المعنى.

فصمت الفراشات للكاتبة الكويتية ليلى العثمان تعد من أجرئ النصوص السردية  النسائية التي كتبت في العقود الأخيرة  وهي من أهم الأعمال التي يمكن ان تستوقفنا  في المدونة الروائية لنساء الخليج العربي.

وهي تلامس وجع النساء وصمتهن الموروث عن الخطايا التي ترتكب ليس في حق أنوثتهن فحسب بل في حق آدميتهن عموما.

وعلى هذا الأساس، حاولت ليلى العثمان تعرية نفاق المجتمع وزيف المعايير لديها من خلال صمت الفراشات الذي حاكت فيه قصة نادية الشابة التي تبلغ تسعة عشر ربيعا من عمرها وهي كفراشة زاهية الألوان ترنو الى مراقصة الحياة والانفتاح على أطايبها، لكن مشيئة والدها ووالدتها تختار لها مصيرا بائسا عندما يقرران تزويجها من شيخ ستيني.

والى هذا الحد تبدو الحكاية كلاسيكية وغير مبهرة، باعتبار ان هذه الواقعة تعيشها عديد الفتيات سواء في الخليج العربي او غيره من البلدان.

لكن المنعرج الخطير والصادم تعيشه نادية الرقيقة كفراشة عندما تنتقل من العيش في بيت متواضع الى الإقامة في قصر منيف وتحديدا ليلة الزفاف او ليلة الدخلة كما تعرف في بعض الدول العربية.

وقتها تسقط ورقة التوت عن سوءة العجوز القبيح الذي أرادته العائلة قرينا لها طمعا في المال الذي يمكن ان ترثه عندما يموت.

وتتمثل تفاصيل تلك الليلة المرعبة التي عاشتها نادية في كون هذا العجوز العاجز جنسيا والذي انطفأت جذوته قرر ان يقوم عبده المطيع عطية بمهمة فض  الزوجة البكر بدلا منه ويأمره ان يطأها على مرأى منه، بل وبتحريض على ذلك الفعل منه لتسهيل المضاجعة عليه في ما بعد.  

وتصعق الفتاة الصغيرة المهيضة الجناح وترغم على الصمت وهي غير قادرة على استيعاب ما حدث.

وتتحول الى أسيرة في قصر ثلجي بارد بلا روح هو بمثابة السجن الذي اختارته لها أمها  الحلبية التي تزوجها والدها عندما التقى بها إبان زيارة الى الشام، وهي تطمح الى ان تكون ابنتها في مأمن من غوائل الزمان معتقدة ان تأمين حياتها ماديا هو أفضل ما يمكن ان يقدم لها.

إذن سلبت نادية حريتها وأطبق عليها الصمت من كل الجهات وأرغمت على ان لا تغادر القصر سوى مرة واحدة في الشهر لزيارة والديها مرفوقة بزوجها حتى لا يتسرب السر الرهيب الذي التبس بحياتها منذ ليلة الزفاف.

عانت الشابة من القهر ولم تجد توسلاتها وبكاؤها المر آذانا مصغية لدى الزوج القاسي الذي قرر ان يخرسها بطريقة أخرى لا تجعلها تجرؤ على فتح فمها مهما كانت الظروف فاستدعى هذه المرة أيضا عبده المطيع عطية وأمره بجلدها بشكل مبرح حتى سالت الدماء من جسدها الغض.

تسحق آدمية هذه المرأة مرة أخرى وتجد نفسها كتلة جسدية صامتة بلا روح، وتغدو مجرد أمة كالعبد الذي ضاجعها ثم جلدها.. اشتراها السيد بماله ويحق له ان يفعل فيها ما يشاء وما تسوله له نزواته ومزاجيته، فأحيانا تكون موضوعا للشهوة وتحريك الغريزة، واحيانا اخرى يفجر فيها توتراته وعنفه بشكل اخر.

وازدادت عزلتها وقرفها من جسدها وهي التي تنام وحيدة ولا يلج غرفتها الى مدفوعا بالاشتهاء وهي الزاهدة في نفسها،  ذبلت مثل فراشة أفتكت منها حرية التحليق والطيران.

وتتزايد الوقائع السالبة لآدمية هذه المرأة التي عندما لمس السيد برودها قرر ان يعلمها درسا اخر وعقابا لا يخلو من القسوة والشراسة فما كان منها إلا  نادى احدى خادماته التي تقوم بدور الجارية ايضا  ومارس الجنس معها مجبرا زوجته على حضور هذا الفعل الذي تم على فراشها.

وعرفت الزوجة المخدوعة انه دأب على هذا الفعل من قبل وكان دوما يطلب مساعدة عبده ليفتض جواريه وهي مهمة مغلفة بالصمت.

وتقاطرت الايام والاشهر والسنوات واختارت الزوجة الشابة ان تكسر قضبان سجنها ففكت القيود وفرت من السجان عائدة الى اهلها الذين صعقوا عندما باحت لهم الفراشة الصغيرة بالأسرار التي طال صمتها عنها.

إذن تختار ليلى العثمان الحرية لبطلتها وهو اختيار حر ومصيري تقوده إرادة النساء اللواتي لابد ان يحررن أنفسهن بأنفسهن وهو جوهر إبداع هذه الكاتبة الكويتية.

وفي صمت الفراشات تختار لنادية مصيرا يقطع الى حد كبير مع العبودية التي عاشتها بعد زواجها   وبإرادة من أهلها  فبعد ان تهرب البطلة من الزوج تصدق نبوءة الأم فيموت بعد ان افتضح أمره  ويترك لها ثروة طائلة وتختار طريق العلم لتكمل دراستها.

وتتوالى الأحداث التي جعلت البطلة  وبعد خيبات عاطفية تعود الى العبد الذي افتضها لتقيم معه علاقة حسية رفضها وهو الذي اختار ان يكون سيد نفسه.

في صمت الفراشات اختارت الكاتبة ليلى العثمان ان يكون الصمت تيمتها ومحورا مركزيا تدور حوله الأحداث، وهي مهدت للقارئ منذ البدء بجاهزية هذه الفتاة التي تربت على ان تكون صامتة وهي في البيت والمدرسة دوما تأمر بأن تصمت او تخرس وأن لا تنطق بحرف، ولذلك جلل الصمت حياتها منذ لحظات عمرها الأولى حتى قادها إلى الاستعباد والقهر.

وهو ما تقوله الكاتبة بجرأة وتعري القيم الاجتماعية الزائفة التي تعتبر المرأة كائنا من الدرجة الثانية في مجتمع مطبوع بالهيمنة الذكورية.

يمكن أن نجزم بثراء وغنى هذه الرواية التي تعد تجربة ناضجة وعميقة من الأدب النسائي تهدف الى مقاربة واقع المرأة وترنو الى تطويره والنهوض به.

أما الكاتبة الكويتية  ليلى العثمان فهي من التجارب المتميزة في الأدب النسائي العربي وهي من سليلة أسرة كبيرة وعريقة بدأت الكتابة مبكرا ونشرت في الصحافة المحلية، قبل ان تحقق شهرة فائقة ولها عديد الأعمال من بينها: “سمية تخرج من البحر” التي اختيرت ضمن أفضل مائة رواية عربية أنتجت في القرن العشرين.

إلى جانب “الرحيل” و”في الليل تأتي العيون” وكذلك “الحب له صور”  و”فتحية  تختار موتها”، “حالة حب مجنونة” وكذلك “امرأة في إناء” و”الحواجز السوداء” و”يحدث كل ليلة” و”ليلة القهر” ثم “امرأة غير قابلة للكسر”.

ثم من أعمالها أيضا “المرأة والقطة” و”حلم الليلة الأولى”.

وكتبت في السيرة الذاتية العديد من الكتب أيضا من بينها “بلا قيود”.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد