مجتمعالرئيسي

الجزائر: أغاني  مشجعي كرة القدم..في المدرجات تُنتقد السلطة ويُحيّى الشعب

 

 حسام الدين ربيع- الجزائر- مجلة ميم

بعيدا عن منصات العزف والغناء المغلقة، بعيدا عن الحفلات الرسمية المنظمة، والكليبات وأغاني استوديوهات الفضائيات، تبدع الجماهير كرة القدم في الجزائر في رسم لوحات غنائية وموسيقية فريدة من نوعها على المدرجات، خلال المقابلات سواء بين أندية الدوري الأول أو الثاني أو في مباريات الفريق الوطني لكرة القدم، وبقلة قليلة في مناسبات الرياضات الأخرى مثل كرة اليد والسلّة والطائرة وغيرها، حيث يُحيّا الشعب والفقراء وتُنقد السلطة والمسؤولين.

أنصار ومشجعو كرة القدم في الجزائر، حاضرون دائما مع فرقهم والفريق الوطني “محاربي الصحراء”، فيتحملون مثلما تذكره الأيام عادة عناء التنقل والسفر إلى بلدان بعيدة مئات الأميال عن بلادهم، يغامرون ولا يهابون شيئا، بسبب عشقهم للساحرة المستديرة وحبهم لأنديتهم ومنتخب بلادهم، تارة يفرحون وتارة أخرى يحزنون وهكذا هي كرة القدم فوز وخسارة والأفضل التحلي بالروح الرياضية لأنّها تعكس معدن وأصالة وثقافة تلك الجماهير الشغوفة بفرقها.

أنصار الأندية يتكلمون السياسة في المدرجات

بين الروح الرياضية والرياضة أو كرة القدم، هناك لوحات جميلة تصنع من على المدرجات، عناصرها موسيقى وأغاني وأهازيج ودفوف وصيحات، حركات ورقصات، تتماشى وأطوار المقابلات، لكن في طيات تلك الأهازيج وذاك التشجيع رسائل متعددة ومختلفة أبرزها الرسائل السياسية التي يقدمها الأنصار لحكومتهم وللمسؤولين بصفة عامة، فتكون في بعض الأحيان مشفرة وبلغة الشباب وفي أحيان أخرى تكون مباشرة يقولونها ويمشون؟، يقولونها وهم متعبين من الحياة ومن الواقع..ولا يخافون لومة لائم.

ولا يتفنن الأنصار في تقديم الأغاني الرياضية فقط التي منحت الفرصة لبروز أصوات شابة مبدعة خلدت انتصارات الأندية وانجازات محاربي الصحراء في أجمل الأغاني والكليبات  لاسيما تلك الخاصة بتأهل الجزائر أربع مرات إلى كأس العالم بالمكسيك 1982 واسبانيا 1986 وجنوب إفريقيا 2010 والبرازيل 2014، أو عندما فاز مثلا وفاق سطيف برابطة أبطال إفريقيا أو شبيبة القبائل ..وغيرها.

الملاعب متنفس الشباب ومعقل الأغنية السياسية

وغير الأغاني الرياضية الممجدة للإنجازات والانتصارات، يعبر المشجعون الجزائريون عن همومهم وأحلامهم، آمالهم وعن الواقع المعيش على الصعيد السياسي والاجتماعي والإقتصادي، مع توجيه الانتقادات اللاذعة للمسؤولين، عاكسين بذلك صورة صادقة عن بلادهم التي تعيش نزيفا جراء اختيار المئات منهم الهجرة غير الشرعية والتي استفحلت بصورة كبيرة في الأشهر الأخيرة.

ولو يختلف البعض من حيث الأسلوب والطريقة والمضمون مع ما تقدمه جماهير كرة القدم فوق المدرجات التي أصبحت متنفسا يحتضن همومهم ومشاكلهم في ظل غياب فضاءات الترفيه وممارسة الرياضة  والسياحة..وأخرى، إلا أنّ الصورة التي يرسمها هؤلاء أقرب كثيرا للوضع المعيش من خلال انتشار البطالة و”الحرقة” والآفات والفساد في قطاعات مختلفة.

وتشكل الأغاني السياسية محورا مهما في “البرنامج الفني” للمشجعين، فتأتي لاذعة ومغلقة برسائل كثيرة، تكون ناقمة ومشفرة تارة أخرى، من خلال توظيف عبارات وكلمات غاية في المعنى والحكمة مستمدة من لغة الشباب في الشارع ومتماشية مع أحداث الراهن الجزائري سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، لذلك تكون مؤثرة وتحظى بالإنتشار على شبكات التواصل الإجتماعي “الفيسبوك” و”التويتر” و”اليوتوب” وحتى في الإعلام المرئي، بحيث تطرقت بعض الحصص بالتحليل والنقاش لأغاني مشجعي كرة القدم في الجزائر.

“المملكة العاشورية” و”في سوق الليل”..عدسة ترصد الواقع الجزائري

من الأغاني التي صنعت الحدث في 2017 أغنية أطلقها أنصار عميد الأندية الوطنية  “مولودية الجزائر” تحت عنوان “في سوق الليل” وهي سياسية بامتياز مع قليل من الرياضة وجاء فيها: ” قولي علاش نقولك شوف لتحتا (انظر للأسفل)، كاين لي فطر وما تعاش (هناك من تغذى ولم يتعشى)، قل لي كيفاش أقول لك جاية هاكدا، لي حاكيمنها ما خلاوش (حكامها اي البلاد لم يتركوا شيئا)، قل لي متى، أقول لك هذه مدة، ليسونسيال أنا ما نشفاش (المهم انا لا أتذكر)، قاع ما عشناش حلوا باب القنطة (لم نعش فتحوا باب القنوط)، مادام غلقوا باب التقلاش (مادم أغلقوا باب الرفاهية)”. ويضيف الجمهور في هذه الأغنية ” أواه أواه جامي ننسى الباسي وعلينا كيفاش تبدل الحال (لا أنسى الماضي وكيف تغير علينا الوضع)، مكاش كيفاش كل شيء يبقى في راسي، وكل شيء سيبقى محفورا في بالي،..”.

 

 

وبكلمات فيها ألم كبير يضيف الأنصار: “عشنا في الفقر ورانا كامل نعرفو الميزيرية (المعاناة)، الله يعلم ما بيّ وحنايا هاكدا جامي لا تبدلنا (نحن هكذا لم نتغير) إلا العقلية تطورت، مول العقلية يكمل في الهدّة (العقلية والطريقة) وأنت فايق (واعي) وتقول بركات (كفاية)…”.

وبطريقة فكاهية وساخرة مستمدة من السلسة الجزائرية الشهيرة “السلطان عاشور” ينتقد هؤلاء المجشعون طريقة تسيير البلاد ووضع محيط الرئيس عبد العزيز بوتفليقة فتقول فرقة “الألماس الأسود) تحت وقع آلة “التمربيتا” في أخر أعمالها المعنون بـ”أه يا عاشور) و(يقصدون الرئيس): ” أه يا عاشور المملكة راحت ريح وأنت معذور علابلنا بلي راك مريض، ماشي أنت (لست أنت)، باينة الحكاية (معروفة الرواية).

وفي انتقادهم لرئيس الوزارء السابق عبد المالك سلال الذي حاول باتفاقية مع ألمانيا تقضي باعادة “الحراقة” الجزائريين إلى بلادهم ولكنه غادر منصبه بعد تعديل حكومي: “فاقو الفقاقير (استفاق الشعب) باي باي يا وزير، والله اجيب ساعة الخير ويفرج على الفقير”.

ومنددين بالبيروقراطية وانتشار الفساد في هذه المقطوعة من نفس الأغنية: “غير الرشاوى لا يحبون الزوالي (الفقير)، وفي هذه الأيام الأغلبية لا تجب الرجال، وعلاش ما يحبوش الزوالي، راح يخطب ما قبلوش، المصغر (الشاب) ما عندوش، الشهرية (الراتب) قليلة، لمزية الدنيا طويلة، ماشي ماليوم، ومطفرة  (ضحيتها) غير في القليل (الزوالي) كل شي مخدوم (كل شيء مخطط له)، على جال تبنيجة بلادكم بعتوها (من اجل شيء صغير بعتو بلادكم)، واش هاد الحردة ها ليكم كولوها (تركناها لكم)”.

 

رسائل إلى السلطة مغلفة بالسخرية والفكاهة

وفي أغنية أخرى مستلهمة من كلمات وشخصيات المسلسل “عاشور العاشر” ويعتبرها نشطاء اليوتوب” أقوى أغنية سياسية لأنصار إحدى الفرق الوطنية في 2018 تحمل عتابا وخطابا شديد اللهجة تجاه حكومة احمد أويحي رئيس الوزراء الحالي، تحت عنوان “المملكة 2018” وجاء فيها: “يارب فرج علينا، والمملكة راهي في حالة، وحنا لي صاري فينا، والشكوى للعالي مولانا، كي تشوف الأمير لقمان (شخصية في المسلسل) في موريتي راهو يتقلش (موريتي إقامة الدولة خاصة بالوزراء والمسؤولين وأبنائهم) والزوالي مشتاق طعام، في ضربة واحدة زدتو لكلشي (ارتفاع اسعار المعيشة)، ويحيا فارس الجينرال (شخصية في مسلسل عاشور العاشر)، لي عندو كامل الحقوق ( إشارة إلى أنّ العسكر والمسؤوليين يتمتعون بكامل الحقوق بينما الشعب البسيط لا يملك أدنى حق).

 

 

ومنتقدين بتهكم الشياتين والمتزلفين إلى الرئيس يقصفهم الأنصار كالتالي: “وشحال يعجبني النوري (شخصية في المسلسل) يرفد الموطو ويدمياري ( بسرعة يبلغ الأخبار إلى المسوؤلين) ويقول لـ”الشيتة” مياري موري (كلمة ايطالية تعني حبي)، ويحيا كامل الفقاقير (الشعب) من لحدادة إلى لحدادة (من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب).

وفي مقطع “ياو هادي من عند قنديل (دور الوزير في المسلسل) يكشفون مدى سوء الوضع الاقتصادي والاجتماعي وبقاء البسطاء خلال سنوات الإرهاب  متحملين عبء الرصاص والقنابل والموت ولكن اليوم في عز الأمن فضلوا الهجرة على البقاء في البلاد، في قولهم : “دير المرميطة  كي العادة، في التسعينيات والله ما راحو واليوم كي كان الرصاص والبومبات، واليوم ليفايم  (العائلات) في بوطي (قارب) راحوا”.

وفي إشارة إلى زيارة الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون إلى الجزائر مؤخرا  وصف أصحاب الأغنية المشهد كما يلي “كي جاء عندنا دحمانيس ( ملكة مملكة في مسلسل عاشور العاشر) رفدوا لعلام (حملوا الأعلام) ولبسوا الحايك (لباس تقليدي نسائي) يا حيلة ما يديرهاش إبليس (حيلة لا يفعلها إلا الشيطان) و”عاشور” منو خايف..يا عاشور حبينا نشوفوك وانت لي تحكم ماشي خوك (رسالة إلى السلطة)..والمملكة راهي تسوفري (المملكة راهي تعاني)…”.

ويختم المؤدون أغنيتهم برسالة إلى الأمهات والاعتذار منهم بعد لجوئهم إلى المخدرات وأفعال أخرى بسبب الأفاق المسدودة : “راني مغبون يا ما (يا أمي) وخايف نباصي (أخشى أن أقع في ورطة)، ماكاش الحلول، وكيفاش نواسي (ماذا أفعل).

 

أهازيج وغناء أنصار اتحاد العاصمة الجزائري

“قيلونا”… من سياستكم

“قيلونا، قيلونا (دعونا، دعونا)، هي أغنية سياسية اجتماعية أطلقها أنصار اتحاد العاصمة ترصد الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي المتردي في البلاد مما دفع بالشباب إلى “الحرقة” واستهلاك المخدرات” والأقراص المهلوسة واتساع رقعة الفقر والتسول واستفحال ظواهر أخرى كالجريمة والسرقة والفساد.

وتلخص كل هذه الظواهر والمشاكل في عبارات دقيقة ذات دلالات قوية ومعانى عميقة ومنها: ” اه اه الليل طويل اخمم في غدوة يا درى إذا نقدر نعيش، يا أمي محتاجة الدعاء، الله كبير وما تبكيش،  قيلونا من سياستكم يُنمار (كفاية)، قيلونا راهو رشاني التعمار (المخدرات)، العين حمراء وقاعد نخمم أين هو البرتول والغاز؟، في هذه البلاد ما زال تتعلم كيفاش إيفيديو لاكاس (كيف يفرغون الصندوق)، الجيل لي شاف الدم، ما توكلولوش الحلوى، (الجيل الذي سنوات الإرهاب لا يمكنكم خداعه بالحلوى)، قيلونا من سياستكم يُنمار (كفاية)…”.

 

وهناك نماذج أخرى لأغاني كثيرة تسلط الضوء على السلطة الجزائرية، بنوع من القساوة، بحيث تضم كلمات سب وشتم في حق بعض المسؤولين، لا يمكن ذكرها ولكن وجب الإشارة إليها، لأنّها تعكس ما يحصل في الجزائر على مستويات كثيرة، وبالتالي فملاعب كرة القدم أصبحت متنفسا يلجأ إليه الشباب لإفراغ طاقتهم، وما يساورهم من أحلام وهموم، كما أنّ الأغاني التي يطلقها أنصار الكرة خلال المباريات يمكن القول مجازا  أنّها تحتل شوطا كاملا، في حين يبقى الشوط الأخر لتشجيع الفريق من أجل تحقيق الفوز، لذلك السياسة دائما حاضرة في برنامج الأنصار على المدرجات، فلا تخلو ملاعب الجزائر من النشاط السياسي أبدا، سواء تعلق الأمر بالداخل أو بالخارج، عندما وضع أنصار عين مليلة (محافظة أم البواقي بشرق البلاد) تيفو عملاق (لافتة) رسم فيه ملك السعودية سلمان بن عبد العزيز ورئيس أمريكا دونالد ترامب وكتب عليه “وجهان لعملة واحدة” أو كما عودتنا الجماهير الجزائرية في حبها لفلسطين، بحيث لا تخلوا مقابلة إلا وتجد الأعلام الفلسطينية واللافتات التي تدعم القضية وتهتف بحياة فلسطين الشهداء.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد