مجتمع

“البلْديّة” في تونس.. بين المصالح والبحث عن هوية جديدة

مجتمع

 

يطرح موضوع “البلْدية” في تونس العديد من التساؤلات حول المفهوم وتشكله، وما تعكسه من جدلالات طبقية، مقارنة بالمجتمع الريفي والهوامش خارج مراكز المدن. ولذلك يثير تناول الموضوع، أحيانا، حساسية اجتماعية وجهوية بين الوسطين.

وتعود كلمة “بلدي”، إلى البلد بما تعنيه من مركز حضاري وتجاري واجتماعي، تضم كل مقومات العيش المنظم، وتشكل من خلاله مركز ثقل.

ويرى الكاتب الروائي حسنين بن عمو أن ثنائية “بدو-بلدي” هي حتمية تاريخية في تونس، نظرا لاختلاف أسلوب العيش وطبيعة التنشئة التي تفرضها كل بيئة.

حسنين بن عمو

وتحدث بن عمو لمجلة “ميم” عن أصول البلدية في تونس التي تعود إلى القوى الدولية التي تعاقبت على البلاد، مثل الإسبان والعثمانيين والفرنسيين.ا لذين نجحوا في فرض تجاربهم على نمط حياة التونسيين، فاختلطت الأعراق وأصبحت بدورها تجربة حضارية واجتماعية.

وعن النظرة الدونية للبدو من قبل “البلدية”، يقول بن عمّو: “استعمل المركز ذلك ليسيطر عليهم ويتركهم أقل مستوى، فالبدو، وفق هذه الرؤية، هم المشاغبون والحضّر حذرون”.

“البلدية” ومحاولة اختراع هوية

يرى الباحث الانثروبولوجي، محمد الحاج سالم، في تصريح لمجلة “ميم” أن هذا المفهوم، يعكس رؤية متوارثة منذ القدم، غذّتها الرؤية الإسلامية، بمقتضى الهجرة نحو المدينة. فكان التحوّل من البداوة نحو التحضر شرطا لازدهار الإسلام باعتباره دينا مدنيا لا بدويا.

ويرجع الباحث ذلك إلى طبيعة البدو الذين يمثلون خطرا على المدينة، في حال تعرضهم للمجاعات، عن طريق الغزوات، كغزوة بني هلال وما خلفته من دمار، مستذكرا قولة العلامة عبد الرحمان ابن خلدون، بأن “أصل كل التغيرات حركات بدوية اجتاحت المدن”.

مجمد الحاج سالم

وهكذا استبطن المخيال التونسي فكرة أن البداوة عدوّة العمران والتحضر. ويشير الباحث، إلى حالة مدينة المهدية خلال العصر الفاطمي حيث كان هناك باب يفتح على البادية يعرف بـ”باب زويلة” ويلقب كل من يسكن وراءه بـ”الزوالي”، عكس المتحضر.

ويرجع الحاج سالم ظهور النواة الأولى لـ”البلدية”، مع الوفود التي وصلت تونس من المغرب الأقصى، خلال حكم الدولة الحفصية، ومجيء الأندلسيين إلى تونس في مرحلة ثانية إلى جانب الطبقات الحاكمة، ولاحقا مع المراديين والحسينيين وغيرهم من الأجناس التي استجلبت كمماليك.

ويشير الباحث في هذا الصدد إلى أنّ وزراء الدولة الحسينية، مصطفى خزندار وخيرالدين التونسي لم يكونا من السكان الأصليين لمدينة تونس، ولكنهما “بلدية” بالانتماء.

 

خير الدين باشا

 

وعن أسباب النزعة النرجسية لسكان المدن، أكد أن “الوصم السلبي لغير أبناء البلد موجود في كل أنحاء الدنيا، نظرا لطبيعة البدو الجافة من جهة، وهي محاولة من قبل من يسمّون أنفسهم “بلدية” لاختراع هوية خاصة بهم من جهة أخرى، وتعويض شعور بالنقص خاصة أنهم من أصول غير معروفة، فيحاولون الدفاع عن مصالحهم بهذا النوع من التعالي”.

امتياز اجتماعي علمي

وبيّن المسرحي التونسي، رجاء بن فرحات، أن سكان المدن والعواصم العربية العريقة، سواء في تونس أو فاس أو دمشق، التي لها تاريخ، معدّة للعمران الحضري، وفق تعبير “ابن خلدون”.

وأضاف في حديث لمجلة “ميم” أنّ ذلك يرجع لكونها بلغت نسبة من الرقي الحضري والاجتماعي الذي يختلف عن العمران البدوي الذي تغيب عنه المساجد الكبرى والصناعات الراقية والحياة الثقافية والفكرية. فكانت هناك نزعة بين سكان الأرياف نحو الالتحاق بالمدينة لتلقي العلم والمعرفة، كالالتحاق بجامع الزيتونة في تونس. وتعود المسألة إلى أكثر من 1300 سنة، حسب بن فرحات.

رجاء بن فرحات

ويرى محدثنا أن الإقبال على العلم والحرف كان يكسب الناس امتيازا اجتماعيا، ليس بمنطق التعالي والغرور والكبرياء، أو الطبقية بالمعنى الماركسي للكلمة، بل هي علمية وحرفية، إذ كانت فئة “البلدية” تحترم كبار الفلاحين، من منتجي الحبوب والزيتون والزيت، إلى جانب احترامها أهالي الجريد “توزر” باعتبارها عاصمة معرفة، مسقط رأس الشاعر الكبير أبو القاسم الشابي، والشيخ الزيتوني الخضر حسين.

وعن أهم العائلات المحسوبة على “البلدية” في تونس، تحدث بن فرحات، عن صناع الشاشية الأندلسيين الذي أتوا بصنعة غير معروفة، أضحت صناعة رائجة ورابحة وتصدّر إلى إفريقيا، وهي من العائلات الغنية التي بنت بيوتا فاخرة في تونس وكانت تشعر بامتياز اجتماعي.

وتابع: “من أشهر البيوت التي تحظى بامتياز علمي، نجد دار النيفر ودار جعيط، ودار الرصاع، الذين يعدون من كبار شيوخ جامع الزيتونة. وذلك إضافة إلى الأرستقراطية الزيتونية، كآل بن عاشور والشريف وغيرها من العائلات، وعمادهم مركز العلوم والإيمان الذي يمثله جامع الزيتونة مركز المذهبين، الحنفي للبايات، والمالكي الذي يخصّ عامة التونسيين.

وأضاف: “البلدية” موجودون في المدن التونسية العريقة الأخرى على غرار القيروان، حيث يعد الانتماء إلى “حومة الشرفة” (المعروفة بأنها تضم شرفاء القوم) امتيازا، وبيت الرماح العريقة من سلالة الرماح وهم من أوائل الولاة المسلمين وعائلة البراق والعواني، إلى جانب أسرة عظوم (بيت قضاة)، وكان هناك مثل شهير لسيدة قيروانية تقول فيه: “الظالم عظومي والقاضي عظومي لشكون نشكي يا شومي”.

 

مدينة تونس العتيقة

 

وتحدث بن فرحات عن دار سيالة في صفاقس والكرّاي والسلامي، الذين يعتبرون أنفسهم من السكان الأصليين للمدينة.

وبين بن فرحات أن لكل مدينة داخل البلاد طابعا تعتز به، ففي باجة يفتخرون بثرواتهم الفلاحية، لأنها مدينة إقطاع، لديها أعيان قوم كدار سعيد وبن يوسف.

وعن الأصول التي ينحدر منها “البلدية”، قال رجاء بن فرحات: “ذكر ابن أبي ضياف ذلك حين كتب أن قبائل العرب لهم الفضل لأنهم عرّبوا البلاد، والأندلسيون هم أصحاب الصناعات والعلوم، ثم العثمانيون الذين جاؤوا لطرد الإسبان سنة 1574 بقيادة سنان باشا”.

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

رأي واحد على ““البلْديّة” في تونس.. بين المصالح والبحث عن هوية جديدة”

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.