مدونات

على هامش الإعدام

بقلم: تسنيم النخيلي

 

عندما ينقشع غبار المعركة يلوح وجه الملحمة الحقيقي بعيدًا عن عنفوان القتال ، سيجمع المنتصر غنائم انتصاره و يلملم المنهزم خيباته ليربأ جراح الهزيمة
و الهزيمة هنا لا تعني القتلى و المصابين وحدهم ، الهزيمة لها وجوه عديدة أكثر ايلامًا من القتل والدم و النزف و التنكيل
كنت اتحدث مع صديقة بوسنية قتل والدها في مجزرة سربرينتسا عام 1992 ، كانت تحكي لي عن رحلة التهجير التي عاشتها قبل نحو عشرين عامًا ، تغزل تفاصيل الحكاية وكأنها تشرح لوحة مرسومة ، موضوعة نصب أعينها وان الجريمة لتوها حاصلة.

تسنيم النخيلي

جمعوا رجال القرية كلها، وهرب النساء والاطفال خوفا من الاغتصاب، زحفنا ليلاً هربًا من الجنود، على جانبي الطرق كانت جثث القتلى وكانت العربات الخشبية تقل من حالفهم الحظ واستطاعوا الهرب، فقدت حذائي و لم أكن اعرف حينها هل سأجد حذائًا يحمي قدمي من البرد حيث اصل ام اننا لسنا على موعد مع الوصول اصلا
صحيح أنها كانت بعمر صغيرة آنذاك، لكن ما أصابها من قسوة الأيام بعد الاغتراب كان اشد عليها من قسوة اليتم بعد استشهاد أبيها.

أن تطرد من أرضك و تفترش العراء دون ذنب وترى الجثث على طريق الهروب، ان تفقد جدران بيتك وذكرياتك المعلقة عليه، أن تتذوق مرارة الغدر وانت تقرأ في كل مرة كيف اُخليت مدينتك و سلمت من قوات حفظ الأمن إلى جنود الصرب و العالم يرى، أن تشاهد النساء مغتصبات، الأطفال يخرجن من بقر بطون الامهات الحوامل، أن .. و أن …. هذا كله أكبر من الام القتل.

اتذكر حكايتها مع كل مرة استيقظ فيها على خبر بإعدام أبرياء في مصر
اغرق في تفاصيلها الصغيرة و ادرك بتمام اليقين أن من قُتل هو الرابح الأكبر في اللعبة برمتها
استثنيه من الحكاية اصلا ومن الحسابات، فثمة أطفال سُيولدون بكراهية للأرض اكثر ايلاما من نزف الدماء لن يجرؤ أحدٌ على الوقوف أمامها.

ثمة بركان سينفجر في وجوهنا جميعًا بما حملوه في صدروهم من كل هذا الحقد الأسود المشروع ، من الام امهاتهم و حياتهم بعد الفقد، من ذاكرتهم التي قدر لها أن تتسع لكلمات لا تتسق مع طفولتهم “الزيارة، الإعاشة، المأمور، التفتيش، أوامر الباشا ”.

من مرارة الظلم حين يقرأ أحدهم مسببات اعدام والده و يعرف حين ما يكبر ما عرفناه جميعا أن التحريات اثبتت انه كان في مكان غير مكان الجريمة أو أنه القي القبض عليه قبل موعد الجريمة التي أعدم بسببها اصلًا..

سيعرف أنه يعيش في شبه وطن محكوم بشبه سلطة متعايشا مع شبه مجتمع و شبه ناس..

سيدرك وحده ان القتل سيظل الفعل الاستثنائى الحاصل على هامش كل ملحمة..

سيأتي الموت على كل هؤلاء قبل مجيئه بأعوام طويلة مع كل نغزة قهر سيموت جزء ، مع كل حبيب يرحل يموت جزء، مع كل ألم يتأصل يموت جزء، حتى إذا أتى الموت ما وجد إلا رفات اجزاءهم الميتة فيحملها ويرحل..

على هامش الاعدام تتجلى الحكاية بسرمديتها الأكبر..

 

 المقال منشور على موقع العدسة

 

تسنيم النخيلي

 صحفية مصرية

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد