مدونات

المهمَّشون في الحبّ

المهمّشون في الحبّ هم كلّ المخلصين الصادقين الذين بسطوا أياديهم للحياة فأعرضت عنهم

 

 معظم قصص المهمّشين في الحبّ باختلاف أنواعهم تئنّ على طريقة “فايزة أحمد”وهي تردّد:

 

“أنا لست آسفة عليك لكن على قلبي الوفي،

 قلبي الذي لم تعرفِ،

 يا من على جسر الدموع تركتني،

 أنا لست أبكي منك، بل أبكي عليك،”

 

فحكايات المهمشين في الحبّ لا تحدث فقط على مستوى العشّاق (وإن كان المقطع من قصيدة تعاتب حبيبا)، إنّها تحدث على مستوى الأمومة والأبوّة والإخوة والأصدقاء والأحلام والأماني والوطن وتطول كلّ جوانب الحياة بالقدر الذي يكتسي به الحبّ الحياة، إنّها تبلغ كلّ إنسان وكلّ شيء أحببناه وأخلصنا فيه وله العطاء، والمهمشون في الحبّ هم المتأسّفون على قلوبهم، هم أصحاب العطاء الذين قوبلوا بالإهمال أو الرفض أو الخيبة.

ماذا لو كانت في القلب ضفّتان؟ ضفّة تعطي الآخر الفرصة ليحبّك ويهتمّ بك وضفّة تعطيك أنت الفرصة لنسيانه والاعتناء بنفسك، ما كنت لتختار؟ أمّا أنا فأنصحك بالضفّة التي لا تؤذيك. وما عليك إلّا أن تجذّف بكرامتك إلى الضفة الوسطى وأقصد بذلك ضفة البحر وتبحر إلى نفسك وأن تعلن قرار عدم إيذائها وتلوذ بذاك القرار إلى بيت اليقين فلا شيء أغلى منك حين تكون على الحقّ. وفي بعض القلوب دولابان، كلاهما يهزّان الخاطر لأجل وطنين مخلوقين من تراب، أمّا الأول فيحلم أن يداعب خلاياه بيديه والآخر يتمنى لو كان فيه حكاية داخليّة حياتها كحياة الخليّة أبديّتها تنتهي بنهايته وتكاثرها مرهون بتغذيته.

ما ألذّ الأرض التي تكون فيها عشبة خضراء على مدار السنة، جذورها عميقة فإذا ما اقتلعت وحرّكت في إناء ما أهدت الحياة، ما ألذّ الوطن الذي تكون فيه كرامتك كالذهب المكدّس في الكهوف يسخّر له الأمان والحنان فيا ليتنا كنّا ذهبا، وما ألذّ السند الذي تكون فيه أعضاء نبيلة يصاب لمصابك ويرتاح لراحتك، ما أطيب العيش الذي تكون فيه إنسانا وحبّا مبنيّا للمعلوم، فما أتعس الذين مرّوا وفي قلوبهم غصّة أضرمتها قصّة كان فيها كائنا مهمشا من ذوي العارفة لكنّ ظلال الحبّ حوله كانت غير وارفة، وحدها ظلاله كانت كزوبعة مموّجة تمدّ الحياة دون مقابل فانكسر.

ما يجهله البعض هو أنّه ما من حبّ على وجه الأرض يبذل دون انتظار مقابل، فالعطاء يهوى العطاء لأنّ استجابة العطاء تحدث في إناء داخلي لكلّ فرد تدور فيه ملعقة الانفعالات، فرحة العيون لوحدها قد تكون أجمل مقابل ولهذا هناك نوع من البشر كالخزينة مسخّر للعطاء أطلق عليهم لقب المهمشين في الحبّ.

جلّ الذين يتسلّلون إلى هذا المقال بحبّ، هم المهمشون فيه وما أكثرهم بيننا اليوم، فالحبّ وإن كان في كلّ مرّة يعرض علينا زيّا من أزيائه الزهرية البهيجة هو أيضا يكتسي شيئا من الحرمان وأحيانا يحمل كلّ الحرمان، ذاك الحرمان الذي حدّثنا عنه “بلزاك” فقال: إنّ الحبّ “رجل وامرأة وحرمان” إلّا أنّه أيضا إنسان وأرض وحرمان، الحبّ إنسان وأمنية وحرمان، والحبّ إنسان وحياة وحرمان. والمهمشون في الحبّ هم اللاجئون فيه الذين لم يظفروا منه إلا بخيمة عند الحدود، هم أولئك الذين صدّقوا الوعود، هم المزهريات النحاسية التي لم تتوقف في حضنها قاطرات الورود، المهمشون في الحبّ هم الشحّاذون فيه، هم المنفيّون منه الذين لم يأخذوا معهم سوى الخيبة وتقاسيم الحظّ الكئيبة.

المهمشون في الحبّ هم الذين أدركوا الآخر فلم يستوعبهم، هم الذين سقطوا في زلّة قلب فأصيبوا بنوبة حبّ متوازي الأوجاع، هم الذين أجهشوا بالعطاء مذ دخلتهم، هم أمهات وآباء في دور العجزة تناوبت عليهم متلازمة القلب المكسور فتجرّعوا قارورات العذاب دون رحمة، هم المجانين الذين ركنوا في الأزقة فأخذوا يتنّقلون في الشوارع يوزّعون الابتسامات تارة والصرخات التي أفلتت من قبضة الكبت تارة أخرى فجعلت الأحياء تستأنس بوجودهم وتطرب لضحكاتهم، كيف لا وهم الأوفياء حينما يخلد العقلاء إلى بيوتهم الدافئة خوفا من الشمس وهربا من المطر. المهمشون في الحبّ هم أطفال نُسجوا في الخفايا فتبعثروا في الزوايا، وآخرون مُهمَلون، بين الأحضان يهيمون يتحرّون نبض الأمّ أين يكون.

المهمشون في الحبّ هم رسائل في سلّة المهملات غير مكترث بها، هم رسائل مرهونة غير مرغوب فيها، هم مهتمون غير مأبوه بعطائهم، هم بضعة حروف أنفاسها أقصر من أنفاس مفتاح سلّم موسيقي تنقل الرغبة الشديدة عنهم. هم أولئك الذين عُلّقوا فتعلّقوا فتُركوا، هم أولئك الذين يجيئون على قلوبهم بحبّ كذب فيصدّقوه، وبأمل يكذب فيواعدوه وبجرح عميق يغلقون عليه بمِرهم السماح وبالألم المباح الذي لا يطلع عليه الصباح إلّا وقد فاح. هم أشخاص أعجبوا بهم فأحبّوا وجودهم لكن عندما شاهدوا كيف شكّلهم أو لوّنهم الخالق بدّلوهم، هم أشخاص أحبّوهم فلما اختلفوا معهم بغضوهم.

 

المهمشون في الحبّ هم أشخاص حالمون لم يرسم الحلم لهم طريق اللقاء ولم تضمن لهم المغامرات طريق العودة فعلقوا في وحل الحظ السيء، المهمشون في الحبّ هم أشخاص كادحون ارتكبوا عطفا فلم يكتبهم إخلاصهم في دفتر الحقّ وتخلّى عنهم الحبّ، المهمشون في الحبّ هم المعلّمون الذين لم يتبقّ لهم من دروسهم سوى ذكرى تخنق ما تبقى فيهم من حياة.

المهمشون في الحبّ هم أصدقاء اقترفوا حبّا فتلاشوا مع الغيمات ثمّ رُحّلوا من الذاكرة مع مقدم الأفراح. المهمشون في الحب هم أناس حسّاسون ومعاطٍ، عطاؤهم مزدوج، هو عطاء نفسي ومادي ومع ذلك ينتظرون مقابلا نفسيا يشعرهم بالحبّ، هم أشخاص تصبّبوا عرقا فلمّا التمسوا حقّا ماتوا غرقا، هم المنتظرون الذين لم يتوقف عندهم أيّ قطار عدا قطار الخذلان، هم الخائفون الباحثون عن الأمان في البشر وفي السفر وفي الوطن فلم يحتويهم أيّ من هؤلاء. هم كل الذين أحبّوا هباء وأخلصوا هدرا وسكنهم الموت أحياء.

المهمشون في الحبّ هم أناس لم يُكتبوا بلغة “برايل”، فهم ليسوا بالرموز البارزة التي يمرّر الحالم عليها أصابعه كلّ ليلة، هم فقط كيانات لا تظهر في الحلم لأنهم لا يتسلّلون إلى اللاوعي، هم أناس قال فيهم الوعي كلمته، هم أناس اعتقدوا أنهم أحرزوا حبّا فافتقدوا قلبا، وهم أناس تكالب عليهم القهر المدقع.

المهمّشون في الحبّ هم كلّ المخلصين الصادقين الذين بسطوا أياديهم للحياة فأعرضت عنهم. هم اليتامى والفقراء والمساكين، هم المهاجرون واللاجئون، هم الراسبون والعاشقون والفاقدون والغائبون، هم كلّ الذين وقع عليهم النسيان والحرمان والهجر والألم، فلتتفقّد المهمشين في الحبّ من حولك ولتحتويهم، فإنّهم لن يعودوا إن رحلوا.

 

الوسوم

حياة بن بادة

- كاتبة جزائرية ومترجمة وأخصائية في علم النفس ومهتمة بالشأن الإنساني

مقالات ذات صلة

اترك رد