مجتمعغير مصنف

الدور على الدراما.. أوصياء جدد على الإبداع في مصر

أحمد خليل- القاهرة- مجلة ميم

يبدو أن هاجس الهوية الوطنية سيظل مخيما على أي نشاط يحدث في مصر، أكان سياسيا أو رياضيا أو فنيا أو حتى ترفيهيا، وهو ما تجلى مؤخرا في أزمة لجنة الداراما المنبثقة عن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، لرغبتها في تحديد أجندة بالموضوعات التي يطرحها المؤلفون والمنتجون ورموز الشاشة الرمضانية في مصر.

اللجنة، التي بدأت عملها في ديسمبر الماضي بقرار من الصحافي المقرب من النظام مكرم محمد أحمد، هدفها مساعدة الدولة في مراقبة الأعمال الفنية من المسلسلات التلفزيونية، بعد رصدهم كما هائلا من التجاوزات في الأعمال الدرامية الموسم الماضي من ألفاظ مسيئة ومواضيع تخالف عادات المصريين وتقاليدهم، بدعوى تقديمها صورة مسيئة عن مصر.

الهدف كان واضحا هو السيطرة على صناعة الدراما في مصر، لكن الروشتة الأخيرة التي خرجت عنها بتحديد الأولويات والأجندة المطلوبة وفقا للهوية الوطنية فتحت النار عليها من النقاد والمبدعين وأبطال الدراما، معتبرين أنها تفرض وصايا وتحد من الإبداع.

قوى مجهولة تستخدم الفن!

الناقدة خيرية البشلاوي، عضو لجنة الدراما، ترى أن الدراما خرجت من مسارها الطبيعى وتحولت إلى سلاح فتاك من قبل قوى مجهولة تستهدف هدم المجتمع المصري، مبررة ذلك بحجم الأموال الرهيبة التى تضخ لتمويل أعمال درامية لا يعرف أحد مصدرها الحقيقى تهدف إلى التشكيك لما هو ثابت ومستقر فى ذهن المصريين، وطمس الهوية المصرية بتصدير نماذج السوقة والمبتذلين وإخفاء متعمد للطبقة المتوسطة فى بلدنا التى تتعرض لحرب ضارية من كل الجبهات.  

وعرجت البشلاوي إلى منعطف آخر هو أن صناعة الدراما فى مصر الآن تشهد صراعا شيعيا سنيا، بعدما منع عرض مسلسل يروج للمذهب الشيعى، فحينما يكون لدينا جمهور واع نعرضه أما فى هذه الظروف فمن الصعب عرض مثل هذه النوعية من الأعمال بعد أن أدركنا كيف يتم استخدم الدراما كسلاح مثل المفخخات الإرهابية.

 

“مش ناقصين فاشية”

نادرا ما تجد الفنان الكبير عادل إمام، الملقب بالزعيم، أن يدلي بتصريحات صحفية في أي مجال، لكن تصريحات ممثلي لجنة الدراما أثارت حفيظة الزعيم لدرجة جعلته يصفها باللجنة القاشية.

وبرأي إمام، فإن اللجان حديثة العهد ستقضى على الفن فى مصر فلا ينبغى لأحد أن ينشغل بالفن إلا أهله بقوله “إحنا مش ناقصين لجان”. مشددا أنه ضد فرض وصاية على الفن وتشكيل لجان من اختصاصها متابعة المحتوى الدرامى للأعمال التى يتم تقديمها فى التليفزيون.

الزعيم ليس وحده من وقف أمام قرارات لجنة المخرج الكبير محمد فاضل، فلجنة الإبداع المختصة بدعم الفنانين المصريين عارضت هذا التوجه لدى الدولة، حيث ذكرت في بيان لها: “إن لتلك اللجنة الحق في إصدار قائمة مواضيع تنتجها الدولة بشكل مباشر مثلا كلجنة استشارية لمؤسسة إنتاجية ولكن وضع تلك القائمة بشكل عام فيه وصاية غير مقبولة على مبدعي مصر وعلى المتفرج سواء”.

وتابعت: “لعل هناك خلط هنا بين الإعلام و الفن خصوصاً و بين دور الدولة و اعلامها الرسمي و دور مؤسسات الاعلام عموماً التي قد يكون من واجبها أحياناً العراك الفكري مع اعلام الدولة وصولاً لحراك إيجابي”.

“لا نستطيع أن نجد مثالاً واحداً في التاريخ لقيام مؤسسة من مؤسسات الدولة بدور مماثل إلا في ألمانيا النازية في عهد هتلر ووزير دعايته جوبلز الشهير و إستديوهات أوفا التي كانت تنتج المواضيع و الرسائل التي يوافق عليها و يشجعها جوبلز .. هل تلك هي الصورة التي نرغب في أن يكون عليها المشهد الفني في مصر؟ فن تحت الوصاية؟ فن مدجن؟” هكذا لخصت لجنة الإبداع الهدف من لجنة الدارما.

البحث عن إعلام ما قبل 25 يناير

لا يمكن التعاطي مع أزمة لجنة الدراما والمبدعين دون وضعها في سياقها العام، فكما ترى الدولة أن المجتمع المدني تنفس خلال عامي 2011- 2012 وحان غلق منافذ تمويله وسد شريان إمتداداته، ترى أن الدراما جزء من هذه السيولة وحان وقت ظبطها.

يتضح ذلك من تصريحات المخرج محمد فضل رئيس لجنة الدراما بأن الدراما المصرية تعيش حالة من الفوضى منذ 2011 وإن الفن لم تناله يد الضبط إلى الآن.   

لكن هذه النظرة لا يرضه بها صناع الدراما في مصر، فيقول المؤلف عمر سمير إن الدراما التليفزيونية تطورت كثيرا بعد 2011 وقدمت أعمالا أفضل بمراحل من أعمال المخرج محمد فاضل.

سمير يرى أنها أزمة جيل أكثر من أي شئ آخر، يقول: “ياريت الجيل ده يسيبنا فى حالنا بقي والله وياريت لما الواحد يكبر ما يخنقش الأصغر منه بالطريقة دى ده لو كبرنا يعنى وما فطسناش منهم بدري”.

ويعرج المخرج الشاب إسلام أمين إلى الحديث عن اشتياق اللجان الإعلامية إلى استعادة وزارة الإعلام التي تحدد هذه السياسات، حيث تظره نغمة توعية الشعب بالخطأ والصواب بمنطق وصائي.

يقول أمين لمجلة “ميم” إنه لا توجد دولة في أوروبا أو الصين بها وزارة إعلام، والملحوظ الآن لجان الإعلام تلعب دور وزارة الإعلام “وزارة الدعاية” لرسم صورته عن نفسها من خلال الهوية المصنوعة، مشيرا إلى أن أبناء دولة يوليو القديمة يريدون استعادة دور وزارة الإعلام.

وعن تقييمه لدور لجنة الدراما: “لا دور واضح لهم حتى الآن غير أنهم أوصياء، تريد ان تمارس سلطات خفية وتكمل خطوة الاستحواذ والتأميم على القنوات الفضائية، لكن الناس سينصرفون عن نوعية هذه الأعمال الموجهة ويتجهون إلى الإنترنت”

ويتوقع أمين أن صناعة الدراما ستلحق بالتوك شو وتنهار تماما بسبب منطق لجنة الدرما شديد الوصائية على المجتمع.

الدراما التي تريدها الدولة

الواضح أن الدولة لا تريد أن تمرر اي مصطلحات أو قيم سياسية مغايرة إلى المواطنين الذين ينسجمون مع المسلسلات في شهر رمضان، ودا جليا أنها تريد الدراما الاجتماعية الدافئة الخالية من الشوائب السياسة.

المخرج محمد فاضل دلل على ذلك بالأعمال التي عرضت قناة dmc ، الواجهة الرسمية لجهاز المخابرات الحربية، منها: “الطوفان” و”أبو العروسة” و”واحة الغروب” و”لأعلى سعر”، وكلها أعمال اجتماعية تدور تفاصيلها عن البيت المصري.

كما وضح لنا تدخل لجنة الدراما في هذه الأعمال، حيث صرحت خيرية البشلاوي بأن الجمهور سيلحظ اختلافا شديدا فى الجزء الثانى لمسلسل “سابع جار” عن الجزء الأول الذى أثار حالة بلبلة كبيرة واستهجان بسبب الألفاظ الخارجة الكثيرة الذى تضمنه العمل.

القرارات الأخيرة تتسق كثيرا مع ما طلبه الرئيس عبدالفتاح السيسي من العاملين في مجالي الإعلام والسينما، حيث عظم دور السينما في صناعة وعي حقيقي للمواطنين، فهو يري أن العاملين في قطاعي الإعلام والسينما لديهم حظ من الأجر والثواب عكس ما يعتقد الناس، داعيا إلى ضرورة عمل أفلام سينمائية تدعم الأخلاق والقيم الجميلة.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.