مجتمع

كيف تحولت غزة إلى بؤرة لموت مرضى السرطان البطيء؟

مجتمع

 

تمارا أبو رمضان- غزة

شعر خليل عبد الله بالقلق البالغ عندما وردته أخبار تفيد بأن مستشفى أوغستا فكتوريا في القدس لن يستقبل المزيد من المرضى. والجدير بالذكر أن خليل عبد الله البالغ من العمر 21 سنة، مريض بالسرطان، ويقطن في مخيم جباليا في قطاع غزة، وهو المعيل الوحيد لأسرته المكونة من ستة أفراد. وفي السابق، عمل خليل نقاشا، ولكنه توقف عن العمل بمجرد أن علم بإصابته بسرطان الخصية ما استدعى خضوعه لعملية جراحية.

 

صرح خليل لموقع الانتفاضة الإلكترونية، “توفي والدنا منذ أن كنا صغارا، ومنذ ذلك الحين، تعتمد أمي وشقيقاتي عليّ، لذلك يجب أن أجد العلاج”. وفي الواقع، لا يوجد مستشفى آخر يقدم العلاج الذي يحتاج إليه عبد الله سوى مستشفى أوغستا فكتوريا في القدس الشرقية، الواقع في الجزء المحتل من الضفة الغربية. وخلال شهر تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، أعلن المستشفى أنه لن يستقبل مرضي من خارج القدس الشرقية، وخاص من غزة. كما طالبت إدارة المستشفى كل من لديهم تحويل للمستشفى من خارج القدس الشرقية، بأن لا يفكروا في القدوم إليها.

 

على خلفية ذلك، أكد المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان أن إدارة المستشفى اتخذت هذا القرار بعد أن عجزت وزارة الصحة الفلسطينية في الضفة الغربية عن سداد الديون المتخلدة بذمتها للمستشفى. وحيال هذا الشأن، صرح مدير المستشفى، وليد نمور، أن ديون السلطة الفلسطينية للمستشفى بلغت 35 مليون دولار.

 

بداية الضجة

على مدار أربع سنوات، تراكمت هذه الديون على السلطة الفلسطينية، ومازالت تحاول التعامل معها. في المقابل، كان رد السلطة الفلسطينية على قرار إدارة المستشفى مقتضبا للغاية. وفي بيان نشرته شبكة فلسطين الإخبارية في تشرين الأول/ أكتوبر، أكدت وزارة المالية الفلسطينية، التي تقدم الدعم المادي لكافة الوزارات الأخرى بما في ذلك وزارة الصحة، أنها تبذل “مجهودا جبارا” من أجل سداد ديون مستشفى أوغستا فكتوريا.

 

في هذا السياق، أعلنت وزارة المالية الفلسطينية أنها قامت بتحويل مبلغ 15 مليون دولار لمستشفى أوغستا فكتوريا في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، فضلا عن أن وزارة الصحة الفلسطينية ستعمل على سداد مبلغ 2.2 مليون دولار شهريا للمستشفى. كما طالبت وزارة المالية إدارة المستشفى بإمعان النظر في ممارساتها والتحقق من تكاليفها التشغيلية قبل أن تنقل المشكلة إلى الصحافة ومواقع التواصل الاجتماعي، مؤكدة أن إدارة المستشفى هي من قررت نقل هذه المعركة إلى العلن.

 

مما لا شك فيه، لن يفيد تراشق التهم بين إدارة المستشفى والسلطات الفلسطينية شخصا مريضا مثل خليل عبد الله، الذي توقف عن تناول المسكنات بسبب عيب خلقي في القلب. وفي الوقت الحالي، أصبح لا يستطيع النوم بسبب الألم. وفي ظل تدهور حالة المرضى الصحية، دعا المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان كلا من السلطة الفلسطينية ومستشفى أوغستا فكتوريا إلى حل هذه المشكلة في أسرع وقت ممكن.

 

في شأن ذي صلة، أكد المحامي الحقوقي، محمد بسيسو، لموقع الانتفاضة الإلكترونية إنه من بين مئات المرضى في غزة الذين يحصلون على تحويل لمستشفى أوغستا فكتوريا، لا يستطيع دخول المستشفى كل شهر نحو 50 أو 70 بالمائة منهم.

 

في تموز/ يوليو من سنة 2017، سجلت منظمة الصحة العالمية تحويل نحو 547 مريضا من قطاع غزة لتلقي العلاج في مستشفى أوغستا فكتوريا. ولكن، لم يتمكن سوى 57 بالمائة منهم فقط من عبور معبر بيت حانون وبلوغ المستشفى وتلقي العلاج. ويعزى ذلك لسيطرة إسرائيل على حركة الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية. بالإضافة إلى ذلك، إن إجراءات التحويل والحصول على تصريح من الجهات الإسرائيلية للتمكن من الذهاب للمستشفى، بطيئة جدا وتتطلب وقتا طويلا.

 

ففي المقام الأول، يجب أن يكتب الطبيب المعالج تقريرا يفيد بأن المريض لا يمكنه تلقي العلاج في غزة. وبالطبع لا يوجد أي تلاعب في الأمر، فمنذ عشر سنوات تفرض إسرائيل حصارا خانقا على قطاع غزة، فيما يزداد الحصار على أهالي القطاع من قبل السلطة الفلسطينية، بسبب سيطرة حركة حماس عليه. ومن جهتها، أكدت منظمة الصحة العالمية أن قطاع غزة ينقصه قرابة 223 علاجا ضروريا.

 

إجراءات لا نهاية لها

بعد ذلك، يتوجه المريض إلى إدارة إحالة المرضى للخارج التابعة لوزارة الصحة الفلسطينية، من أجل الحصول على موافقتهم، علما بأن هذه الإدارة تتخذ موقفا سياسيا متحيزا وتميز بين المرضى المحولين من قطاع غزة والمرضى المحولين من الضفة الغربية.

 

عموما، تحدد إدارة إحالة المرضى للخارج المكان المناسب لكل مريض لتلقي العلاج، وإذا كان من الضروري أن يمر من معبر بيت حانون لتلقي العلاج في الضفة الغربية أو في منشأة إسرائيلية. وفي الحالات المستعجلة، يتوجه المريض إلى مكتب التنسيق الخاص بالمنطقة التابع للسلطة الفلسطينية، للحصول على موافقة “مكتب تنسيق الحكومة في المناطق” التابع لإسرائيل.

 

خلال السنة الماضية، توفي عدد من المرضى في قطاع غزة بعد أن تأخرت وزارة الصحة الفلسطينية في الرد على طلباتهم، بشأن إحالتهم إلى مراكز طبية متخصصة في إسرائيل أو الضفة الغربية. وتجدر الإشارة إلى أنه يتوجب على وزارة الصحة في الضفة الغربية الموافقة على هذه الطلبات قبل أن يوافق عليها الجانب الإسرائيلي.

 

تستغرق هذه العملية وقتا طويلا، وفي الغالب، تنتهي بخيبة أمل كبيرة. وحسب منظمة الصحة العالمية، سجلت خلال سنة 2017 أسوأ معدلات موافقة على طلبات تحويل مرضى لخارج غزة منذ أن بدأت المنظمة في تسجيل بيانات هؤلاء المرضى منذ سنة 2006. كما نشر مكتب تنسيق الحكومة في المناطق التابع لإسرائيل، في تشرين الأول/ أكتوبر، إرشادات جديدة حول المدة التي تستغرقها عملية الموافقة على طلب التحويل، مؤكدا أن الحالات غير المستعجلة قد تستغرق 23 يوم عمل لتلقي الرد.

 

مر خليل عبد الله بكل تلك المراحل؛ ففي البداية، قدم طلبا للحصول على تصريح سفر في شهر تموز/ يوليو من سنة 2017. وبعد تلقي الرد على الموعد المحدد له بالذهاب إلى المستشفى، الذي كان مقررا في 19 تشرين الثاني/ نوفمبر، أبلغ مكتب تنسيق المناطق الفلسطينية عبد الله بأن عليه الانتظار لدواعي أمنية. وفي هذا الصدد، قال عبد الله لموقع الانتفاضة الإلكترونية “إنني مجرد شخص مريض بالسرطان، ولست عضوا في أي جماعة مسلحة، فما هو التهديد الذي أمثله؟”.

 

يقدم المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان المساعدات القانونية، ويتواصل مع الجانب الإسرائيلي. وفي هذا الإطار، قال بسيسو لموقع الانتفاضة الإلكترونية “إننا نحارب في اتجاهين مختلفين”. فمن جهة، يحاول المركز التخفيف من الإجراءات الإسرائيلية المعقدة لنقل المرضى خارج قطاع غزة، ومن جهة أخرى، يسعى للحد من تأجيل السلطة الفلسطينية للدعم الذي تقدمه للمستشفيات.

 

بمجرد أن تعلم إدارة مستشفى أوغستا فكتوريا المرضى بعدم الحضور في الموعد الذي تم تحديده لهم مسبقا، يتحرك المركز على الفور. وفيما يتعلق بهذه الأزمة، قال بسيسو “لقد سبب لنا هذا الأمر الكثير من المشاكل في عملنا، ما اضطرنا إلى إعادة جدولة مواعيدنا في الكثير من الأحيان، وإعادة تقديم طلب التصريح بالتحويل مرة أخرى للعديد من المرضى من البداية”.

 

مع مرور الوقت، تزداد حالة عبد الله سوءا. ومؤخرا، اكتشف عبد الله إصابته بورم خبيث في العقد اللمفاوية، وهو بحاجة ماسة للعلاج. ومن جانبه، أورد عبد الله “إن السرطان ينهش جسدي، أنا أموت ببطء. وكل ما انتظره هو موافقة إسرائيل على سفري”.

 

سباق ضد الزمن

يمضي الوقت بينما تعاني نرجس الحساني من سرطان الثدي، التي تبلغ من العمر 47 سنة، وتقطن في مخيم الشاطئ في غزة، وهي أم لطفلين. صرحت نرجس لموقع الانتفاضة الإلكترونية “مضت خمسة أشهر، ولم يتبق سوى شهر واحد لتلقي العلاج”. وحاليا، تعمل الحساني معلمة دراسات اجتماعية في إحدى المدارس التي تديرها الأمم المتحدة في مخيم الشاطئ.

 

في كانون الثاني/ يناير من سنة 2016، تم تشخيص درجة إصابتها بالسرطان، وقد خضعت لعملية استئصال للثدي، بالإضافة إلى ثماني جلسات علاج كيميائي في مستشفى غزة. وحاليا، عليها أن تخضع للعلاج بالإشعاع، ما يتوجب الذهاب إلى مستشفى أوغستا فكتوريا.

 

في هذا السياق، قال خالد ثابت، رئيس قسم الأورام في مستشفى الدكتور الرنتيسي في قطاع غزة، حيث كانت تتلقى الحساني جلسات العلاج الكيميائي، “إن مريض السرطان لديه ستة أشهر كحد أقصى للعلاج بالإشعاع”. ومنذ أن أنهت الحساني علاجها الكيميائي قدمت على طلب السفر ثلاث مرات وكل مرة تتلقى نفس الرد: التأخير لدواعي أمنية.

 

حيال هذا الشأن، أفادت الحساني “لقد تم تأجيل طلبي ثلاث مرات، وعندما قرأت عن مستشفى أوغستا فكتوريا شعرت بالإحباط الشديد”. وأكدت الحساني “إن كل الألم الذي شعرت به أثناء جلسات العلاج الكيميائي من الممكن أن تذهب هباء إذا لم أخضع للعلاج بالإشعاع”.

 

The Electronic Intifada ترجمة مجلة ميم 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.