مدونات

عن التاريخ وأشياء أخرى

بقلم: زينب البقري

 

اعتدت منذ الصغر على مشاهدة صور مبارك في المدرسة في حجرة المديرة، وفي حجرة التدبير المنزلي أو (أوضة الاقتصاد) كما كنا نسميها، لا أدري لما يضعونها هناك، ولكن صورته تتواجد في كل حجرة تتسع بعض الشيء مساحة أو سلطة.

لم أكن أشعر بضيق أو استياء على الإطلاق، لم أحب هذه الصور، وإنما أدركت حينها أنه شخص مهم حتما. فنحن في بيتنا لا نعلق صورا إلا لمن يغادرون دنيانا، كهذا الحائط في بيت البلد الذي حمل صورة جدي ثم عمي.

كنت أحب جريدة الأهرام وأحيانا الجمهورية كان أبي يدخل بهما بشكل يومي، انتظر يوم الجمعة حيث نتقاسم صفحات

زينب البقري

الجريدة فأحصل على صفحة بريد الجمعة، نتصارع على ملحق أيامنا الحلوة، كنت أحب حمار حصاوي جدا، ولم أكن أضيق بكلمات صلاح منتصر حينئذ.

كنت اتخيل نفسي حينما أكبر أن اكتب في الأهرام، كنت اقص مواقف أنيس منصور واحتفظ بصفحة بريد الجمعة، وأجمع تحقيقات السبت حتى لا يصبح مصيرهم كباقي صفحات الجريدة؛ أن تؤتى فيؤكل عليها.

لم تكن لدي مشكلة مع الدولة أو ما يمثلها من سلطة، فكل طفل صغير يعد الدولة هي أسرته، فينظر إليها من خلال علاقته بهذه النواة الصغيرة.

أحببت مادة الدراسات الاجتماعية لأن مدرسة الدراسات كانت تحبني، كنت أشعر بذلك. ولأنني كنت أعرف معلومات تاريخية أكثر من أقراني حينها، والسبب الأهم لأنني أحب الحكي. كنت في الصف الرابع الابتدائي أحب عبدالناصر، كان هو بطلي الذي حرر الفقراء من ضيق الملكية واذهب الاحتلال. كانت أغاني عبدالحليم وشادية الوطنية تثيرني وتحمسني.

فصوت عبدالحليم صادحًا “قلنا هنبني وأدي إحنا بنينا السد العالي” كان أعلى من صوت الأبنودي حينما روى على لسان حراجي القط ثمن بناء السد العالي من أرواح العمال الذين تحملوا الغربة عن قراهم، وخاطر بعضهم بحياتهم أثناء نسف الجبال بالديناميت. لم أكن أعرف الأبنودي حينها سوى اسمه المكتوب على مجلد السيرة الهلالية الذي جاء به أبي من مكتبة الهيئة معه يومًا.

كانت القاهرة (أو مصر) بالنسبة لي هي المكان المليء والعالم الذي ترغب في الانتقال إليه، فهي مكان حديقة الحيوان التي اصطحبني أبي إليها بعد مسابقة فرسان القراءة في مسرح البالون التي لم اصعد فيها لأي مركز.

أما الآن فإني أضيق بمركزية القاهرة وأكرهها، فلم تعد في نظري ذاك المتحف الذي حرص أبي في كل مشوار لنا معه أن يخرج يده من نافذة السيارة يخبرنا هذا المكان الفلاني، وتلك البناية تاريخها كذا، وهذا الطريق يُسمى صلاح سالم، تدري يا أبي أني صرت أمقت صلاح سالم، لأني أمضي فيه وقتًا أكثرمما أمضيه في حجرتي.

كبرت وتدرجت كراهيتي لكل ما هو رسمي، استبدلت الأهرام بالمصري اليوم والدستور والشروق، أحببت مقال بلال فضل ومقالة عمر طاهر، واحترمت ما كتب فهمي هويدي. ومنذ 2012 كرهت كل ما هو رسمي وقاطعت كل الجرائد، واهتزت عندي صور المعارضة أجمع، ولم تعد الدولة تعني لدي سوى القهر القهر الخالص.

شعرت كأن لدي ثأر شخصي مع التاريخ، شعور بالخداع من كل ما تلقيت من الدراسات التي كنت أحبها، ووجدت بغيتي في كل ما يتلمس الحديث عن الناس العادية المنسية، فالتاريخ الذي لا نعرفه هو التاريخ الحقيقي، التاريخ هو صوت الناس وذاكرتنا المؤلمة وليس صالون المنازل المذهب.

ولأن الشعب أغلبه فلاحين وصعايدة فصرت أشعر أن الأفندية من الطبقات الوسطى عالقين بين صفحات التاريخ، لم أحدد موقفي منهم بعد، فمن هؤلاء الأفندية عبدالناصر وغيرهم كل ما فعلوه هو أن جعلوا العمل بالسخرة هو هو ذات عمل المحتل لكن تحت شعارات زائفة. أما الحقيقة غير الزائفة هي ما يكشف عنه العامة دون تجميل. فآمنت بهم أكثر.

وانتقلت للناحية الأخرى أبحث عن موقف العامة، استشف من كل مصدر في حدود ما أقدر تعبيراتهم واتلمس في معاناتهم صدق خالص، في محاولة للبحث عن براءة ما بين صفحات التاريخ، رأيت في مواقفهم بطولة وثمن، فأذكر حينما قرأت عن قرية إخطاب التي أُكرهت على حمل لافتات تحمل عبارة “تعيش وزارة جلالة الملك” بعدما أقيلت وزارة سعد زغلول، فخرج الفلاحون بلافتاتهم وحميرهم لملاقاة موكب الوزراء وحينما اقترب الموكب، بدأوا يتسربون بخفة إلى الحقول المحيطة بالطريق الزراعي، وتركوا الحمير تحمل اللافتات لتستقبل الموكب منفردة، فرحت للغاية، ولكن صمتت برهة حينما عرفت أن ثمن هذا الموقف كان الجلد والضرب والاعتقال.

كلما أمعنت النظر وجدت أن هؤلاء المهمشين لم يكونوا في تمام البراءة أيضًا، فمنهم من تظلمه السلطة وتمارس العنصرية عليه، ويمارس نفسه عنصريته على غيره، فيستحقر الصعايدة الفلاحين مثلا، ويسخر الفلاحون من الصعايدة، حينما عرفت أن منهم من ذهب إلى أسوان وقت بناء السد العالي في الـــ 60 لأجل أخذ الثأر! أأقتل أحد مغترب عن أهله في عمل شاق، كل حلمه العودة لبيته مرة!، أليس للقتل حتى بعض المروءة!

عرفت من بين ثنايا الحكايا أن التاريخ ليس به نقطة بيضاء خالصة، ما زال يتعبني ذاك الجزء الذي تحمله نفسي الذي يرغب في البحث عن معنى صاف بلا ألم، أدرك أنه خطأ ولكن لم يصمت بعد.

التاريخ يخبرنا أن الحياة ليست كذلك وأن الانتصارات حملت هزائم أخرى ولكن لم يكتبها أحد، عرفت حينها لما يسعى الكثيرون نحو صنفرة التاريخ وصنع بطولات من هواء، ليحشدوا من يدفع الثمن، ولأجل أن يخلقوا سرابًا نحو عالم أكثر احتمالًا، أو لأجل أن يكون ثمة دافع للبقاء بخلق يوتوبيا ممكنة الحدوث بتجميل التاريخ الماضي.

أحيانا أرى التاريخ عبارة عن حلقات من القهر والذل، أبالغ أحيانا حينما أقول هل كانت أخر سنوات من حكم مبارك جيدة لأني لم أعرف من قُتل فيها بالجملة؟، ثم أتذكر أن ثمة موت بطيء لا يشترط فيه الرصاص ولكن موت من المسترطنات والفساد الذي أودى بحياة كثيرين، أعرف مذاق مرارة التاريخ هنا.

ولكن لم أكره البلد رغم مرارة تاريخها وذاكرتها المؤلمة، ولم اكره القدر الذي جعلني أولد هنا ولا أدرى لما، ربما خوف مصير طائر وحيد ملقى على رصيف في مدينة فرانكفورت، أو لأن هذه الأرض حملت في جوفها وثاوى ترابها من نحب؟، أو لأننا نبحث عن معنى ما للحياة، ولأننا أناس (فقرين ) لم نر المعنى سوى في الشقاء ، لا أدري.

ولكن ما صرت أوقن به أن التاريخ هو حياتنا وذاكرتنا وسنوات عمرنا ورائحة المكان وخديعة الأمل فينا. ولم أعد أخشى الهزيمة، لأني صرت أرى الحياة أوسع من انتصار أو هزيمة، وإنما جَدِيلَةٌ هِيَ مِن يَأْسٍ وَمِنْ أَمَلٍ خَصْمانِ مَا اْعْتَنَقَا إلا لِيَجْتَلِدَا..

زينب البقري 

مدونة مصرية

الوسوم

اترك رد