مجتمع

سلام على المرأة في شخصك يا زينب الغزالي..

مدونات

 

لست أدري بما أبدأ؛ و لا بأي الكلمات أنتهي، و ها أنا ذا أضع كتاب” أيام من حياتي” للحاجة زينب الغزالي، بعد أن قرأت آخر كلمة في آخر صفحة, كان الكتاب رحلة عذاب بالنسبة لي أنا الذي كنت أقرأ كلماته، فكيف بالتي عاشت التجربة، و هي المرأة الضعيفة تتقاذفها الأرجل، و تمزقها المخالب، بين كلاب من فصيلة الحيوانات، و كلاب من فصيلة البشر؟ باليت ماقرأت كان رواية من نسج خيال كاتب سكران , لكنها الحقيقة المرة , ولكنها قوة الإيمان ..!

فأي جرح غائر هذا الذي تركتيه في النفس، بل أي عمق هذا الذي أغوص فيه بين سطر وسطر، أو لعلها حقيقة أخرى: وهي

أن الذي عاش التجربة ليس كمن جلس في مكتبه وبدأ يتخيل أحداثا ويحاول أن يصور عذابا لم يذقه! فوحده من ذاق عرف، ومن ذاق صور صدق الذوق، فتخرج الكلمات من فم المجرب وقلمه محملة، مشحونة بثقل التجربة ؛ فيتلقفها المتلقي حارة كالجمر تحرق كل مستشعرات الألم داخله!

وقد يقف المرء حائرا أمام صبر وجلد مثلك يا زينب، وقد لا يجد تفسيرا في عالم المادة ليستدل على القوة الكامنة داخلك،

فكل النظريات المادية، و التفسيرات الأحادية، تتهاوى كما تهاوت قوى الباطل على مر التاريخ….إنه الإيمان! وحده الذي يفسر ثباتك وثبات إخوانك من الذين وهبوا أجسادهم من أجل أن تحيا أفكارهم، فكان شعارهم: “فلتعذبوا هذا الجسد، أما الروح فهي متصلة بعالم الأبدية، تستمد قوتها، واستمرارها، و أنفتها، أرواحنا لن تخضع لقهركم مهما حاولتم” .

إنها حقا من التجارب الإنسانية التي ينبغي أن تخلد، وأن تنشر بين الأجيال حتى يتربوا على قيمة العدل، وحتى يمقتوا الظلم بكل تلاوينه، وحتى يستقوا دروس المجد، وليعلموا علم يقين؛ بأن الأفكار لا تخلد بمجرد عرض مزخرف، أو كتاب منمق، وإنما تروى بالدماء الغضة الطرية، ولتتأمل التاريخ فكل الدعوات التي كان أصحابها يهادنون ويتملقون ماتت بموت أصحابها ! أما الأفكار، والدعوات، والقضايا العادلة، التي كان منطلقها تحقيق العدل بين البشر كقيمة مطلقة فإنها أفكار تحيا بموت أصحابها، وها هي الحاجة زينب وقد ارتوت من ذلك المعين تسجل لنا قصة ثبات تعجب منها الجبال الراسيات.

ولمن لم يسمع بكتاب “أيام من حياتي” للحاجة زينب الغزالي؛ فهو كتاب يوثق تجربتها المريرة في السجن أيام حكم جمال عبد الناصر، ويسلط الضوء على جانب مظلم من تاريخ مصر؛ تاريخ القهر وتصفية الخصوم، بأقذر الوسائل ،كما في الكتاب أيضا تأريخ لمرحلة، وتسليط ضوء على زوايا من حياة سيد قطب، ومحمد قطب، وحميدة قطب، وبعض رموز الاخوان المسلمين. وليس مبتغانا هنا أن ننتصر لطائفة على طائفة، وإنما همنا أن نقرأ التاريخ كما هو لنستفيد من أخطاء الماضي، حتى نحسن تقييم الوضع الحاضر، فكثير من انتكاسات الحاضر زرعت بذورها في الماضي.

كتاب يضع بصمة عار على جبين تلك الوحوش البشرية منذ فجر التاريخ، فليست تجربة شخصية لزينب الغزالي، وإنما هي تجربة إنسانية تتكرر بتكرر عواملها؛ فئة تسعى لنشر الفكر وفئة تؤمن بمنطق القهر والبأس والتنكيل، فئة سادية تتلذذ بإيقاع العذاب على الفئة المخالفة،فهل تذكرون سجن “تزمامارت” وما حكاه أحمد المرزوقي ورفقاؤه …هل تذكرون سجن “جوانتناموا” …وغيرها من السجون والسراديب، هل تذكرون محاكم التفتيش، هل تذكرون …!الحكايات و القصص كثيرة، وإن في قصصهم لعبرة، عبرة لأصحاب الأفكار التي تنشد الصلاح للإنسانية: بأن الحق حق وإن انتفخ الباطل، وإن اكتسب من ألآلات التعذيب ما اكتسب، وإن بدا في صورة المهيمن وإن دمر ما دمر! وعبرة للظالمين بأن ليل الظلم قصير، ومهما طال ستشرق شمس الحرية على الضعفاء والمعذبين في الأرض .

وكأن التاريخ يعيد نفسه، فهاهي أرض الكنانة تتأوه من الظلم، وهاهي نفس الوحوش تشحذ أسلحتها لتعذب الآلاف من زينب الغزالي ولتعيد تكرار جريمتها، فوحده الله يعلم ما يجري خلف تلك الأسوار الآن وقد اكتظت بالزوار! ووحده يعلم أي قصص ستحكى بعد أن تخرج زينب الغزالي مرة أخرى رافعة راية النصر وشاهرة قلمها في وجه عدو الإنسان..!

فسلام على المرأة في شخصك يا زينب الغزالي أينما وجدت، وسلام على أرواح النساء اللواتي قضين في سبيل رغيف خبز، أو في سبيل كرامة وشرف، أو في سبيل حرية وعدل…!

 

الوسوم

عمر السطي

مدون مغربي

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.