مدونات

ذكرى رحيل

بقلم: ولاء رزق

 

هل كنت تعرف في غيابك أنني سأذوب شوقًا؟ أم أنك في كل تلك الغيابات كنت تتخيل أن الوقت سيُنسيني؟ أسألك دومًا هل كنتَ تعي ذلك حين استبد بك الرحيل، وصار لزامًا أن يحدث؟ هل ذاك اليوم المشهود الذي كانت روحك لا تزال عالقة تحاول الخروج وصوتي يحدِّثُك، هل كنت تسمعني؟ أم أن عالمنا كان ضبابيًا حولك؟

خمسة عشر عامًا وأنا أتساءل دومًا عن تلك النهايات المفتوحة، التي لم تغلق بداخلي بعد ولم أعرف لها إجابة.
تلك اللحظات التي لم أعيها إلا متأخرًا، حاولت حينها أن أصبر، فبدلًا من الصبر قفزت فوق الحزن ومضيت بالحياة أقاتل كي أصل لما تفخر به وأنت في الغياب.

ومع كل عام يمر كنت أعي الحزن أكثر أو لنقل أدرك ماذا يعنيه الفقد لفتاة مدللة رحل عنها رجلها الأول في تلك الحياة.
“عالقون نحن يا أبي بين ذكرى حب أشبعنا ووخز فقد لم يرحم قلوبنا بعد كل هذا العمر”.

ولاء رزق

أتدري؟.. كل يوم يمر هو حقيقة ماثلة أمام عيني لأواجه الحياة التي لم يكملها وجودك، الصورة التي ألتقطها مع أمي أتخيلك في زاويتها تنظر إلينا وتبتسم. سؤال صغيري لي بالأمس لماذا نموت؟ ولماذا مات أبوك؟

بشكل مجرد تمامًا أمامي بحقيقته الماثلة التي لا زيف فيها،ومحاولتي لإجابات عدة كي يهدأ روع السؤال بقلب هذا الصغير الذي صار يسألني عن الموت وعن الحياة.

أجدني حائرة حقًا وأنا أجيب، هل حقًّا عشت عمرًا كاملًا أم أنه عمر برغم اكتماله القدري لك هو منقوصٌ بالنسبة لي؟!

مربك هذا الرحيل للغاية، لا نعرف ماهيته إلا بعد أن تمر سنون وسنوات عليه،فنسميه نحن بشكل مهذب “رحيل” كي لا نفجع أرواحنا بكونه “موت وفقد”.

ومع كل ذكرى تظل الأسئلة التي لم تجَب يومًا تزداد، والعمر الذي مر والفرحة التي دخلت للقلب. تلك الحياة التي لم تقف يومًا.. تلك الأحلام التي حققنا منها الكثير.. كل هذا يخبرنا أن الحياة لم تقف من حولنا يومًا.

 

جلستنا تحت عباءتك الشتوية التي كنا نتخيل أنها هي من تدفئنا لكنه أدرك أن قلبك هو من كان يدفئنا جميعًا

 

لكنها وقفت بدواخلنا كثيرًا في أوقات مرت كدهر، في لحظات الخذلان والعالم الذي كاد أن يبتلعنا في دوامة أحزاننا،
ولكنه الوقوف الذي كان هناك حيث تقبع أنت في قلبي، فكانت الحياة تسير وكأن لا شيء يحدث، فناموس الكون لا يتوقف لرحيل أو وجع.

“نرى الدنيا ناقصة للغاية مع كل رحيل لكننا بالنهاية ندرك أن كل نقصان يكمله وميض بصور الراحلين”

وكما كان يقول درويش:

“قل للغياب: نقصتني، وأنا أتيت لأكملك”

وهَأنذا أحاول أن أعي ذلك النقصان الذي يكمله الرحيل وقلبي مثلما تركته، قلب طفل فقد أباه لا يكبر أبدًا ولايفطم عن فقده،
يجمع في مخيلته كل صوره الطفولية معك وكل مشاهد الضحك واللعب ويتخيل لو أن أطفاله هو من يعيشون معك تلك اللحظات ضحكاتك وعيناك تلمع وتدمع دخولك من الباب بكيس الحلوي جلستنا تحت عباءتك الشتوية التي كنا نتخيل أنها هي من تدفئنا لكنه أدرك أن قلبك هو من كان يدفئنا جميعًا.

“أتدري؟ لا شيء يسمى الاعتياد في الرحيل، نحن لا نعتاد نحن نسلي أنفسنا ونكذب عليها أحيانا كي لا نصاب بالجنون”.

كل عام وأنت بكل هذا البعد لاتموت بدواخلنا، منعم بجوار رب كريم وهذا هو العزاء.

ولاء رزق

 كاتبة مصرية

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق