مدونات

المرأة اليمنية وإرهاصات الربيع العربي

تعاملت المرأة اليمنية مع النظام القبلي المحافظ فتجاوزت العوائق التي كانت لتقف في طريقها عادة، فعلا صوتهن من خلف الحُجُب المجتمعية أو التي تفرق عليهم باسم الدين

 

منذ اندلاع الثورة اليمنية في العام 2011 لم تَغِب المرأة اليمنية عن ساحة النضال الشعبي سعياً لتحقيق مطالب الجمهورية من حرية وعدالة اجتماعية ومقاومة للفساد المتفشي.

وقد تجلّى ذلك في مساهمتها الفاعلة أثناء حركة المسيرات السلمية والاعتصامات. وقد تعاملت المرأة اليمنية مع النظام القبلي المحافظ فتجاوزت العوائق التي كانت لتقف في طريقها عادة، فعلا صوتهن من خلف الحُجُب المجتمعية أو التي تفرق عليهم باسم الدين.

وقد أصرت النساء على لعب هذا الدور حتى مع تلك المحددات فقمن بتنظيم المظاهرات المنفصلة عن الرجال، وقد كانت اليمنية توكل كرمان الحاصلة على جائزة نوبل وأيقونة الثورة اليمنية تستقبل الناس في خيمتها الخاصة. يجلس بجوارها والدها صامتاً مستمعاً لابنته متخلياً عن موقعه الأبوي، حيث تتحدث ابنته في “السياسة وتقود جموع الشباب الثــّوار.

إنه أمر لم يكن معهوداً في المجتمع اليمني المعاصر: أن يصمت الرجال وأن يتركوا الكلمة للنساء في الأماكن العامة. لكن والدها يبتسم ويقول: “يكفي أن تتكلم ابنتي. ولها الحق في القيام بذلك. إنها تتحدث عن مستقبلها وعن مستقبل بلدها. أما نحن الرجال الكبار في السن فقد أصبحنا من الماضي”[1].

ومع تطور الأحداث في اليمن واشتعال الحرب بين أطراف النزاع انتقلت المرأة اليمنية إلى صفوف الشرطة اليمنية بصورة رسمية في نقلة نوعية، حيث تم في أكتوبر/ تشرين الأول 2015 حفل تخرج أول دفعة شرطة نسائية، وتمثلت مهمتهن الأساسية في التعامل مع القناصة الحوثيين الذين يتسللون إلى مناطق “المقاومة” بأزياء نسائية، فأوكلت إليهن مهمة تفتيش المجموعات النسائية لمنع تسلل الحوثيين إلى مناطق المقاومة.لكن هذه التجربة لم تستمر بنجاح حيث تعرضت المرأة اليمنية لعملية إقصاء من صفوف الجيش بإسقاط أسمائهن من كشوفات الرواتب.

وعلّقت ابتسام محمد المقدم إحدى المجندات بالجيش على الإجراءات بقولها: “في بعض الفترات اضطرت لحمل السلاح للاستعداد لأي طارئ، وقد استبشرت حين تم ترقيمها ضمن قوام الجيش واستلمت راتبها، لتفاجأ بأن اسمها قد تمّ إسقاطه بعد ذلك. وهذا سلوك متجذر للأسف في المجتمع الذي ينظر للمرأة نظرة دونية ولا تحضر إلا في الشعارات السياسية، بينما يتم معاملتها باستنقاص ومصادرة الحقوق والنظر لها باعتبارها عيبا يجب إخفاؤه”.[2]

بينما اعتبرت دائرة المرأة في الحزب الاشتراكي اليمني بتعز، في بيان لها بأن “النظرة الدونية والانتقاص من حقوق المرأة وإسقاط أسماء النساء من كشوفات الرواتب تنم عن عقليات لا إنسانية، ولا تمت بصلة للعصر ولمخرجات الحوار الوطني، التي تنصّ على حق المرأة اليمنية بالحصول على نسبة لا تقل عن 30 في المائة للمشاركة في مختلف مجالات ومستويات السلطة والعمل العام”.

 

تعاملت المرأة اليمنية مع النظام القبلي المحافظ فتجاوزت العوائق التي كانت لتقف في طريقها عادة، فعلا صوتهن من خلف الحُجُب المجتمعية أو التي تفرق عليهم باسم الدين

 

أما عن الموقف الرسمي من الإجراءات بحق المجندات فقد  صرح مصدر مسؤول في قيادة محور تعز، لـموقع “العربي الجديد” في حينه (مايو 2017)، بأن “إسقاط النساء من كشوفات الجيش والأمن، جاء نتيجة توجيهات وأوامر من القيادة العليا، وتحديداً من الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي ونائبه علي محسن الأحمر، وقيادة التحالف العربي، وبأوامر صريحة لا نقاش حولها”[3].

وإن كانت تجربة اندراج المرأة في الشرطة اليمنية حديثة نسبية فإن تجربتها في الجيش اليمني أكثر رسوخاً وإن شابتها الكثير من التعقيدات والعراقيل كما توضح ذلك سارة علي، وهي إحدى عناصر قوات مكافحة الإرهاب قبل الحرب وبرتبة ملازم، والتي تحدثت عن تجربتها لـ “العربي الجديد”، فقالت “كنت مع المئات من المجندات ضمن قوات مكافحة الإرهاب وتم إعدادنا وتدريبنا على كثير من المهارات القتالية.

كما تلقينا دورات تدريبية مكثفة وتركزت مهمتنا بشكل رئيس في عمليات التفتيش والاقتحامات وحماية المؤسسات لكننا كنا نتعرض للكثير من المضايقات من المجتمع، الذي لم يتقبل فكرة انضمام المرأة للجيش والأمن. وهذه الثقافة انعكست على تعامل الجهات الرسمية معنا فكانت حقوقنا دائماً ما تصادر لصالح القيادات العسكرية العليا، كما أن الاهتمام بالمجندات كان اهتماماً موسمياً لإرضاء أجندة دول ومنظمات خارجية لا أكثر”.[4]

أما في الوقت الحاضر، فإن المرأة اليمنية كغيرها من النساء العربيات العالقات بين جهات النزاع أو الأنظمة القمعية والتقاليد المجتمعية، تتعرض لصور مختلفة من الأذى والتنكيل.

وقد كان شهر سبتمبر/أيلول من عام 2014 نقطة التحول السوداء في حياة النساء كغيرهن من مكونات الشعب اليمني، حيث أكدت منظمة “عدالة” للحقوق والحريات مقتل 230 امرأة وجرح 188 أخريات على أيدي المليشيات في أثناء اجتياح محافظتي عدن ولحج في مارس/آذارمن عام 2015.

ويوثق تقرير لوزارة حقوق الإنسان في اليمن مقتل وجرح 1665 امرأة يمنية بنيران مليشيا الانقلاب من ليلة سقوط العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر/أيلول 2014 وحتى 30 مارس/آذار 2016،ورصدالتقرير 23 حالة اختطاف والاعتداء على 66 أخريات،كما انتشرت حالات التحرش والاغتصاب والتعدي الجسدي على النساء على يد مليشيات الحوثيين، وتتوفر على ذلك شهادات متكررة من ضمنها تقارير عن زواج إجباري لمقاتلي المليشيات مما يعتبره الحقوقيون اليمنيون داخلاً تحت باب السبيّ المقنن بزواج صوري.[5].

وعلى الرغم من هذه الظروف المأساوية فإن المرأة اليمنية مازالت تحاول أن تحتفظ بقدرتها على المواجهة وفق ما تسمح به قدراتها، وقد كانت الناشطة الحقوقية أفراح الأكحلي، صرّحت أن المرأة اليمنية “تقود وحيدةً نضالها الكبير في توصيل صوتها وصوت المختطفين وآلامهم للعالم، عبر وقفات وأنشطة متعددة تحت تعرضها للانتهاكات من مليشيا الانقلاب على غرار التهديدات والملاحقة في أثناء التظاهرات الاحتجاجية ومصادرة الكاميرات وغيرها من التعسفات”.

وأضافت في حديثها لـ”الخليج أونلاين”،أن “المرأة اليمنية اليوم في ظل الانقلاب تعيش وضع اللاحياة؛ القلق والخوف المستمر على سلامة أسرتها الذين قد يتخطفهم الموت بيد قناص أو يتخطفهم الجوع إلا أن عدالة قضيتها كان سر قوتها للاستمرار في نضالها وكفاحها المستمر بمختلف القضايا، سواء علاج الجرحى أو المطالبة بالإفراج عن المعتقلين ورفض سيطرة الانقلاب على الدولة، حيث تسعى لتوصيل صوتها عبر بصيص نور يحلّق في الأفق”[6].

وقد تطورت هذه المشاركات الفاعلة حتى تشكلت أول خلية نسائية لتنظيم الجبهة القومية في عدن، وكانت تشمل هن: نجوى عبدالقادر مكاوي، فتحية باسنيد، نجيبة محمد عبدالله، عائدة علي سعيد، فوزية محمد جعفر، ثريا منقوش، فطوم الدالي، زهرة هبة الله (نعمة). ومن اللافت للنظر أن تكون معظم القيادات النسائية البارزة من التربويات، اللواتي جمعن بين النشاط التعليمي والتثقيفي وبين النضال السياسي ضد المستعمر.

وقد استمرت المرأة اليمنية في الوقوف في طليعة المسيرات المناهضة للاحتلال البريطاني في مدينتي عدن والشيخ عثمان مما أدى لزيادة أعداد المنضمات للحركة النسائية في كافة المحافظات. وقد تُوج  هذا النشاط المتزايد بالقرار الجمهوري الصادر 16 فبراير 1968 بتشكيل الاتحاد العام لنساء اليمن كوريث شرعي للحركة النسائية اليمنية وإطار تنظيمي انضوت في صفوفه كل نساء محافظة عدن، لحج وأبين وكانت أول رئيسة له الناشطة فوزية محمد جعفر.

ومنذ ذلك الحين تواصلت محاولات الاستعمار البريطاني لتحجيم دور المرأة اليمنية معتمداً على الوضع القائم من تحديد لأدوارها المجتمعية والسياسية، ولكن ذلك لم ينجح في إثنائها عن مشاركاتها في مجالات النضال المختلفة. ولعله من المؤسف الكثير من أسماء تلك النساء ما تزال مجهولة لأعداد كبيرة من أفراد الشعب اليمني بل والأمتين العربية والإسلامية على الرغم من مساهماتهن ودورهن المحوري في النضال التحرري.

وقد تطورت هذه المشاركات الفاعلة حتى تشكلت أول خلية نسائية لتنظيم الجبهة القومية في عدن، وكانت تشمل هن: نجوى عبدالقادر مكاوي، فتحية باسنيد، نجيبة محمد عبدالله، عائدة علي سعيد، فوزية محمد جعفر، ثريا منقوش، فطوم الدالي، زهرة هبة الله (نعمة). ومن اللافت للنظر أن تكون معظم القيادات النسائية البارزة من التربويات، اللواتي جمعن بين النشاط التعليمي والتثقيفي وبين النضال السياسي ضد المستعمر. وقد استمرت المرأة اليمنية في الوقوف في طليعة المسيرات المناهضة للاحتلال البريطاني في مدينتي عدن والشيخ عثمان مما أدى لزيادة أعداد المنضمات للحركة النسائية في كافة المحافظات.

وقد تُوج  هذا النشاط المتزايد بالقرار الجمهوري الصادر 16 فبراير 1968 بتشكيل الاتحاد العام لنساء اليمن كوريث شرعي للحركة النسائية اليمنية وإطار تنظيمي انضوت في صفوفه كل نساء محافظة عدن، لحج وأبين وكانت أول رئيسة له الناشطة فوزية محمد جعفر. ومنذ ذلك الحين تواصلت محاولات الاستعمار البريطاني لتحجيم دور المرأة اليمنية معتمداً على الوضع القائم من تحديد لأدوارها المجتمعية والسياسية، ولكن ذلك لم ينجح في إثنائها عن مشاركاتها في مجالات النضال المختلفة. ولعله من المؤسف الكثير من أسماء تلك النساء ما تزال مجهولة لأعداد كبيرة من أفراد الشعب اليمني بل والأمتين العربية والإسلامية على الرغم من مساهماتهن ودورهن المحوري في النضال التحرري.

[1]نساء اليمن: مقاومة سلمية من وراء الحجاب: http://www.dw.com/ar/%D9%86%D8%B3%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%86-%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%88%D9%85%D8%A9-%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D9%88%D8%B1%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AC%D8%A7%D8%A8/a-15144446

[2]المرأة في الجيش اليمني… تجربة أُجهضت في تعز: https://www.alaraby.co.uk/politics/2017/5/13/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%A3%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%8A%D8%B4-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%86%D9%8A-%D8%AA%D8%AC%D8%B1%D8%A8%D8%A9-%D8%A3%D8%AC%D9%87%D8%B6%D8%AA-%D9%81%D9%8A-%D8%AA%D8%B9%D8%B2.

[3]المصدر السابق.

[4]المصدر السابق.

[5]المرأة.. “المُقدَّس” اليمني الذي انتهكه الحوثيون: http://alkhaleejonline.net/articles/1494913763784671800/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%A3%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%82%D8%AF%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%86%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%8A-%D8%A7%D9%86%D8%AA%D9%87%D9%83%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%88%D9%86/

[6]المصدر السابق.

الوسوم

أحلام مصطفى

مُدونة وطالبة فلسطينية تحضّر لدرجة الدكتوراه بجامعة سيدني الأسترالية في مجال اللغة العربية وثقافاتها يركز عملها البحثي على كتابات الذاكرة والفاجعة في السياق مابعد الاستعماري

اترك رد