الرئيسيثقافةغير مصنف

مرثيــــة النغم الأسود الحزين

كيف ولد الجاز والبلوز من رحم الآلام والمعاناة من الظلم والعنصرية

 

ربّما تعجب شقراء بفستان أسود مكشوف الظهر، تلبسه فيشتهيها رجل أبيض مثلها، ربّما يعجب الكثير بموسيقى السود كفستان أسود أو كشهوة لشقراء تلبس فستانا أسود مكشوف الظهر، لكن تمهل إنّ هذه الآهات اللاهثة والحماسية تروي سيرة هذا اللون الحزين جدّا مازالت الرئات تتحمل كلّ هذه الشهقات الزائدة .. فلا تغرّك الشقراء ولا الفستان.

أنماط كثيرة من موسيقات حزينة، المورنا التي تشبه الفادو البرتغالية، الجاز والبلوز، أبدع في تقديمها فنانون سود حملوا أوجاع الأسلاف بين حناجرهم الحيّة التي كشفت وجع الأسود وتوقه للإنعتاق، على وجوههم المنهكة والمتعبة التي تنهمر عرقا، إنّها موسيقى السود التي خلدت نضالاتهم ضدّ العبودية وكلّ أشكال التمييز العنصري الذي تعرضوا له.

قبل أن تصبح أمريكا اليوم سيّدة العالم ومصيره، وقبل أن يصبح السود مواطنين أمريكيين لهم كلّ الحقوق والواجبات مثلهم مثل البيض، كانت أمريكا حلما بعيدا جدّا لم يتحقق إلا بأجساد السود وعلى جماجمهم الذين جاؤوا إليها عبيدا لا حق لهم في قول لا.

 

 

يختلط الحديث عن البلوز والجاز والمورنا بأوجاع ملايين السود في الماضي وفي الحاضر، كيف يمكن أن نتنقل بين هذه الأنماط دون أن ندوس على جراحات وعذابات الأسود! إننا للأسف نحفر بين اللحم والعظم لن نجد سوى أظافرنا عالقة بين أحلام الحفاة والعراة في إفريقيا لا حلم لهم سوى الحقّ في الحياة بكرامة.  وما أصعب الحياة والكرامة في عالم تنخره الحسابات والقذائف ولا يرى في إفريقيا سوى مناجم ذهب وعاج وماس، أما هؤلاء البشر فلا يتسع لهم شيء، لا حدقة العين ولا حقهم في الحرية والعدالة لا شيء على مقاس وجودهم سوى مواصلة نهش أجسادهم ونهب ثرواتهم.

صدقا لا يمكن أن نستمتع بصوت الكاهنة الحافية “سيزاريا ايفورا ” أو لنا الوقت في وصف دلالات الأقدام السوداء العارية على أكبر مسارح العالم لا وقت لنا لرثائها، رحلت الحافية عن الحياة ولم يفكر أحد بعد في شراء أحذية لأطفال إفريقيا، ومازال موطنها الرأس الأخضر الذي أسعد العالم بالمورنا حزينا وفقيرا.

 

 

ربّما تروي “المورنا” الموسيقى التقليدية بالرأس الأخضر سيرة وطن سعيد لم يكن معروفا فانقلب فجأة إلى وطن تعيس بعد استكشافه على أيدي البرتغاليين في القرن الخامس عشر، فأصبح بعد استكشافه مركزا لتجارة العبيد في افريقيا.

العبودية الكلمة المفتاح في موسيقى السود، لقد عانى منها أسلافهم طويلا، إنّها إرث الألم والتعب، إنّها تلك الصرخات المنبعثة من موسيقى البلوز، كانت في البدء رفيقا للسود الذين تمّ جلبهم في القرن السابع عشر إلى القارة الأمريكية ليشتغلوا في حقول القطن والقمح، فعبروا من خلال هذه الموسيقى على مزاجهم الحزين لتخرج أصواتهم على شكل صيحات لعلها تخفف وطأة استعباد الرجل الأبيض.

أشار بعض الباحثين إلى بعض أوجه الشبه بين البلوز والآذان عند المسلمين، فطريقة أداء هذا النوع الموسيقي يشبه كثيرا طريقة النداء في الآذان، كان من بينهم عالم الموسيقى الألماني غيرهارد كوبيك، قبل أن تتأثر موسيقى البلوز بالترانيم الكنسية المسيحية.

لقد كانت موسيقى البلوز لسنوات طويلة ملاذ المضطهدين والمظلومين بل بمثابة القلب النازف دون إخفاء أو مواراة كما تحدثت أغنياتهم التي نقلت هواجس السود تجاه الفقر والعنصرية والموت وغيرها من المواضيع التي عانى منها السود في أمريكا.

إنّها موسيقى الكآبة التي جعلها “رايلي بي كينغ” محبوبة في كلّ أنحاء العالم، الحزن جميل وصادق ويشترك فيه الكثير من كلّ الألوان والأديان والأجناس، لذلك نجح البلوز زرايلي بي كينغ في حشد أنصار لهذه الموسيقى.

 

 

رغم محاولة الرجل الأبيض اقتحام موسيقى الجاز إلا أنّها تبقى ملكا خالصا للرجل الأسود. إنّها من رحم معاناته في التاريخ، حمل من خلالها كما حمل أسلافه في صيحات البلوز، مأساته في التاريخ، يتغذى منها ليبدع أكثر. فهي موسيقى تتغذي بالحزن، مساحات كبيرة من الألم اختبرها من عانى طويلا من نير العنصرية، عوالم مخيفة مرعبة لا يمكن أن يختبرها سوى من عاش مهددا في حياته بسبب لونه الأسود.

هكذا ولدت موسيقى الجاز كما ولدت موسيقى البلوز قبلها، كانت موسيقى الجماعة المحرومة من حقّ الحياة بكرامة في أمريكا وموسيقى الاحتجاج والرفض.

إنّها موسيقى “نينا سيمون” المؤدية الغاضبة التي غنّت “أن تكون صغيرا وموهوبا وأسود”، نينا التي أمتعت العالم بصوتها وبموسيقى الجاز، كما تمتع العالم بصوت الخالدة سيزاريا ايفورا على أنغام موسيقى المورنا التقليدية وبموسيقى البلوز بصوت صبيّ الكآبة رايلي بي كينغ .

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.