مجتمعغير مصنف

محمد الزعري الجابري..   طبيب يقيس نبض المرضى بالقلم

مجتمع

 

أسماء بوخمس- مجلة ميم- المغرب

محمد الزعري الجابري.. طبيب يُشخص عالم الأبدان السقيمة عبر الكتابة.  من خلال المرضى الذين عايشهم تعلم قيم الحياة، محنهم المريرة جعلته يكتشف أنقى ما في المرء: “الإنسانية”.  نزع عنه وزرته البيضاء ولبس الورقة البيضاء  بيد تمسك قلما حبره دواء لجروح الروح الغائرة..  يتعلق الأمر بالدكتور والجمعوي المغربي محمد الزعري الجابري ومؤلفه “يوميات (مذكرات) دكتور جراح منفصم الشخصية”.

 

يعتبر الكتاب الجديد “يوميات جراح منفصم الشخصية”  الصادر عن  PRESSES  INTER UNIVERSITAIRES باللغة الفرنسية بعنوان: Les chroniques d’un neurochirurgien schizophrène  أول مؤلف يصدره طبيب مغربي يحكي قصصا حقيقية لمرضى داخل دهاليز المستشفى العمومي بـ  “أجمل بلد في العالم” (في إشارة منه للمغرب).  يصنف الكتاب الجديد للدكتور الزعري ضمن كتب المذكرات حيث قدمه كصوت من لا صوت له وسط نظام صحي يسير بسرعتين كما جاء في الغلاف.

 

احدى عشر حكاية بقلم الطبيب الإنسان..

“أنا الطبيب الناطق بلغات المعمورة، هؤلاء  المرضى البسطاء جعلوني أفتح عيني وأحس بالجانب الإنساني فينا. لهؤلاء المرضى أينما كانوا أهدي هذا الكتاب، لأن حكايتهم ببساطة تستحق أن تُروى” هذا ما تقرؤه في مقدمة كتاب نشأت فكرة إصداره  في 11  قصة عام 2011،  من دموع وآهات ومكابدة المرضى الذين عاينهم الزعري، الطبيب المتدرب آنذاك بالمغرب في تخصص جراحة المخ والأعصاب، كما صرح بذلك لمجلة “لكل النساء”.

يشرح الدكتور الكاتب الزعري أكثر قائلا: “ذهلت بمدى القصص الحزينة التي واجهتها كل يوم في المستشفيات، وبالتالي وجدت في الكتابة ملاذي نحو الهروب من مآسي جاثية، أو بالأحرى كان القلم وسيلة للتنفيس والتفريج  والبحث عن أوكسجين.  بدأت المشوار بالتدوين، وبفضل مقالاتي التي لاقت نجاحا كبيرا على الإنترنت، تولدت لدي فكرة  ضرورة إصدار كتاب يضم قصصا حقيقية لمرضى وأقدمه كصوت من لا صوت له وسط نظام صحي يسير بسرعتين. وعند ذهابي إلى كندا لمواصلة دراستي، التقيت بالصدفة مع الناشر الكندي الذي وافق على مشروعي. الكتاب اليوم موجود بالمغرب وفي الدول العربية التي تعاني من نفس المشاكل الصحية تقريبا”.

تأثير الحكايات الإحدى عشر على قارئ الكتاب لا يخلو بدوره من التفريج عن النفس، وهو ما يصفه الروائيون بالأثر العلاجي النفسي للأدب، كما أنها لا تخلو من دعوات صريحة لإعادة النظر في إحساسنا بمعاناة الآخر والتضامن معها وتبنيها وبالتالي القيام بفعل ذو أثر إيجابي على الوضع الراهن الذي تصوره ذات القصص قاتما. إذ أنه يأسر القارئ من الوهلة الأولى  بسرده ووصفه الدقيقين، يجعلك تسافر معه وتتفاعل مع مجريات قصص حزينة تشرح وتعري منظومة صحية غير ديمقراطية على حد قوله، مستدلا بمن ينتظر شهورا من أجل الولوج لقاعات الفحص وسط إجراءات إدارية روتينية، وبالمواطن الذي يستفيد من حقه في الصحة بكل سهولة ضاربا كل الحواجز عرض الحائط…

 

أنا الطبيب الناطق بلغات المعمورة، هؤلاء  المرضى البسطاء جعلوني أفتح عيني وأحس بالجانب الإنساني فينا. لهؤلاء المرضى أينما كانوا أهدي هذا الكتاب، لأن حكايتهم ببساطة تستحق أن تُروى

 

في حضرة الصحة العمومية : “البيسطوني” و “الكاوري”، ثم “ابن الشعب”..

يجعلك الأسلوب والكلمات تعيش قصة مي فاطنة وسعيد وسي جمال وجولييت، وآخرين  يجمعهم خيط ناظم واحد، هو أنهم ضحايا لنسق صحي مهترىء كما جاء في كتاب الدكتور الزعري “مذكرات جراح سكيزوفرين”.

وجوابا على سؤال الوضع الراهن للبنيات الصحية في المغرب يقول: “إنه لوضع مخزي جدا أن تعيش مستشفياتنا العمومية هاته الوضعية أمام مرأى ومسمع مسؤولين همم الوحيد جمع الثروة.. بل والأنكى من ذلك غدا المستشفى مستنقع تجارة ربحية تتاجر في الأدوية لفائدة أشخاص اجتمعت فيهم ويلات الجهل والأمية والفقر”.

الزعري يرصد فى كتابه أيضا اختلالات كبيرة تشوب المستشفيات العمومية بـ”أجمل بلد في العالم” من ضعف للتجهيزات الطبية وتعطيل أجهزتها وغياب الكثير من المستلزمات الأولوية في قاعات الفحص والإنعاش بالإضافة إلى تعقيد الإجراءات الإدارية أمام “ابن الشعب” – يكتب الزعري في مذكراته –  وتسهيلها أمام “البيسطوني”، ذلك الشخص الذي يأتي مصطحبا برفقة طبيب أو مساعد إداري أو ممرض ويتمتع بحقه في الصحة بسهولة وأريحية.

الحال نفسه ينطبق على “الكاوري” (السائح) الذي يدخل  إلى المستشفى بدون إجراءات ويستفيد من حقه في التطبيب بشكل جيد مخافة وقوع أي أزمة مع بلاده يفسر الدكتور الزعري.

 

إلى متى سيظل الحق في الصحة مجرد حبر على ورق لـ “ابن الشعب”؟  لكم أن تتصوروا  معي غرفة إنعاش رائحتها نتنة، تعلوها الأدران من كل حدب وصوب.. أسرّة لربما تعود لسنوات التسعينات أو الثمانينات وممرض (ة) لكل 25  مريض!

 

الموت باسمة أرحم لها من حياة قوامها مكابدة مسترسلة..

“مي فاطنة.. امرأة ليست كباقي النساء” هكذا عنون الدكتور المؤلف محمد الزعري الجابري القصة الرابعة في كتابه “يوميات  دكتور جراح  منفصم الشخصية”. يستهل محمد حيثيات القصة الحقيقية التي عاشها رفقة مي فاطنة ويقول: تعرفت على “مي فاطنة” ذات يوم خميس باكر في إحدى الغرف الموحشة التي تستقبل المرضى بـ “أجمل بلد في العالم”، أدخلت “مي فاطنة” إلى المستشفى بعد إصابتها بنزيف دماغي تطلب إقامتها فيه للعلاج.

بعد تبادل أطراف الحديث معها، تبدو لك للوهلة الأولى كالجدة التي بلغت من الكبر عتيا، تفيض بالكرم والطيبة والبسمة التي لم تغادر محياها رغم أنينها. تقول السيدة “مي فاطنة” ذات الـ 75 سنة، مات زوجي منذ 15 سنة مضت بسبب أزمة قلبية ألمت به، وكان يشتغل قيد حياته حارس ليلي للسيارات، لم يكن لدينا أولاد ومع ذلك عشنا حياة سوية رغم الفقر والجهل وظروف الحياة المريرة.. أهم شيء عشنا سويا تحن سقف واحد في إحدى الأحياء الهامشية بالعاصمة قادمين من قرية نائية بحثا عن حياة أفضل كما قالت “مي فاطنة”.

 

 

 

هذه الحياة التي سرعان ما ستتحول إلى مرارة قاتلة بعد وفاة الزوج، لتجد نفسها بين ليلة وضحاها وحيدة في مدينة لا تعرف فيها أحد. اضطرت “مي فاطنة” للعمل لكسب قوت يومها بعرق جبينها من خلال اشتغالها في البيوت، بيد أن ذلك لم يطل كثيرا لكبر سنها وعدم قدرتها على عمل مضنٍ. يقول الدكتور الزعري قضت “مي فاطنة” 5 سنوات بين الأزقة من غربة إلى غربة وسط عراء مخيف إلى أن قادتها الأقدار في يوم من الأيام إلى دار للعجزة. قالت لي “مي فاطنة” يومها “لك أن تتصور فرحتي عند استيقاظي من النوم وأنا أجد نفسي وسط أربعة جدران منحتني دفئا افتقدته لمدة ناهزت خمس سنوات قضيتها متشردة.

في تلك الغرفة التي تعج بالمرضى في المستشفى الجامعي بـ “أجمل بلد في العالم”،  ما يثيرك هو درجة الإنسانية التي تجمع ثلة من البشر شاءت لهم الأقدار أن يتجرعوا مرارة واقع صحي يدمي القلب. فرغم الفقر المدقع الذي ينخرهم، يقتسمون كسرة خبز وأمل في الشفاء للخروج من مستشفى جامعي مليء بالمتناقضات يردف الدكتور محمد في كتابه.

ونظرا لوحدتها القاسية، أبى باقي المرضى إلا أن يقتسموا معها الدواء. بدأت مي فاطنة في علاجها غير أنها لم  تتناول أهم دواء وصف لها في الوصفة الطبية (دواء لضبط الضغط الدموي)، الشيء الذي عجل في حالتها بدخولها في غيبوبة (كومة)..

ولم يمر سوى يومان على ذلك حتى توفيت في غرفة الإنعاش. فإلى متى سيظل الحق في الصحة مجرد حبر على ورق لـ “ابن الشعب”؟  لكم أن تتصوروا  معي غرفة إنعاش رائحتها نتنة، تعلوها الأدران من كل حدب وصوب.. أسرّة لربما تعود لسنوات التسعينات أو الثمانينات وممرض (ة) لكل 25  مريض! ”

يضيف الزعري  “لما توفيت مي فاطنة غادرت هاته الحياة بنفس البسمة التي عرفتها بها”، قضت خمسة عشر سنة قابعة في عزلة الوحدة. فمن المخطىء؟ يتساءل الزعري. هل هو المجتمع الذي نعيش فيه والذي تغيب فيه الإنسانية؟  أم المنظومة الصحية برمتها التي تتخبط في مشاكل متشعبة يكون ضحيتها في نهاية المطاف الضعفاء وأناس في وضعية صعبة من لا حول لهم ولا قوة؟ إلى متى سيستمر هذا النزيف في مستشفياتنا العمومية؟…

 

ذهلت بمدى القصص الحزينة التي واجهتها كل يوم في المستشفيات، وبالتالي وجدت في الكتابة ملاذي نحو الهروب من مآسي جاثية

 

تراكم تجربة..

“من المخطئ؟” هكذا عنون الدكتور الزعري أول قصة في مذكراته عن مساره الغني الذي طبعه بحثه المتواصل عن المعرفة والعلم ولو في جغرافيا نائية عن المغرب موطنه الأصلي، كما تميزت بقدر كبير من التضامن والالتزام الجمعوي والتوعوي. حيث أنه سبق للدكتور المؤلف محمد الزعري الجابري أن قدم برنامجا صحيا بعنوان “صحتك كل يوم” على القناة الأولى، و”سال الطبيب” (إسأل الطبيب) على الإنترنت  وهو برنامج إلكتروني توعوي يقدم معلومات ونصائح طبية بطريقة سهلة بالدارجة المغربية، أطلقته جمعية “عدن” للأعمال الاجتماعية والثقافية كمشروع تحسيسي هدفه إعادة بناء الثقة بين المواطن المغربي والطبيب بغية دحض بعض الظواهر المتفشية كالتطبيب الذاتي.

الهدف المتوخى من هاته البرامج الصحية  يتحدث الزعري هو “رفع درجة الوعي بالأمور الصحية وتقديم منتوج سلس يمكن من إيصال الرسالة التوعوية لكل شرائح المجتمع”.

تجدر اٌلإشارة، أن الدكتور الجراح محمد الزعري الجابري هو خريج كلية الطب والصيدلة بالرباط، تابع دراساته بكلية الطب “باريس ديكارت” واستكمل مشواره بالجامعات الكندية حيث يشتغل كطبيب مقيم مختص في الأمراض العقلية والنفسية بجامعة لافال. وعلى مدى عشر سنوات ساهم الزعري سواء من خلال عمله الجمعوي والتوعري ومقالاته في تعزيز الوعي الصحي وتغيير بعض السلوكيات الخاطئة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد