مدونات

لا ترهقوا الحجاب بتزيين نقيضِه

بقلم: لمى خاطر 

 

حتى الحجاب صار له يوم عالمي، كأي شيء آخر في هذه الحياة، وكأنه تقليد إنساني، أو عادة شعبية، أو نمط اجتماعي متوارث، وليس أمراً ربانياً موجهاً للنساء، له أحكامه وتنبني عليه حكمة ربانية، وبه تحوز المرأة المسلمة اكتمال هويتها.

وبما أن للحجاب يوماً عالمياً فلا بد أن تُكتب على هامشه كثير من المقالات، وأن تُدار حوله نقاشات مطوّلة، لكنّ في معظمها من الاستعراضية والثرثرة الثانوية أكثر مما فيها من الفائدة، كأنْ يخصص بعضهم أو بعضهن صفحات للحديث عن افتراضات مختلَقة من قبيل الادعاء بأن المحجبة تفترض في غيرها النقص وقلة الإيمان وانعدام الخلق، أو طرح تعميمات ساذجة بأن غير المحجبات يمتلكن أخلاقيات رفيعة تفتقر لها كثير من المحجبات، أو تبالغ إحداهن في الاستعراض والادعاء عبر الحديث عن البركات النورانية التي تجلت لها عند خلعها الحجاب، وكيف ارتفع منسوب إيمانها واتصالها بالله.

في هذا الموضوع تحديداً وفي الحديث العصري عنه يتقدم الهوى على الأصول، وتصبح التعاليم الربانية القاطعة والواضحة محل استخفاف وجدل وأخذ ورد، وهذا أمر منافٍ بالضرورة لأبسط مقومات التسليم التي أُمر الله بها المسلم والتي هي أبرز الدلائل على حسن إسلامه ومتانة إيمانه، فكيف تكون العبادة بمفهومها الواسع مستوفية شروطها ومتطلباتها، والمسلم يجادل في أمر شرعي قطعي الدلالة ورد في أكثر من موضع من كتاب الله، ويخضعه لتفسيرات واجتهادات ناقصة مبعثها الهوى؟

ليس لأحد أن يدّعي أن غير المحجبة قد خرجت من الملة أو أنها فرغت من القيم، وليست هناك ظاهرة تقول بتركيز المتدينين على هذه القضية، إنما في المقابل ليس لأحد أن ينكر أن غير المحجبة قد خالفت أمراً ربانياً واضحا، مهما حاول أن يتأول لقناعاته ومزاجه الفكري.

وليس لأحد أن يرمي المحجبات بما شاء من نقائص مقابل تمجيد غير المحجبات والانتصار لهن بمناسبة ودون مناسبة، والاعتقاد بوجود حاجة دائمة لاسترضائهن استناداً إلى اعتقاد موهوم بأنهن مستضعفات ومتّهمات داخل المجتمعات المسلمة، وخصوصاً حيث لا توجد سلطة تلزم النساء بالحجاب، أو تكره عموم المجتمع على أنماط معيّنة من التديّن.

 

ارحموا الحجاب من تلك الفلسفات المستحدثة، فهو واضح بجوهره وشكله

 

قبل مدة، ثارت ثائرة عدد من الناشطات النسويات في فلسطين على خلفية تكريم إدارة إحدى مدارس الإناث للطالبات الملتزمات حديثاً بالزي الشرعي، من باب أن هذا يعدّ تمييزاً لهن عن الأخريات غير المحجبات، بطبيعة الحال لن تفقه هذه النوعية من النسوة المعترضات معنى التحفيز على الطاعات في فقه الدعوة الإسلامية، ولا يجدي أن تناقشها بجدوى إشاعة أجواء الفضيلة داخل المجتمع، وتعزيز جانب الأمر بالمعروف والحض على التزام التعاليم الربانية.

لكن سيكون مجدياً قياس الأمر على تكريم المتفوقين دراسياً أو المبدعين في مجالات معينة فنية ورياضية وأدبية ونحو ذلك، أليس في تكريم هذه الفئة أيضاً تمييز لها عن غيرها؟ أم لا يكون التمييز مؤذياً ومحل انتقاد إلا حين يتعلق بتكريم وتشجيع الملتزمين دينياً وخصوصاً المحجبات؟

المؤسف في المقابل أن تجد من يجاري ذلك الشطط في إنكار مكانة الحجاب، ويضطر في سبيل إثبات تنويره وتسامحه إلى أن يتطرف في انتقاد كل من ينادي بالحجاب أو يحضّ عليه أو يذكّر بمقوماته، متناسياً أن الأوامر الإلهية لا يصح معها غير التسليم، حتى مع القناعة بحرية الناس في انتهاج ما يشاؤون من سبل، وضرورة ألا ينصب أحد نفسه وصياً على نوايا الناس ومصائرهم. لكنّ كل هذا لا يحوّل التقصير الديني إلى كمال، ولا يلغي كنه الشريعة ويشطب أحكامها، ولا يحيل السواد إلى بياض، ولا يبيح لأحد بأن يميّع أصول دينه إرضاءً لأي كائن بشري.

ارحموا الحجاب من تلك الفلسفات المستحدثة، فهو واضح بجوهره وشكله، وما يجب أن يحضّ عليه وما يفضي إليه، ولا تشوهوا جماليته عبر إقحام افتراضات متطرفة أو متوهمة على عالمه، أو بتزيين نقيضه وإنقاص شأنه وتشويه معناه. وليت انتقاد الباطل وتعرية نقصه يأخذ من عناية بعض المثقفين واهتمامهم ما يأخذه نقد الفضيلة وتبخيس قيمتها وتشويه صورتها.

لمى خاطر

كاتبة من فلسطين

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد